أمل هباني * لم يجمع هذا السودان المتنوع المترامي الاطراف منذ اعلان استقلاله  أي مشروع وطني قومي سياسي وثقافي واجتماعي يهدف للبناء الصحيح للدولة السودانية ويتفق ويتوافق مع كل مكوناتنا كشعب متنوع ومتعدد ومتباين وليس هجينا ......

* بل أن الاستقلال ذاته جاء على حساب مفهوم الدولة الوطنية ودولة المواطنة لصالح الدولة الطائفية الأثنية …وتحت رعاية ووصاية المستعمر ذاته ….وكان أكبر (خاذوق) هو التحالف بين المثقفين اصحاب العقل والفكر وذوي الرؤية الوطنية مع الطائفية المتخلفة الانتهازية حتى في مفهومها ..فهي مرة مع المستعمر ضد الوطنيين، ومرة مع الاستقلال …وهذه طريقة واسلوب يتسق ولا يتناقض مع تركيبتها عكس الحركة الوطنية التي كان يقودها المثقفون السودانيون ….

* لذلك لم تنشأ الدولة المستقلة  بمشروع وطني شامل كامل  لكل ابنائها على امتداد مليون ميل مربع، وتم التعامل مع المشكلة الأكبر مشكلة جنوب السودان بمنظور طائفي ضيق وليس منظور وطني قومي شامل، والدليل على ذلك رمي مقررات مؤتمر جوبا 1947والذي يعتبر  أول مفاوضات في اكبر واهم مشكلة واجهت الدولة المستقلة ونمت وترعرعت معها وهي مشكلة جنوب السودان واختلافه الثقافي والأثني والقبلي …ورغم أن مقررات مؤتمر جوبا كانت ستجعل الدول السودانية تبدأ بالمسار الصحيح باقرارها الفدرالية لحكم الجنوب واعطائه درجة من الحكم الذاتي، الا أن قصر النظر الطائفي هو ما حرف الدولة عن مسارها الصحيح …وقصر النظر الطائفي رأى أن الدين واللغة في الجنوب يجب أن تتبع للشمال (كسر رقبة ) ..وبدأت حملات الاسلمة والتعريب ….

* ومن غير المستحسن أن نقرأ التاريخ خارج سياقه (الزمكاني) كما يقول أساتذة الدراما أشارة للزمان والمكان معا ..لكن لو كانت هناك رؤية وطنية قومية شاملة للسودان في بداياته لاختارت اللغة الانجليزية لغة رسمية لاهل السودان مساوية للعربية أو ربما متقدمة عليها ….لأن اللغة الانجليزية لم تكن تشكل انحيازا طائفيا آنذاك كما كانت اللغة العربية، كذلك اسلمة الهوية السودانية تمثل توجها طائفيا وليس قوميا  …..

* فلو اعتبرت الانجليزية صنواً مساوياً للعربية منذ ذلك الحين لحلت مشكلة الجنوب وكل القوميات غير الناطقة بالعربية في السودان وهي ليست قليلة، في دارفور وفي جبال النوبة وفي شرق السودان وفي شماله ..والعربية هي لغة الأقلية الشمال أوسطية …والانجليزية لم تلغ تماما من السودان بل زادت مشكلتها بأن صارت مشكلة الصفوة الارستقراطية في السودان وتمثلها اعداد مقدرة من المتعلمين المثقفين الذين يدرسونها في المدراس الثانوية ثم الجامعات  على قلتهم …وبذلك اصبحت الانجليزية لغة التعالي الثقافي بدلا من أن تصبح لغة العوام …ما كان سيجعلها لغة الجميع وليست لغة احد …وكانت ستجعل من السودان وطن الجميع وليس  وطن احد ..فلن يشعر احد بالتمييز أو التهميش عندما يستعمل لغته الخاصة مع قبيلته أو مجموعته ثم يتحدث بلغة أنجليزية مع مواطنين آخرين يشاركونه فضاء هذا الوطن ..هذه الخطوة قد تبدو بسيطة وليست محل اهتمام لكثير من المؤرخين والباحثين ..لكنها نقطة جوهرية ومفصلية ….

وقد اعود لهذا الموضوع ..