عرض د. حامد فضل الله / برلين في الفصل الرابع بعنوان: نظريات الحزب الواحد. يبدا حيدر هذا الفصل باستشهاد للبروفيسور ( حسن مكي ) واصفا  وضعية الديمقراطية والحرية في السودان. ويفسر حيدر هذا التوصيف لحسن مكي بأنه غياب للديمقراطية والشورى معا من كل أشكال الواقع السوداني :ماضيا وحاضرا.

والكاتب ( مكي ) لا يستثني ما سمي بالقوة الحديثة وبالذات الفئات المتعلمة من غياب الديمقراطية فحتى الحزب الشيوعي لم ينج من مصيدة الدكتاتورية أو مركزية القرار ” مما عرضه للإنقسام والتآكل الداخلي، و يسر الانقضاض عليه وتحطيمه ” ويضيف : “والحركة الاِسلامية السودانية لم تجد حتى في واقع التاريخ الاِسلامي في فترة ما بعد الخلفاء، ما يعول عليه في قضية الشورى ( …) ومما زاد من حدة هذا المأزق التاريخي – الاجتماعي، أن حركة الإخوان نشأت في السودان الذي هو جزء من العالم الثالث ، تكتنفه الدكتاتوريات وتقوم فيه العلاقات السياسية على القهر والغلبة “. ويعلق حيدر مشيرا الي أن هذه الصورة تظهر ضمور قيمة الديمقراطية أو الشورى في مجمل الحياة السودانية … وبالتالي عرف التاريخ السياسي ثلاثة انقلابات ناجحة، تم استقبالها في البداية بالترحيب والقبول وفي أسوأ الأحوال باللامبالاة أو على الأقل بالانتظار. كان الانقلاب العسكري اختبارا مبكرا لمدى تمسك السودانيين بالديمقراطية؟

يقول حيدر ” كان من المفروض أن تكون الحقبة التي تلت ثورة أكتوبر الشعبية هي أكثر فترات تاريخ السودانيين تمسكا بالديمقراطية .وذلك بسبب عظمة الثورة التي قاموا بها بالإضافة لتجربة ست سنوات من غياب الحريات .ولكن العكس تماما إذ كانت الفترة الديمقراطية الثانية من1965 حتى مايو 1969، واحدة من أسوأ مراحل الحياة السياسية السودانية “

ويكتب حيدر بأن انقلاب 25 مايو 1969 يعتبر نقطة تحول كارثية في تطور البلاد، حيث وضعت ما تسمى بالقوى الحديثة كل فكرها ومستقبلها في العسكر أو ما أسمتهم ” التقدميين الثوريين ”

وهنا يسرد حيدر مطولا تاريخ ومسار انقلاب مايو . وتشكيل التنظيم السياسي من لجان  وتكوين الاتحاد الاشتراكي، ويشير أن  أهم مظاهر الخلل في الاتحاد الاشتراكي هي أن العناصر الأكثر اِيمانا بالفكرة والقادرين على التنظير والكتابة ،هم الأقل احتكاكا بالجماهير وعملا وسطها .مثل منصور خالد وجعفر محمد على بخيت وأحمد عبدالحليم و أحمد المغربي وبدرالدين سليمان .وظل النميري يعتمد أكثر على الأجهزة الأمنية المتعددة وعلى اِفساد النخبة واِبتزازها .ولم يكن من المنطقي للنميري الذي ضرب الأنصار بالطائرات في الجزيرة ( أبا ) في مارس 1970، وأقام المذابح للشيوعيين في يوليو 1971 وقضى على كل المؤامرات، أن يرضى بتقييد أو دستور أو مؤسسات .وقد أنتهى حلم ” الثورة الاِدارية ” بعد أن غادر عرابه جعفر بخيت الوزارة في عام 1975 .

وفي هذا الفصل يفرد حيدر فقرة بعنوان العالمثالثية وعنف اللغة عند منصور خالد .والفقرة تحتوى على 22 صفحة يسرد فيها الكاتب آراء وأفكار وتحليلات منصور خالد .وحسب علمي ، أظن اِنها المرة الأولى التي يكتب فيها حيدر عن  المفكر والكاتب المرموق  منصور خالد .

” ينتمى منصور خالد في تناول الديمقراطية اِلى مدرسة فكر الأزمة ( الأزمولوجي ) أو علم الأزمة ويشير حيدر الي أن فكر منصور يقع في هذا التيار الفكري في فهمه ومواقفه من الديمقراطية. فقد اقتنع اقتناعا تاما بفشل التجارب الديمقراطية في السودان منذ الاستقلال، وهذا مظهر الأزمة. وهو يضع فشل الديمقراطية ضمن الأزمة الشاملة، وفي صميمها فشل النخبة. وقد كتب مبكرا: اِن السودان يعيش اليوم أزمة حضارية (… ) أزمة تتبدى مظاهرها في القيادات. وتتبدى في المؤسسات. وتتبدى في القيم والأخلاق. ويكرر قوله بعد سنين: “… والأزمة السودانية في تقديرنا ليست أزمة حكم وأزمة هوية فحسب واِنما هي قبل هذا أزمة رؤية ” ويُرجع الأزمة اِلى التناقض بين مجتمع بدوي متخلف تحكمه دولة عصرية أو نريد لها أن تكون ذلك ومسؤولية الأحزاب التي ولدت في جو فكري عقيم .وفي حوار منصور مع ( الأكتوبريين ) الداعين للتغيير الاجتماعي الجذري ،يقر بأن محنة هؤلاء محنة مزدوجة    ( أزمة فكرية ) واخرى ( أزمة منهجية ). ويحمل الصفوة وهى قليلة، المسؤولية التاريخية ويطلب منها حل اِشكالية ” كيف يمكن لنا التوفيق بين الدولة العصرية والمجتمع البدائي ” ويرى منصور أن ثورة 25 أكتوبر 1964 نقطة فاصلة في تاريخ السودان …فقد افتقدت الثورة القيادة الموحدة وافتقاد الجميع للرؤية المشتركة لقضايا السودان المحورية .

ويرى حيدر أن المدقق في  كتابات منصور خلال تلك الفترة لا يجد لديه اِيمانا موحدا بالديمقراطية .

ويقرر منصور أن العقم الفكري أنتج الأحزاب دون استثناء – التقليدية والحديثة – التي كان من الطبيعي أن تنحرف وتصبح واجهات أو بديلات ممسوخة للطائفية والقبلية دون أن تأخذ شيئا واحدا من الجوانب الاِيجابية فيها . ويرى حيدر في هذا بعض مظاهر تأصيل منصور فهو يرى في الطائفية والقبلية اِيجابيات تتمثل في التكافل والتآزر الاجتماعي بين التابعين وخلقية القيادات .لا يرفض منصور الديمقراطية الليبرالية ولكنه يقع في فخ خطأ ترتيب الأولويات ، ويضع شروطا معطلة أو ملغية للديمقراطية في كل أشكالها حسب تفسير حيدر .وبسبب تحفظاته السابقة على الليبرالية ، انحاز لخيار الحزب الواحد .( اعجابا وتمجيدا لتجارب مصر ،الجزائر ، غانا في تلك الفترة ) ويكتب حيدر ” يدخل منصور في مرافعة صعبة وعصية تتطلب جرأة وشجاعة فائقتين لتبرير ممارسات ( نكروما ) الدكتاتورية مهما كان نبل الغايات… وتكثر هجرات منصور السياسية والفكرية وقد يعتبرها البعض تذبذبا في الأفكار والمواقف. وقد يراها آخرون بحثا وقلقا فكريا مشروعا . وقد وصلت به الرحلة اِلى براغماتية تقبل الانضمام لحركة تحمل السلاح ، واِن لم يحمله شخصيا “.

يقول حيدر ” يحتار المرء كثيرا في فهم تراثية وماضوية منصور وهل هي جزء أصيل في أصالة مبتغاة أم مجرد تنافس مع الأصوليين على التراث …فهو يكرر الحديث عن الأصالة والخصوصية وكأنه يزايد على الأصوليين “.

يرى حيدر أن كتابة منصور تتسم في كثير من الأحيان بكثافة اللغة على حساب الأفكار والأهم من ذلك، عنفها المفرط الذي يخرجه من حلم العلماء وهدوئهم .

ويختم حيدر هذه الفقرة الهامة بكلمات ،يظهر فيها احترامه وتقديره لمنصور . ” … هذه حسرة على فقدان ليبرالي محتمل وديمقراطي عميق ومتنوع الثقافة…وليس من مقاصدي الاِدانة والهجوم على المواقف وليس الأفكار . ولا أريد الاشتباك مع مواقفه السياسية الآنية، اِلا بقدار ما تضيء محطاته الفكرية ” .

ويختم حيدر الفصل الرابع بفقرة قصيرة عن محمد أبو القاسم حاج حمد ،ويرى اِن فكرة المكون المتوسطي في الهوية أو الانتماء السوداني ،والتي تتكرر كثيرا في كتابات أبو القاسم ويبني عليها نتائج عديدة؛ دون أن يكلف نفسه تعريف ما هي المتوسطية. هل هي مجرد تعبير جغرافي أم مفهوم حضاري ؟ ما هي الا اِحدى شطحاته والتي يعقبها شطح فكري آخر عندما يعقد مقارنة مدهشة ويوظف التاريخ بلا ضوابط بأن سقوط ( غرناطة ) في يد المسيحية  الأوروبية قد قابله سقوط ( سوبا )في الاِسلام العربي . وهكذا بدا الأمر تاريخيا وكأنما السودان هو الوجود المعارض للأندلس  وكأنما اِفريقيا هي مسرح الصراع الجديد والبديل عن أوروبا .

الديمقراطية في التطبيق . هو عنوان الفصل الخامس. هو سرد وتتبع دقيق لمسار تطور الديمقراطية وتطبيقها من خلال الممارسات الانتخابية والبرلمانية، بدءاً من  المجلس الاستشاري لشمال السودان ( 1944- 1947 ) ثم الجمعية التشريعية ( 1948 – 1953 ) كبداية ومحطة وسطى في اتجاه الديمقراطية الليبرالية كما يقول بيتر وودوارد .ثم الانتخابات الأولى في نوفمبر 1953 في فترة الحكم الذاتي .أول انتخابات بعد الاستقلال عام 1957.وانقلاب عبود 17 نوفمبر 1958، والديمقراطية الثانية 1965- 1969 والديمقراطية الثالثة وانتكاسة ثورة أكتوبر 1964 وانتفاضة أبريل وحتى الوضع الراهن

ويقول حيدر: ” من الممكن القول أن القوي التقليدية التي حكمت عن طريق الانتخابات تعمدت تكريس الأمر الواقع ، لكي تحافظ على مجموعات المصالح وعلى المؤسسات التي تمكنها من احتكار السلطة، ومنها البرلمان وأن النظام البرلماني في السودان لم ينجح في التعبير عن الواقع الاجتماعي/ الاقتصادي، والتعدد الاِثني؛ وبالتالي لم  يؤسس للبلاد مستقبلا ديمقراطيا “. ويرى حيدر أن قضية الوحدة الوطنية أو الاندماج القومي من أهم ضمانات الديمقراطية. شرط أن يتبع ذلك تنمية اقتصادية منتجة وعادلة في التوزيع ومتساوية. ويمكن اِرجاع كل إخفاقات التجربة الديمقراطية السودانية الى عجز النخب والقوى السياسية عموما ،عن حل معضلة الوحدة الوطنية “

والفصل السادس ( الخاتمة ) التحديات والمستقبل . .

يكتب حيدر: ” طبع النظام القبلي التاريخي ،الواقع السوداني بسمات انشقاقية وصراعية في العلاقات الاجتماعية مما أضعف اِمكانيات الثقافة السياسية الديمقراطية القائمة على قيم التسامح والاعتدال والمشاركة والتعاون والتكيف … وأن من أهم مقومات الديمقراطية اِعطاء الآخر حق الاختلاف …وأعتقد بأن النساء، الشيوعيين ،والمجموعات الهامشية أي غير العربية / اِسلامية ؛ كانوا باستمرار أصدق اختبار أو محك لمدى التسامح السوداني … أما الجنوبيون والدارفوريون والنوبة فقد لاحقتهم لعنة المواطن الأقل درجة طوال التاريخ المعاصر. لذلك، كانوا عرضة للموت المجاني سواء بالحرب أو الجوع أو الأوبئة والأمراض. ولم يظهر الشمالي المتسامح أي شفقة أو تضامن، وخير دليل على ذلك عدم خروج مظاهرة تحتج على مآسي دارفور. وللمفارقة تظاهر البعض تضامنا مع قطاع غزة! “.

ويختم حيدر كتابه “بدأ الاِسلامويون السودانيون ، وبعد كل هذه التجربة الكارثية المعادية  للديمقراطية، البحت عن عودة جديدة ضمن مناخ ديمقراطي مستقبلي . ولذلك ترتفع بينهم هذه الآونة دعوات – قد تكون صادقة أو مجرد تبريرات أو استخفاف بالعقول – للمراجعة أو الاِصلاح أو التجديد. وتبدو هذه التراجعات التكتيكية وكأنها نقد ذاتي للفكرة ولكنها تتوقف عند اِلقاء اللوم على مجموعة أخرى أو شخص أو أشخاص بعينهم. مع أن منطق الأمور يقول باستحالة قيام دولة دينية في القرن الحادي والعشرين مهما كانت قدرات القيادات أو نواياهم”.

بعد هذا الاستعراض لمحتويات الكتاب أستطيع أن أقول أن الدكتور حيدر علي إبراهيم قدم دراسة نقدية ، توثيقية بالغة الأهمية ، بذل فيه جهداً مقدراً .وهذا المقال هو فقط عرض مكثف ومختصر للكتاب ( 309 صفحة ) بهدف الاِشارة والتنبيه، على أمل أن يقوم الكتاب والمثقفون السودانيون بمراجعته والاشتباك معه نقداً وتوجيهاً بما ورد فيه ،من أجل تعميم الفائدة .ومجموعة ” نيل هافل الثقافية البرلينية ” ستناقش الكتاب وبما ورد فيه من تحليلات و أحكام واستنتاجات الكاتب. وكذلك إيراده لاستشهادات  من كتاب وباحثين مرموقين ، مع السؤال عن تعرض الكاتب لبعضهم بإسهاب وبعضهم باقتضاب مع تغييب أخرين .

ويثير عنوان الكتاب ( الديمقراطية السودانية. المفهوم .. . ) التباسا للقارئ بمعني هل يوجد مفهوم متفق عليه عن الديمقراطية السودانية ؟. وفضل الكاتب ترتيبا صعبا في عرض مصادره.

من المفرح أن يعود حيدر للكتابة واصدار الكتب بعد حالة الاحباط ، جراء غلق مركز الدراسات السودانية  -أحد مراكز الاستنارة والتثقيف –  الذي كان يديره في الخرطوم من قبل أجهزة الأمن، ونتمني أن تكون إقامته في القاهرة قصيرة ومؤقتة حتي يعود الي جمهوره ومواصلة رسالته من الخرطوم . فالوطن طارد لعلمائه ومثقفيه والنظام الحالي يجزع من الكلمة الصادقة والأمينة والهادفة والجريئة والمحرضة، التي تنشر الوعى وتدعو اِلى التأمل واعادة النظر في الثوابت ، التي لا تقود اِلى الكسل الفكري فحسب بل اِلى تحجيمه أو تكبيله .ورغم عودته القسرية الي القاهرة التي شهدت بداية  نشاط مركزه، إلا أنه واصل عطاءه الفكري مشاركة وتأليفا وتعرض كتبه في المجلات الثقافية علي نطاق الوطن العربي مثل كتابه ” السودان والحكم الاٍسلامي وتحديات الدولة الحديثة “مجلة المستقبل العربي العدد 8 / 2013 .ويشارك بالكتابة، مثل مساهمته –  في المجلد الضخم 1152 صفحة الصادر حديثاً عن مركز دراسات الوحدة العربية بعنوان ” الأحزاب والحركات والتنظيمات القومية في الوطن العربي ” بثلاثة مقالات مكثفة ( شروط التحرير ) حزب البعث العربي في السودان والمنظمات الناصرية في السودان والاتجاهات العروبية والقومية في الأحزاب الوطنية السودانية .

وأذكر عندما التقيت حيدر في وقت سابق ،سألته ما جديدك ؟ فقال ثلاثة كتب هديه للشعب السوداني .وقد كان، فقد صدرت الكتب تباعا وفي وقت قصير. والآن يصدر كتابه الجديد كهدية للعيد الثامن والخمسين لإستقلال السودان. هكذا طريقة حيدر في التعبير عن حبه واحترامه لوطنه السودان وشعبه .

تحية للكاتب والمفكر السوداني د. حيدر اِبراهيم علي وفي اِنتظار الوليد القادم .