عبد الله الشيخ خط الاستواء  بيني وبين رئيسي المباشر فى الفرن، فوارق "أبستملوجية" ... إنه إعرابي ، من شاكلة العوام الذين يبتغون خبزاً وشعراً من سائقي الدبابات..! لا يفتأ هذا المروكي يُعنفُني، ويمضي آمراً: " يا سوداني، سيب هاي الدُوَّة.. حُطْ الواحِد عا الواحِد"..!

 

 ــ  ” أخُتْ شنو فوق شنو..؟  يا زول انت ما فيك راس..؟ قول لي كلام بالعربي “..!

ويمتلئ المروكي بالغيظ لكون أحد “النوق العصافير” يأتيه بغتة من بر السودان، ويطالبه بتصحيح مسار لسانه فى النحو والصرف ، ويتحداه بالفصحى فى بلاد  ” أمين القومية العربية “..!

قال المروكي، مرة بعد أُخرى: ” خيرك يا سودانى، حُطْ الواحِد عا الواحِد..!  سوداني ” الــ  …….” ! .. هِكي السوادنة ، رُبع دماغ “..!..

ـ أنا رُبع دماغ .. ؟ عليك أمان الله يا مروكي لو التقيتني فى غير هذا المكان، لاسمعتك قولاً ثقيلا،  ولألقيت عليك مقاطعاً أحفظها من كيتس ، ومن من عوالم جان جينيه .. لو  قابلتني يا مروكي فى غير هذا المكان، لحدثتك عن محمد شكري، وعن لياليه الضائعة فى مدينة طنجة..!

اتطلع الآن فى وجه بروليتاري جبان يرفض موالاة من ينافحون عن حقه فى العيش الكريم.. هذا نموذج ابن الطبقة الذي يرى محبيه كفاراً يدخلون النار، بينما يأمل فى دخول سارقيه الى جنة الفردوس..! هذا نموذج لمؤمنٍ يخاف إنقطاع رزق لا يقطعه إلا الله..!

قلت  له كل هذا حتى أراه يرتعش ، فقد أحرقت اللجان الثورية قبل شهور كل ما هو مكتوب  باللغة الانجليزية فى طرابلس الغرب..!

 صمته و دهشته من تلميحاتي بممنوع الكلام فى الجماهيرية ، يغريني بمزيد من الصراحة..

قلت له : ” غداً، تهدأ العاصفة أيها المروكي الجميل..غداً ، يأتى عليك عهدٌ جديد فتكون أنت و حذاءك اللامع هذا، أبطالاً فى روايتي التى سأكتبها بعد سقوط نظام الكيزان فى الخرطوم “..!

لكن، لا تصدقوا يا سادتي، أننى خرجت منتصراً من المعركة ” الأبستملوجية “..! فقد كان رئيسي المباشر مُعززاً برهطه من المروكيين والتوانسة، وفوق ذلك كان يتوخى اقتحام  اللجان الثورية للمكان وتعليبي فى باطن الارض،، و ” كذلك يفعلون “..! لهذا كان يأمرني بغرور : “حُطْ الواحِد عا الواحِد “.. سوداني الـ……….. “..! يسعدني أن أضع” الواحِد عا الواحِد ”  لكنني لا افهم أي واحد يريد.. لا افهمه، لكنه جدل يستهويني لشراء الوقت، ولابراز عضلاتي  الخطابية أمام منقد نار الفرن.. لابأس من تقليد اهل الانقاذ فى هذا المنعطف التاريخي.. لا بأس من دلق أحاديث الوعظ فى وجه المؤمنين الصابرين واختتام الكوبليه بــ ” جزاك الله خير “..!

قلت له: ” يازول، ياتو واحد يختوهو فوق أخوهو”..!؟

  أخيراً فهمت..هذا المروكي أنه يريدنى أن أمسح خبز الفرن كله بزيت الطعام حتى يبدو أكثر إحمراراً ..!

ــ  أيها المجاهدون، يا من مزقتم فاتورة التمرد، إن هذا المروكي يلاحقنى أن افعل هذا.. يريدني أن أديرها هِكي،وهِكي، وخلاص”..! أيها  الإنقاذيون الأقحاح، ما ألطفكم..إنني في حال من يمكن أن يستنقذ بكم..!..هذا المروكي يريدنى أن أستغل شغل الحريم..! كيف يكون حالي إذا طاف أحدكم في هذه الناحية، ووجدنى أبيع شرف السودان بحالة من الـ ” تِمِسِح بالزيت”..!؟ ماذا يقول أهلي إذا عدت إليهم ..؟ هل أقول لهم أن المروكي قام بترقيتي  من فرَّان إلى زيَّات “..!؟

  

قلت بحسم: “شوف يا زول.. أجيك من الآخر.. الزيت دا شغلانة حريم ، و أنا ما بسويها.. لو جاء الملك الحسن بتاعك داك، وقال لي أسوي الشغلانة ، دي ما بسويها “..!  

 نطط المروكي عويناتو.. ارى الرعب الكبير والاحمرار فى وجهه لأن  هناك عبدٌ أجير من بلاد السودان قد نطق إسم الذات الملكية مبرءاً من عبارات الثناء والتبجيل..

  خرج المروكي تاركاً النار تحرق العجين و مضى يشكونى لربي، الذي يؤمن ـ قطعياً ـ بكل ما جاء فى الكتاب الأخضر..!