خالد فضل كتب الأستاذ يحي فضل الله ذات مرة عن وقائع الإعتداءات الجسدية على المبدعين , مثل إغتيال الراحل خوجلي عثمان وطعن نجيب محفوظ , فاستشهد بواقعة الكاتب الكبير صمويل بيكيت الذي ذاع صيته في الحقل الأدبي ,

وعندما عاد الى وطنه ايرلندا أعتدى عليه أحد الأشخاص بطعنة من آلة حادة , قال إن الكاتب ظل طيلة فترة بقائه في المستشفى يصر على مقابلة طاعنه , فلما جيء به إليه سأله : لماذا طعنتني؟ فكانت إجابة الرجل ما ترجمته للدارجة السودانية الوسيطة ( ساي). هنا حدث تحول في مسيرة الكاتب الكبير وفي نظرته للحياة . ف (ساي ) تشير الى عبثية الفعل. 

مؤخرا قرأت حديثا منسوبا لنائب الرئيس عمر البشير , مفاده أن السنوات الإنقاذية السابقة التي تقارب ربع القرن قد انصرمت (كلام ساي), ولذلك يعد سعادته بأن زمن الكلام ساي قد انتهى وستشهد الفترة المقبلة الكلام (الما ساي). وفي رواية منسوبة للرئيس البشير نفسه أن زمن (التمكين انتهى) وتاني مافي أولاد مصارين بيض ومصارين سود , وستشهد الفترة المقبلة أيضا اعادة الخدمة المدنية الى سيرتها الأولى , وحكاية السيرة الأولى بالتحديد تعتبر من نوع الكلام (الما ساي ) ولدي الدليل . خذ مثلا مشروع الجزيرة الزراعي تقول سيرته الأولى أن أراضيه كانت عبارة عن فيافي شاسعة تسرح فيها قطعان البدو الرعاة , مع مساحات أخرى تشغلها ما تعرف بـ(البلدات) وهي زراعة مطرية لانتاج الذرة في الغالب , هذه هي السيرة الأولى لمشروع الجزيرة . السيرة الأخرى للمشروع , أنه قد تم تخطيطه وهندسته بصورة مذهلة , ليصبح اكبر مشروع زراعي في العالم يروى انسيابيا من خزان سنار حتى تخوم الخرطوم , وبادارة مركزية في بركات بالقرب من ودمدني , وحدث أن هذا المشروع بانتاجه للقطن قد أصبح أكبر مصدر للعملات الصعبة التي رفدت خزانة الدولة السودانية منذ نشأتها , وأن الاقتصاد الوطني في معظمه قد اعتمد على انتاج ذلك المشروع , وأن ملايين السودانيين وغير السودانيين قد توفرت لهم فرص العيش والرزق والخدمات من ريع هذا المشروع , باختصار تقول السيرة الثانية لأرض الجزيرة أنها منطقة تنمية وانتاج بينما سيرتها الأولى كما سلف , تكفي بالكاد شظف عيش عربان سهولها وبهائمهم. وعندما يقول قائل من الانقاذيين أنهم بصدد إعادة الجزيرة الى سيرتها الأولى فقد صدقوا في ذلك وأيم الله , فالجزيرة بالفعل قد عادت الى عهد ما قبل قيام المشروع أي بلدات ساي تنتظر ري السماء بعد أن خربت سنوات الكلام ساي بنية المشروع التحتية من قنوات الى مكاتب غيط الى هندسة زراعية الى سكك حديدية الى محالج ومطاحن ومغازل ومناسج وبحوث زراعية الى أراض زراعية , كل ذلك التخريب (ساي) كما قال طاعن صمويل بيكيت!!!!!!!

ثم يأتيينا حديث الرئيس المفدى بأربعين مليون سوداني حسبما تقول لافتات ما يزال بعضها منتصبا على واجهات مؤسسات حكومية . الرئيس المفدى يقول في حماسة إن عهد التمكين والمحسوبية قد انتهى ولن يصار الى أولاد مصارين بيض وسود في الخدمة المدنية!! أبشر , بل أبشروا وأبشرن يا أولاد المصارين السود , هاهو عهد التمكين قد انتهى وصرنا الى عهد جديد, فيه ستكون الخدمة العامة حقاً أساسياً من حقوق الإنسان في سودان جيل الشباب الحاكمين بعد إزاحة الشيوخ, أبشر يا أبكر وهرون وأوهاج وكلتوماية وتية والتاية وعرديب واب جاكومة وست ابوها , من الآن ستكون سودانيتكم فقط وتأهيلكم فقط هو الفيصل في نيل حقكم في العمل في مرافق وطنكم بعد منافسة حرة وشريفة مع أولاد المصارين البيض, ستصبحون مديرين للبنوك والمؤسسات والوزارات وأجهزة الإعلام والزكاة وقطاع النفط والمقاولات وسوق الأوراق المالية وخزائن الذهب والأدوية والعطاءات والإعلانات وشركات الترحيل والمطارات وو و و إلخ إلخ ستصبحون يا أولاد الكد ضباطا في الأجهزة النظامية كلها وطلابا حربيين تتزينون باللبس والعصا الصغيرة وستصبحون نقابيين منتخبين ومفرغين وما شالله أصحاب أملاك في نواصي الشوارع الكبيرة وهلمجرا . أبشروا و أبشرن يا أولاد المصارين السود فقد وعدكم الرئيس بإعادة الخدمة العامة سيرتها الأولى من حيث مهنيتها ولوائحها ونظمها المحاسبية , لن يتسلط عليكم فيها فتى غر أرعن لأنه يحمل صفة (مجاهد) ورتبة تنظيم, أبشروا يا أساتذة الجامعات فلن يهجم عليكم طالب مدلل من ذوي المصارين البيض شاهرا مسدسه في وجوهكم فإما شهادته خالية من أي رسوب أو القتل وأقله الإزاحة عن المنصب . لن تأتيكم قوائم المحظيين للجلوس لإمتحان يتجاوز ضوابطكم الأكاديمية , ولن تمنح درجات اضافية لذوى العصابات الحمراء ممن هتفوا (نحن للدين فداء) أو ترق كل الدماء !!!!.

ثم في اطار العهد الإنقاذي بعد ازاحة ناس غازي , تم تزيين بعض السادة والسيدات بأوسمة رئاسية رفيعة شملت ضمن من شملت د. حسن الترابي والإمام الصادق المهدي والمرحوم الأستاذ محمد ابراهيم نقد ومولانا محمد عثمان الميرغني , وبإستثناء الأول الذي ذهب الى السجن حبيسا ضمن خطة التمكين الماكرة , فإن البقية قد اقتيدوا للسجن حبيسين جد جد, فقد كانوا سدنة العهد الديمقراطي الذي قال عنه قائد الإنقلاب يومذاك أن وقت البلاد قد ضاع (كلام ساي). قبل أن يقول لنا نائب الرئيس أن ربع القرن قد مضى كلام ساي أيضا . فهل هذه الأوسمة نظير (الكلام ساي؟) , وقد رفض د.الترابي وأسرة نقد وحزبه تلك الأوسمة الساي بينما قبلها السيدان الميرغني والصادق رضي الله عنهما, قبلا بها ودماء شهداء هبة سبتمبر 2013 ما تزال ندية تعطر وجه الثورة , ودماء الشهداء في جبال النوبة ودارفور والنيل الأزرق طازجة تحدث عن وحشية مفرطة واستهانة بالبشر , قبلا بالتكريم بل عده الإمام (صحوة) , فهنيئا لمن قبل على كل حال. ولكن ملحوظة صغيرة نختم بها: إيه الضمان ألا يكون كل ذلك (كلام ساي ) لمن ظلوا 25 سنة في كلام ساي ؟؟؟!.