وائل عادل أكيد هو لا يقصد ذلك.. أكيد له مبرر وجيه.. أكيد درس الموضوع جيداً واتخذ هذا القرار.. أكيد.. أكيد .. أكيد.. كل شيء أكيد..

–       حسناً: هل قابلته ؟

–       لا..

–       هل أطلعك على خطته ؟

–       لا. ولكنه بالتأكيد يدرك ما يفعل.

–       ولماذا أنت متأكد إلى هذا الحد ؟!

–       لأنه بالتأكيد درس واطلع و….

ترى ما سر هذا الإفراط في التأكيد ؟! ماالذي يجعل البعض يمنحون ثقتهم لشخص إلى هذا الحد الذي يجعلهم يتصورون أن هذا الشخص لا يخطيء ؟! وأنه بالتأكيد وبالتأكيد وبالتأكيد…

وبالرغم من أنهم في كل مرة  يؤكدون أن من يثقون فيه هو شخص وليس آلهة، يصيب ويخطيء، أويحفظون عن ظهر قلب تلك المقولة: “أليس كل البشر يخطئون”؟!، إلا أنهم عملياً يقدسونه بدلاً من أن يقدروه، فلا يتعاملون معه باعتباره عرضة للخطأ، يتجنبون التفكير في قراراته، أو الاجتهاد في مراجعتها ومناقشتها وإبداء آرائهم فيها بصراحة، وينبرون بقسوة لمواجهة كل ناقد أو متسائل أو مشكك في المسار.

 يظنون أنهم يمارسون الثقة، فإذا ما تراجع من يثقون فيه عن موقفه، رأيتهم يشيدون بموقفه الجديد، لسان حالهم “يا سلام.. هذا هو القرار السديد”، فهم معه على كل حال، هم ظله الطويل على الأرض، إن انحنى انحنوا معه، وإن استقام استقاموا، أخطأوا في فهم معنى الثقة، ربما لأنهم يلبون بها حاجتهم في أن يجدوا ركناً قوياً ثابتاً يأوون إليه. الثقة بالنسبة لهم هي سبيل للأمان النفسي.. كما هي حاجة من يبحث عن إله .. أي إله!!.

إن الثقة لا تعني اليقين في صواب قرارات من نحب، فلا يوجد بشر يستحق الثقة بهذا المعنى، حتى الأنبياء كان يظهر لهم رهط ثاقب الفكر يصوب لهم في الخطط، كانوا يثقون أن قيادتهم تسعى للصواب، فالثقة هي اعتراف بسلامة الضمير والعقل.. وليست ثقة في القرارات، فهي إيمان بتحكيم الضمير والعقل، أي التأكيد على القدرة على التصحيح واستدراك الخطأ وقبول النصح، لكنها لا تعني اليقين في نتائج هذا التحكيم، لأن العقل قد يزل والعاطفة قد تُعمي.

 

والثقة تعني أن النصح والنقد لهما جدوى إن مارسناهما مع من نثق فيهم، فنحن نثق في عقولهم وضمائرهم من جهة، ونثق في جدوى بذل الجهد لهم من جهة أخرى. لذلك ننصح ونوجه من نثق فيهم بكل السبل الممكنة، حتى لا نخلق أصناماً بدعوى الثقة. وأصنام البشر يفوقون أصنام الحجر خطورة، فأصنام الحجر لا تضر ولا تنفع، أما أصنام البشر فتضر..

 

إن من نثق فيهم هم أولئك الذين نطالبهم بإيضاح مواقفهم، وإعلان خططهم، لأنهم محل ثقتنا، أما من لانثق فيهم فلا نسألهم من ذلك شيئاً.

 

عندما نثق في شخص فذلك يعني أنه عرضة أكثر من غيره لتلقي سيل استفساراتنا، وكلما زادت ثقتنا فيه تدفقت نصائحنا وعظم نقدنا. وتتوطد الثقة في الشخص كلما رحب بالأسئلة الصعبة وامتلك ناصية الإجابة، وتستوطن في نفوسنا كلما وُجدت القابلية للمراجعة وتصويب القرارت.

 

إن سألت شخصاً عن برنامجه أو قراره .. فقال لك: “ألا تثق في؟! ” أخبره أنك لو لم تثق لما سألت، فإن تترس بالثقة وظنها هي عين الإجابة فاسأله أن ينظر من شرفة بيته ليتعلم معنى الثقة، ليرى الجمهور المتدفق من كل حدب وصوب.. يُثبت كفه على معصمه بإحكام، وفي لحظة ظهور القائد الهمام، ترتفع الكفوف.. لا لتصفق كعادتها.. ولكن لتصفع!! فالجمهور القادر على الصفع والتصفيق هو الجمهور الواثق الواعي، وهو المطلوب لحماية من نثق بهم من بطش أنفسهم.