أشياء صغيرة أمل هباني  * آثرت المواصلة في هذا الموضوع لاني أظن أنه يحتاج لمزيد من التوضيح والحفر العميق .. لاعتقادي انه مدخل مختلف لتشخيص أزمة القومية السودانية منذ الاستقلال والى الآن ...فالانجليزية التي اقصدها هنا  ليست مجرد لغة لنقل الكلام والتعبير فقط ، بل هي مشروع للتكوين الثقافي للمواطن السوداني ...

* ذات مرة سألني احد جنود قوات يونميد وكنت قد التقيته في الخرطوم عن كيف ولماذا تخلق العربية كل هذه المشاكل في السودان وهي مجرد لغة ووسيلة للاتصال بين الناس ولماذا تحمل اكثر من مدلولها ..فقلت له أن العروبية هي ثقافة وهوية في دارفور وفي كل السودان وهي ليست لغة …وليست هي المشكلة بل أن تعاملنا معها وتصنيفنا لانفسنا بها هو المشكلة…

* قبل فترة كتب الزميل الطاهر ساتي عن أن (رطانة) أهله الدناقلة لا تصلح ولا ترتقي لأن تكون لغة وأن تعلم الدناقلة للعربية في المدرسة تحت الضغط والاكراه  يشبه تعلم اللغة الانجليزية في المدارس الأجنبية …ورأي ساتي  يشابه رأي الدكتور عبد الحي يوسف رجل الدين المعروف والذي قال حين سئل في حوار عن رطانة اهله الدناقلة: الحمدلله الذي عافانا منها…

* فلو أن الطاهر أو عبدالحي استبدلوا لغتهم أو رطانتهم بالانجليزية في المدرسة ربما كان أفضل لأن  الانجليزية لغة العلم والعالم والمستقبل وقد تنقلك الى مستوى ثقافي أكبر وأوسع ، أما العربية فهي لغة التاريخ والتكلس في الماضي ، لذلك ارتبط تعلمها في السودان بالتماهي  والاستلاب الحضاري لشعب أو شعوب السودان …وبدلا من احترام هذا الاختلاف اصبحت كل لكنة غير عربية في اللغة هي مسبة ومذمة لتلك المجموعات ليس لأي ذنب سوى استصعابها اللغة العربية …

* لاحظوا أن كل المجموعات اللغوية في السودان اكتسبت العربية اكتسابا في مرحلة ما من مراحل التاريخ ….ومن حقنا كمجموعات عربية ان نحتفي بعروبتنا وكمسلمين ان نحتفي بلغة القرآن ، ولكن من غير المنصف ولا العادل ولا الوطني ولا القومي  أن نجعلها مقياسا ومعيارا لآخرين  ليست هذه لغتهم ولا ثقافتهم في الشمال قبل الجنوب وفي الشرق قبل الغرب …

*يورد دكتور الباقر العفيف في كتابه “وجوه خلف الحرب” (الهوية والنزاعات الاهلية في السودان) وهو يتناول موضوع الهوية بصورة اعمق واشمل ، يورد مفهوم الهوية  الوطنية الذي برز كتيار في عشرينيات القرن الماضي بين ابناء الاسر البارزة الذين تلقوا حظا  من التعليم معليا لقيم الانتماء للثقافة العربية الاسلامية ..اي ان المواطنة السودانية ذاتها مرتبطة بهذه الهوية ، وفي اعتقادي ان هذا الامر الذي مازال ساريا ويمثل معضلة في نشأة الدولة السودانية مرده لما اسلفت في الجزء الماضي من تدمير ذلك التحالف بين الطائفية والمثقفين لمفهوم الدولة المدنية القائمة على المواطنة والمساواة والديمقراطية والعدالة فتكونت اللبنة الاولى للدولة السودانية بدائها، لذلك حملت عناصر فنائها وايلولتها للسقوط الذي حدث داويا في العام 2011 اي عندما انفصل الجنوب الذي يمثل ربع السودان جغرافيا وديمغرافيا ..بحثا عن مشروع وطن جديد …بلا هوية عربية او اسلامية قسرية على معظم سكانه وعلى الرغم من فشل الدولة الوليدة ذاتها وتهديدات الحرب الشاملة على مواطنها وارضها الا ان فرصها تبقى اكبر من فرص الدولة السودانية حينما استقلت قبل ثمانية وخمسين عاما بسبب حسم الهوية واعتبارها دولة علمانية  لغتها الرسمية هي الانجليزية …