التعذيب هو  أبشع جريمة في حق الإنسان وأكبر انتهاك للكرامة الإنسانية، وتستشري هذه الجريمة المنحطة حيتما وجدت النظم الدكتاتورية القامعة التي تحمي نفسها بالأجهزة الأمنية الباطشة، المحصنة عن المساءلة والمحاسبة، المحجوبة تماما عن أضواء الإعلام الحر، وعيون الرقابة الشعبية،

ولذلك استشرى التعذيب في عهد الإنقاذ بصورة مروعة، كثر ضحاياه في طول البلاد وعرضها، وما زال التعذيب  إلى هذه اللحظة سلاحا من أسلحة القهر والإذلال مسلطا على معارضي النظام، مما يستوجب من كل الأحرار في السودان وعلى رأسهم  نشطاء حقوق الإنسان تكثيف العمل من أجل محاصرة هذه الجريمة بفضحها وكشفها لكل العالم، وذلك بتتبع أوضاع المعتقلين لا سيما من الفقراء والذين لا معرفة لهم بالتواصل مع أجهزة الإعلام أو المنظمات الحقوقية، ثم تنظيم حملات التضامن مع كل من يثبت انه تعرض للتعذيب والمطالبة بعلاجه من الآثار الجسدية والنفسية لهذه الجريمة وتعويضه ماديا ومعنويا عن الأذى الذي لحق به.   

 لقد تحصلت صحيفة (التغيير الالكترونية)  أمس الأول علي معلومات تفيد بان المعتقل، الناشط والكاتب الصحفي السوداني، تاج الدين احمد عرجه، تعرض لعمليات ضرب وتعذيب منتظمة منذ اعتقاله في الرابع والعشرين من ديسمبر الماضي علي يد افراد من جهاز الامن بقاعة الصداقة في حضور الرئيسين السوداني عمر البشير والتشادي ادريس ديبي، ، بسبب انتقادات  وجهها عرجة للرئيسين ، وتحميله لهما المسؤولية عن اعمال القتل بالاقليم، وذلك اثناء لقاء الآلية العليا (لملتقي أم جرس) الذي كان الرئيسان علي رأس حضوره. 

لقد جهر تاج الدين عرجة المنحدر من إقليم دارفور المنكوب، والذي عاش طفولته بمعسكر للنازحين، برأيه السياسي في وجه رأس النظام وضيفه نتيجة لانسداد قنوات التعبير الحر عن الرأي في السودان، إذ لا يمكن ان يصل رأي المواطن السوداني في الشخص الذي حكمه لمدة ربع قرن الى التلفزيون والإذاعة الذين يمولهما دافع الضرائب السوداني، ولا عبر الصحف او الفضائيات السودانية المكبلة بالرقابة الصارمة، ولأننا في دولة الحزب الواحد المستبد التي أخذت تتطور شيئا فشيئا الى دولة (الرجل الواحد) المستبد واجه تاج الدين عرجة هذا المصير المأساوي: انتقام بالحبس والضرب والتعذيب في الظلام! بعيدا عن سلطة القانون وبعيدا عن أية محاكمة سواء عادلة أو حتى ظالمة!
بكل أسف ضحايا التعذيب في السودان كثر وفي ازدياد، والمصيبة الأكبر ان القوانين الموجودة في البلاد لا تشكل حماية للمواطن من التعذيب بل تشكل حماية للمجرمين الذين يرتكبون هذه الجريمة. فقانون الامن والمخابرات الوطني الذي يخول لافراد جهاز الأمن اعتقال المواطنين  ولفترات طويلة قابلة للتجديد، وفي أماكن مجهولة وغير خاضعة لأية رقابة، وكيفية الاعتقال نفسها شبيهة بالاختطاف حيث لا امر قبض صادر من جهة معلومة ولا اي ضمانات لسلامة المعتقل، ثم الحصانات القانونية المغلظة لكل منسوبي جهاز الأمن وحتى المتعاونين معه والتي تمنع أي مواطن او مواطنة سودانية تعرض او تعرضت للتعذيب او اي انتهاك فتح بلاغ  في من انتهك حقوقه، ولا ترفع الحصانة إلا بموافقة مدير جهاز الأمن! وثبت بالتجارب العملية ان الحصول على هذه الموافقة من رابع المستحيلات!