شمس الدين ضوالبيت السودانيون ليسو بحاجة الى شهادة جديدة من أحد ليؤكد لهم كريم خلقهم, أونبل محتدهم, وأصيل صفاتهم, وهي صفات ترسخت ثمرة لتلاقح وتمازج بشري تاريخي وحضاري جرى على هذه البقعة من الأرض المسماة السودان عبر آلاف السنين,

وزهرة تنوع ثقافي أورثهم  بنزوعه الكامن للمشاركة عشقاً للحرية وأرضية إجتماعية ديمقراطية في طبيعتها.  إذ تفرد وتميز السودانيون من بين الشعوب بهذه السمات في كل مكان دفعتهم إليه ظروف بلادهم الاقتصادية أو السياسية, أو سعوا إليه بحر إرادتهم رغبة في الاستزادة بعلم أوإكتساب تجربة. وهم تفردوا وتميزوا بهذه الصفات كسودانيين. لا بأعراقهم أو قبائلهم السودانية, ولا بأصولهم الجهوية شرقاً أو غرباً, شمالاً أو جنوباً, وإنما كسودانيين وحسب, سودانيون الذي يجمع بينهم, قبل حدودهم الجغرافية, هو هذه الصفات والسمات الشخصية.

حتى الحروب الأهلية التي دارت على أرض السودان, والصراعات والنزاعات الكثيرة, والتمردات والثورات السياسية التي سبق بها الشعب السوداني شعوب المنطقة العربية الافريقية, منذ الثورة المهدية 1881م, حتى هذه الحروب والثورات والتمردات, برغم من ما خلفته من آلام ومعاناة, لا تعبر في مجملها وجوهرها إلا عن هذه التميز والتفرد, لأنها كانت في عميق منطلقاتها إما دفعاً لظلم, أو ثورة لكرامة أو رغبة في عيش كريم في ظل مواطنة متساوية. فهي إذاً انعكاس لدينامية المجتمع السوداني وحيويته, ولعزة نفس وإباء شعوبه.

وإذا كانت هذه النزاعات قد تطاولت وأمتد بها الزمن, وإذا كانت نتائجها قد تفاقمت حتى أصبحت تهدد كيان الدولة والمجتمع, فليس ذلك إلا مؤشر على رفعة التطلعات وسموها في مواجهة عظم التحديات والعقبات التي تقف أمام هذه التطلعات, في إقامة نظام حكم يحقق الاستقلال السياسي والرفاه الاقتصادي والنهوض الثقافي والاجتماعي, ويقوم على التنمية الشاملة العادلة والمتوازنة القابلة للاستدامة. ومهما يكن من أمر, فإن كانت تراكمات هذه النضالات الكثيرة والمتواصلة لم تفرز حتى الآن إلا آلاماً ودماء ومعاناة هائلة, فإن مآلاتها ستكون حتماً, ولو بعد حين قريب, طفرة سياسية نوعية تستجيب لتطلعات السودانيين في نظام سياسي يطابق سماتهم الشخصية ويستجيب أستجابة وافية لخصائص بلادهم الاجتماعية.   

لقد تركزت أسباب النزاعات والثورات والتمردات في السودان حول قضايا: الهوية والتنوع الثقافي والعرقي والديني؛ والعلاقة بين الدين والدولة؛ والفقر والتنمية غير المتوازنة؛ والتنافس على الموارد الطبيعية, بالإضافة إلى أشكال مختلفة من الاستبداد وتشظي البنى والمؤسسات الاجتماعية, والموروثات السالبة للحقبتين الاستعماريتين التركية والبريطانية. وإذا أعدنا النظر لهذه القضايا والمشاكل سنجد أنها مسائل ومشاكل ملازمة لمعظم المجتمعات ذات الأغلبية المسلمة, وسنجد أن الغالبية العظمى من هذه المجتمعات لا زالت تكابد مع هذه القضايا, دون حلول مستدامة. بعضها ينكرها, أو لم يفطن إليها, بينما تومض نيرانها تحت السطح, والبعض الآخر استسلم لتداعياتها المهلكة, وآخرون أغفلوا عن إدراك مسبباتها فظلوا يتخبطون يمنة ويساراً في مواجهتها.

في السودان لم يقترب الأداء السياسي والاقتصادي في الحقبة الوطنية, بعد الاستقلال, من معالجة هذه القضايا, ولم يقدم الكثير للإجابة على أسئلة الحرب والسلام والهوية, وحسن إدارة التنوع والتنمية. وعجزت الحكومات الوطنية المتعاقبة عن إقامة نظام حكم يكفل الحريات ويحقق الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والوحدة الوطنية, ويقوم على المشاركة والتراضي والشرعية. ولم تستطع بالتالي تعزيز الاستقلال السياسي الذي حصل عليه الوطن, باستقلال اقتصادي ونهوض ثقافي واجتماعي يكفل سلاماً اجتماعياً قابلاً للاستدامة, لأنها فشلت فشلاً كاملاً في إطلاق الطاقات البشرية والمجتمعية الكامنة للسودانيين, من أجل إحداث التغيير, وتوفير الاستقرار السياسي والاجتماعي الضروري لاستثمار الموارد الطبيعية الهائلة لبلادهم.

ويعود هذا الفشل في إطلاق طاقات السودانيين إلى أن التكوينات السياسية التي تولت حكم البلاد لم تكن أحزاباً بالمعنى المعروف, قامت على أسس فكرية جامعة وملهمة للمجتمع أو جزء معتبر منه, وإنما كانت تحالفات طائفية وقبلية في الأساس, انضوى تحت لوائها بعض المتعلمين والمثقفين اختصاراً للطريق إلى عامة الناس. بينما طبيعة الأحزاب أنها مواعين تنظيمية هدفها حشد الطاقات حول رؤى فكرية تعبر عن ضرورات اجتماعية. ذلك هو النموذج الذي أعطته الثورة المهدية في نهايات القرن التاسع عشر, لما يمكن أن يطلقه الإيمان بفكرة من طاقات هائلة, حيث تمكنت جماهير البسطاء من السودانيين الذين آمنوا بنداء الحرية والعدالة الاجتماعية الذي أطلقته المهدية, من أن يهزموا أكبر امبراطورية عرفها تاريخ البشرية, وينتزعوا من براثنها حريتهم ووحدة وطنهم السليب, قبل ما يقارب القرن ونصف..!

ولم تقدم الأحزاب الجديدة, اليسارية والإسلامية جديداً في هذا المسألة, لأن نشأتها وبرامجها لم تكن مرتبطة بواقع المجتمع السوداني منذ البداية, وإنما سعت لسودنتها في مسيرتها اللاحقة, ولكنها حملت معها –برغم ذلك- سمات الغربة هذه في صلب منظومتها الفكرية, ولم تستطع هي الأخرى, بالتالي, إطلاق طاقات السودانيين أو أغلبيتهم بالفكرة الدافعة الجامعة والملهمة, النابعة من أوساطهم. لأن كل منظومة فكرية أو بناء تنظيمي ليس مغروساً عميقاً في تراث الأمة لن يكون قادراً على قيادتها أو تغيير حياتها إلى الأرقى.

وفقاً التكوينات السياسية التقليدية والأحزاب العقائدية الجديدة تلخصت أزمة الأمة السودانية, وتحددت -وباالتالي طرائق الخروج منها- في تيارين رئيسين عريضين, تقاسما فئات المثقفين والمتعلمين, وتعددت وتدرجت في إطارهما ظلال المواقف السياسية: يذهب التيار الأول إلى أن الأزمة ناتجة عن سيطرة وتحكم طبقات وفئات اجتماعية على كامل البلاد, سياسياً واقتصادياً واجتماعياً, في ظل مركزية وهيمنة الثقافة العربية الإسلامية, التي تتخذ تجلياتها أشكالاً إثنية وعرقية. وهذا التيار يتبنى مفاهيم اليسار العام الذي يعتمد التشكيلة الاقتصادية والاجتماعية منهجاً للتحليل, ومدخلاً للحلول.

ويشمل هذا التيار الأول الحزب الشيوعي السوداني, وأحزاب وتنظيمات اليسار والقوى الحديثة, والأحزاب القومية العربية, وأحزاب القوى الحديثة, والفئات الليبرالية في الأحزاب التقليدية, والحركة الشعبية لتحرير السودان, وإلى حد كبير الحركات المسلحة الدارفورية, ومدارس المركز والهامش المختلفة. وكما سبقت الإشارة يرى هذا التيار -يميناً ويساراً- أن الصراع في السودان هو صراع طبقي له تجليات ثقافية تتمثل في هيمنة الثقافة العربية الإسلامية, وويذهب جناح اليسار فيه إلى أن حسم الصراع في مستواه الطبقي, بالاستيلاء على السلطة, وإعادة توزيع الثروة, والقيام بعمليات تنموية, سيؤدي تلقائياً إلى سقوط التجليات الثقافية, ويحسم قضايا الهوية وإدارة التنوع, والعلاقة بين الدين والدولة, والفقر .. إلخ هذه المتوالية. وكان هذا التيار في النظر إلى الأمور هو الغالب في عهد الحكم العسكري الأول ومعظم فترة الحكم العسكري الثاني, وعقب ثورة اكتوبر وانتفاضة ابريل, وتمت في عهده معظم الانجازات التنموية المادية في الحقبة الوطنية, وذلك على مستوى البنية التحتية والطاقات الانتاجية والخدمية.

ولكن كما هو معلوم لم يستطع هذا التيار إيجاد حلول مستدامة لأي من القضايا التي سبق ذكرها, وظلت كما هي أو تفاقمت صراعات الهوية وإدارة التنوع الثقافي والعرقي والديني؛ والعلاقة بين الدين والدولة؛ ومشاكل الفقر والتنمية غير المتوازنة. ولم تتوقف الحرب بين الشمال والجنوب لفترة, إلا لتعود أكثر أواراً وشدة. ولحق الفشل أيضاً أداء المكونات السياسية الجديدة لهذا التيار وعلى رأسها الحركة الشعبية لتحرير السودان, سواء في فترة شراكتها في حكم السودان الكبير او عندما انفردت بحكم جنوب السودان. وكانت أكبر علامات الفشل, وأوضحها في تبيان خطأ منهج هذا التيار, وأخطرها على مسقبل السودان أن البنية الايديولوجية العربية الإسلامية, التي أعتبرها التيار إحدي تجليات الصراع الطبقي الدائر في السودان, و تنبأ بانهيارها أو انحسارها على الأقل تحت وطأة انجازاته التنموية, حتى وإن كانت محدودة- أن هذه البنية العربية الإسلامية تكرست وقويت, وتمكنت في آخر الأمر من اكتساح الدولة واجتياح أو إضعاف ما تحقق من منجزات مادية ومعنوية, بما فيها معسكر الحداثة والتقدم ذاته, الذي يمثله هذا التيار الأول.

ولن يكون صعباً تفسير الأسباب التي قادت لفشل هذا التيار, فهي, أولا, أن مفهوم (الطبقة) الاجتماعية المرتبط  بمفهوم التشكيلة الاقتصادية, وبالمجتمعات الصناعية الغربية, والذي يشكل العمود الفقري لتحليل هذا التيار للأزمة, لا وجود له في المجتمعات ما قبل الرأسمالية, مثل المجتمع السوداني. صحيح أن هناك تفاوتات اقتصادية ولكنها لا تصلح للتحليل للمجتمعي, لضعف تكوينها وهشاشة تماسكها, الذي لا يجعل أثرها محدوداً, فحسب, بل يشير أيضاً إلى تابعيتها لمحددات أخري. ويرتبط بهذا الذي سبق, ثانياً, أن المجتمعات التي تقوم على الانتماء لطبقة, هي مرحلة في تطور المجتمعات تسبقها مرحلتان, اولاهما مرحلة المجتمع الذي يقوم على الإنتماء الأسري القبلي والإثني, أي على روابط الدم, والثانية مرحلة المجتمع الذي يقوم على الإنتماء الديني والثقافي. وهي المرحلة التي تشمل المجتمع السوداني حالياً.

في هذه المرحلة الثانية -مرحلة الانتماء الديني والثقافي- فإن إشكاليات الهوية والتنوع الثقافي والعرقي والديني؛ والعلاقة بين الدين والدولة, وقضايا الحرية والديمقراطية.. إلخ, هي إشكاليات فكرية ثقافية محض, بمعنى أن الأساب الجذرية للنزاعات المرتبطة بها تجد أسسها ومبررات وجودها في المكونات الفكرية والثقافية للمجتمع المعني, وفي حالة السودان فإن هذه المكونات هي مكونات دينية مغروسة في عقائد الناس وذهنياتهم, وتتمتع, حتى في إطار الربط الجدلي بين الفكر والواقع باستقلال نسبي يميل إلى أن يكون كاملاً, أي أنها مستقلة عن واقعها الاجتماعي, لا يتحكم فيها, وإنما تتحكم فيه. وبالتالي فإن الصراع في السودان ليس صراعاً طبقياً له تجليات ثقافية سلبية على مستوى الهوية وإدارة التنوع, كما يذهب التيار الأول لتحليل الأزمة السودانية, وإنما هو صراع ثقافي له تجليات تنموية وتفاوتات اقتصادية سالبة. هذا ما يتعلق بالتيار الأول وأطروحاته.

أما التيار الثاني فهو التيار الذي يتبنى الرؤية الدينية ويرى أن أزمة المجتمع والدولة السودانية تعود لابتعادها عن الدين, وأن ذلك هو سبب تخلف السودان وبقية البلدان الإسلامية, فرضه عليها الاستعمار لتغريبها عن معتقداتها, وإبعادها عن مصدر قوتها وعزها الحضاري, وأن الرجوع إلى الدين يكمن في تطبيق الشريعة, فبها وحدها يستطيع السودانيون والمسلمون عامة تحقيق استقلالهم والعودة لسابق مجدهم. وقد نظم هذا التيار, منذ منتصف الخمسينات, حملات راتبة للدعوة للدستور الإسلامي, وذلك إلى أن فرض نميري ’الحدود الشرعية‘ في 1983م, وأكملت الحركة الإسلامية مشروع هذا التيار بتطبيقها الكامل للشريعة على مدى السنوات الخمس وعشرين الماضية.

لقد ساهمت الفترات الطويلة التي تولى فيها هذا التيار الحكم في السودان, ليس فقط في الكشف عن الفشل الذريع والكارثي,لأطروحاته, وإنما ساهمت أيضاً وبصورة حاسمة في الكشف عن طبيعة الأزمة وأسبابها الجذرية العميقة. ويضم هذا التيار الأحزاب التقليدية الكبيرة التي تدعو بحكم نشأتها الدينية إلى الدستور الإسلامي, كما هو الحال مع الحزب الإتحادي الديمقراطي, أو الصحوة الإسلامية في حزب الأمة. كذلك دعت وعملت الحركة الإسلامية, بأفرعها الكثيرة, حديثة النشأة نسبياً, وبصورة حاسمة, على أسلمة الدولة والمجتمع عن طريق تطبيق الشريعة, والتأصيل الإسلامي, والتمكين للإسلاميين, والجهاد ضد من يثور على حكمها من المسلمين وغير المسلمين.

وكان لفترة تولي الحركة الإسلامية للحكم في السودان -على وجه التحديد- الإسهام الأكبر في التعريف بطبيعة التحديات والعقبات التي واجهت وتواجه نضالات مجموعات سودانية كثيرة من أجل حقوقها المشروعة في إقامة نظام حكم يحقق الاستقلال السياسي والرفاه الاقتصادي والنهوض الثقافي والاجتماعي للجميع. إذ شكلت مكونات سياسات الحركة الإسلامية أثناء فترة حكمها النقيض الكامل لأهداف نضالات وتطلعات هذه المجموعات. هذا في الوقت الذي عبرت فيه هذه السياسات عن الصياغة النظرية العالمة والواعية بذاتها لمفهوم وعناصر المركزية الثقافية الإثنية العربية الإسلامية في السودان المتعدد الأعراق والثقافات. والمعني بهذه المركزية الثقافية والإثنية هي نظرة اجتماعية ترى أن المجموعة العربية الإسلامية في السودان, تختص بميزات معينة على مساكنيها من المجموعات الأخرى, وأنها مركز الأشياء كافة التي يجب أن تقاس باقي المكونات عليها. 

فإذ ظلت هذه المركزية هي السمة البارزة في الحياة السياسية والاجتماعية, منذ ما قبل استقلال السودان, إلا أنها كانت مركزية ثقافية وإثنية تقليدية, غير واعية بذاتها, غير منظر لها أو معبر عنها, في الوثائق السياسية السودانية, بصورة مباشرة. بل كانت تتراجع حتى في الفترات الديمقراطية, بما تتيحه هذه من حريات نسبية وحملات انتخابية وفرص أوسع للمشاركة السياسية, تفسح مجالات أوسع وأقوى للتعبير عن التنوع الثقافي والتعددية في الحياة السياسية. ولكن مع وصول الحركة لإسلامية وتوابعها السلفية الأخرى إلى السلطة فُصّلت عناصر ومكونات هذه المركزية, وأودعت في القوانين والدساتير والسياسات العامة للدولة.

في هذا الإطار استخدمت  الحركة الإسلامية آلياتها (التأصيلية والتمكينية والجهادية) لتطرح, على سبيل المثال, صوراً من مفاهيم الشورى, وطاعة أولي الأمر, وأهل الحل والعقد مقابلاً للديمقراطية, وأشكالاً من مفاهيم أهل الذمة والولاء والبراء والجزية والجهاد للتعامل مع الأخر غير المسلم, ومفاهيم القوامة, والحجاب, وبيت الطاعة, والتكامل الأسري, في مكان المساواة النوعية, ومفاهيم الابتلاء, والصدقة,والتكافل عبر الزكاة لمواجهة قضايا الفقر والتنمية والعدالة الاجتماعية, ومفاهيم ما هو معلوم من الدين  بالضرورة والتكفير والردة والرمي بالخروج من الملة, فى مقابل حرية التعبير والنشر والضمير, وفقه البيوع, وربا الجاهلية (الذي لا علاقة له بالفوائد البنكية), للاقتصاد والتجارة والخدمات المصرفية ….الخ. المنظومة المفاهيمية السلفية, هذا بالإضافة إلى إضفائها على الدين بعداً عنصريا كامنأ في صيغته السلفية, هو الانتماء العربي مما أدى إلى تكريس التراتبيات والانقسامات الاجتماعية والعنصرية.

لهذه الأسباب, فإنه في ذات الوقت الذي أخذت فيه سياسات المركزية الثقافية العالمة لنظام الحركة الإسلامية طريقها للتنفيذ, مجللة هذه المرة بسلطان الدولة وقوة أجهزتها التنفيذية, في المراسيم الدستورية أولاً, ثم في دستوري 1998 و 2005, وفي قوانين مثل القانون الجنائي, وقانون المعاملات المصرفية, وقانون الأحوال الشخصية, وقانون الصحافة والمطبوعات, وقوانين الأجهزة النظامية.. إلخ – في ذات هذا الوقت بدأت النزاعات والثورات والتمردات في السودان حول قضايا الهوية والتنوع الثقافي والعرقي والديني؛ والعلاقة بين الدين والدولة؛ والفقر والتنمية غير المتوازنة؛ والتنافس على الموارد الطبيعية, تتفاقم وتتخذ أشكالاً من الشراسة غير مسبوقة ولم تشهدها البلاد من قبل, انتهت إلى اشتعال اربع حروب أهلية إضافية -في شرق السودان, وفي دارفور, وفي النل الأزرق وجنوب كردفان- وانفصال جنوب السودان, ودمار هائل للطاقت الانتاجية الزراعية والصناعية, وتهتك النسيج الاجتماعي بعنف الدولة ضد مواطنيها, وبالفساد, والهجرات الجماعية, والعنصرية, والحروب والنزاعات القبلية وقمع وبشاعة الأجهزة الأمنية, وبجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية في مناطق العمليات العسكرية.

ومن ثمّ يتضح جلياً ما كان مخفياً من جذور الصراع وأسبابه, ويتبين أن العراقل والمطبات والتحديات الضخمة التي وقفت أمام نضالات السودانيين من أجل العدالة والحرية والسلام, لم تكن عوائق طبقية لأن نشوء الطبقات لم يكتمل في المجتمعات ما قبل الرأسمالية, ومنها المجتمع السوداني, كما سبق القول, وليس بسبب عدم تطبيق الشريعة فقد طبقها أكفأ فصائل التيار الديني لربع قرن, ولم ينتج عن تطبيقها إلا هذا الدمار العظيم – وإنما كانت العراقل والمطبات بنية ثقافية عميقة تناهض وتعادي التطلعات الحقوقية المشروعة.

أفرزت هذه البنية الثقافية العميقة منظومة دينية سلفية شمولية كاملة, تلتقي في إتفاقهاعلى المكونات الدينية السلفية التي سبقت الإشارة إليها, والعمل على تطبيقها, كما سعت إلى ذلك الحركة الإسلامية في السودان. والمعني بالمنظومة هنا: تيار فكري, ومنهج لتحليل الأزمة وطرح الحلول, ومؤسسات دينية وتعليمية وإعلامية, وتقاليد ثقافية, وأحزاب سياسية, وتنظيمات مجتمعية, وشبكات مصالح, وارتباطات إقليمية..إلخ, تناصر وتدعم بعضها البعض لتكريس وترسيخ عناصر ومكونات تلك البنية الثقافية العميقة. وعلى الرغم من كون هذه العناصر والمكونات قدمت في صيغتها القرآنية النقية الأولى إجابات صحيحة ومتقدمة لأسئلة ومشكلات مجتمعها وعصرها, إلا أنها وبحكم خصوصية السياق الاجتماعي التاريخي الذي أخذت منه, لا تعالج قضايا المجتمعات المعاصرة ولا تجيب على أسئلتها الحاضرة. ذلك أن الله تعالى أنزل القرآن”محكماً ومتشابه”, “شرعة ومنهاجاً”, “كتاباً وحكمة”, “وسائل وغايات”, “فروعاً متحركة وأصولاً ثابتة نسبياً”. وكل ما ورد من أحكام تشكل في مجملها ما يُعرف بالشريعة هي إجابات تاريخية على أسئلة عصرها, وتطبيق لـ”المنهاج”, وتنزيل للحكمة على واقع وظروف ذلك الوقت, ولا يمكن بحال أن تجيب على أسئلة وإشكالات واقع تفصلها عنه ألف وأربعمائة عام من السنين.

من ذلك يتضح أن التناقض المركزي في المجتمع السوداني هو, إذاً, تناقض بين حركة مجتمعية سودانية ذات قيم حقوقية (هي من صميم الإسلام بسبب طابعها المرتبط بالكرامة الإنسانية), من جانب, ومنظومة دينية سلفية شمولية تعادي وتناهض, بإسم الإسلام, الحصول على تلك الحقوق, من الجانب الآخر. وتملك هذه المنظومة قدرة هائلة على التعبئة والحشد والتجييش, لأنها استطاعت, لأسباب وعوامل تاريخية, وعبر العديد من الوساائل, من أن تلحق فكرها ومرجعياتها الفقهية, ومؤسساتها ومصالحها -برغم كونها منتجات بشرية عادية قابلة للخطأ والصواب- استطاعت أن تلحقها بذروة المشروعية والسيادة المودعة في الاعتقاد الديني, والمغروسة عميقاً في المرجعية الروحية العليا لكل إنسان مؤمن.

ويكشف تتبع تاريخ الحركة السياسية والنضالات الحقوقية في السودان, أن هذه المنظومة, التي تطورت وقويت عبر مراحل بدأت بالغزو التركي المصري 1821, وتواصلت بدخول فكر الإخوان المسلمين إلى السودان في أريعينات القرن الماضي, ثم وصول الجماعات السلفية مع الفورة النفطية في السبعينات, وحتى استيلاء الحركة الإسلامية على الحكم أواخر الثمانينات, يكشف تتبع التاريخ أن هذه المنظومة  كانت تتصدى بحملة سياسية واجتماعية مناوئة في كل مرة ظهرت فيها بقوة مطالب حقوقية لجماعات سودانية. فقادت أول حملة للمطالبة بالدستور الإسلامي منتصف الخمسينات في أعقاب مطالبة الحركة السياسية الجنوبية بالفيدرالية للأقاليم الجنوبية ضمن مفاوضات الاستقلال؛ وقادت الحملة الثانية الكبري للمطالبة بالدستور الإسلامي بعد منتصف الستينات في أعقاب توصيات لجنة الإثني عشر المنبثقة عن مؤتمر المائدة المستديرة, والتي نصت على قدر أوسع من الاستقلالية وحقوق المواطنة لجنوب السودان؛ وناوأت إتفاقية أديس أبابا منذ الوقيع عليها عام 1972, وتمكنت من دفع نميري لتطبيق الشريعة وإعدام الأستاذ محمود محمد طه بعد أن ألغى الإتفاقية عام 1983؛ واستبَقت نتائج إتفاق الميرغني قرنق الذي أبرم 1988, بالانقلاب على الحكومة الديمقراطية المنتخبة 1989, والتطبيق الكامل للشريعة عام 1991؛ ثم أعلنت أن السودان أصبح خالصاً لـ”لشريعة” واللغة العربية, في خطاب رئيس الجمهورية في القضارف, عشية انفصال الجنوب. وهي تراوغ وتناور حالياً للإبقاء على هيمنتها, بعد أن أنهكتها رزايا خطلها وخطاياها, في مواجهة المطالب الحقوقية والديمقراطية المشروعة -النافية لها- من جموع السودانيين, لا سيما شعوب دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق.      

ويعود جزء من أسباب حالة “الاستعصاء” وتطاول آماد النزاعات التي تميز الأزمة السودانية إلى هذا الطابع الديني للمنظومة المناهضة للحقوق, وإلى قدرتها على التعبئة والحشد والتجييش, وإلى الدعم الذي وجدته وتجده من رأي عام سلفي إقليمي مدعوم من قبل الدولة العربية والإسلامية. ولكنه يعود في ذات الوقت إلى قوة الحركة الحقوقية التي تنغرس قيمها عميقاً أيضاً في تركيبة الذات البشرية وأصول الكرامة الإنسانية, مدعومة بتراث النضالات المتواصلة لمجموعات سودانية عديدة من أجل نيل حقوقها المشروعة, وبتداعيات العولمة, وصعود الحركة العالمية لحقوق الإنسان, والإرث الإنساني لنضالات الشعوب على نطاق العالم.

ولكن جزءاً آخراً من أسباب حالة الاستعصاء يعود إلى إخفاق الفكر السياسي السوداني عن تبين هذا التناقض المركزى في الصراعات السودانية, وأنه بين الحركة الحقوقية المشروعة للسودانيين, من جانب, والمنظومة الدينية السلفية الشمولية من الجانب الثاني. وأن هذا التناقض المركزي هو الذي قاد إلى تفجر إشكالات الهوية, والوحدة الوطنية, والحروب الأهلية, وهو التحدي الذي يواجه ثقافة الديمقراطية والمساواة النوعية والسلام وحقوق الإنسان, والسبب في الاستعصاء الدستوري لقضية العلاقة بين الدين والدولة والسياسة. وقد تحولت هذه الأخيرة – العلاقة بين الدين والدولة والسياسة-  لتكون القضية المركزية في الأزمة السياسية ,والعنصر الذي يلخص استعصاءها وتجتمع فيه نقائضها.

لقد تكرر في ما سبق أن الفكر السياسي انقسم في هذا الأمر إلى تيارين ينكر أحدهما أهمية العامل الثقافي ابتداءاً, ويصنفه تابعا للطبقة, بينما يتبنى التيار الثاني مكونات وعناصر هذا العامل الثقافي ويتماهى معها. ولكن هناك إستثناء كبير وبالغ الأهمية هو الفكر الجمهوري, الذي ابتدر -برغم بعض إشكالات المنهج- أكبر حركة فكرية للإصلاح الديني في التاريخ الإسلامي الحديث والمعاصر, استهدفت, على وجه التحديد, المنظومة الدينية السلفية الشمولية المذكورة في السودان, بعد أن شخصها الفكر الجمهوري على أنها العامل الرئيسي في التحديات السلبية التي تواجه الأمة السودانية, وذلك من قبل أن تتكالب علي هذا الفكر قوى المنظومة السلفية الشمولية المحلية والإقليمية فتغتال رائده, وتخنق قواعده, وتقضي على تنظيمه, وتسلب السودان بالتالي أحدى دلائل عظمته, وعلامات ريادته.

لذلك فإنه على الرغم من امتلاء الساحة بتكوينات سياسية كثيرة: من أحزاب تاريخية (طائفية), وأخري عقائدية (ماركسية ويسارية ودينية), وحركات مسلحة, ثم مشتقات هذه التكوينات السياسية وأفرعها الكثيرة, إلا أن الساحة لا زالت تفتقر إلى تنظيم موحد لحركة حقوق سودانية مدنية ديمقراطية حديثة, لا تعبر عنها -بهذا التوصيف- أي من التكوينات السياسية الحالية…

ويجب أن يكون أول مرتكزات هذه الحركة وعيها ووضوح فكرها, بأن النقيض المركزي للحركة التاريخية للحقوق المدنية الديمقراطية في السودان, والجذر التحتي للأزمة السودانية, هو المنظومة الدينية السلفية الشمولية, وبالتالي يكون هدف الحركة تفكيك هذه المنظومة, وزحزحتها, بغرض تجاوزها وتخطيها. فمكونات هذه المنظومة, برغم ما خلعته على نفسها من قداسة, لا تعبر عن الإسلام, ولا تعكس مفاهيم أخلاقية, بل قناعات “إيمانية” ومصلحية هشة, لا يدعمها علم ولا منطق عقلاني, ولا قواعد التاريخ, ثم أكدت تجربة الحركة الإسلامية في الحكم في السودان فقدانها لأي صلاحية في الإجابة على أسئلة المجتمع المعاصر. ولذلك فإن استهداف هذه المنظومة ليس بأي حال استهداف للإسلام أو العروبة في السودان, وليس إنكاراً لأدوارهما الأخرى بالغة الأهمية في التاريخ والمجتمع السوداني, بل على العكس من ذلك هو تطهير لهما من العناصر الهدامة, النابذة والمقصية للآخرين المنسوبة إليهما, وتعبير عن قناعة راسخة بأن كل مسعى للتغيير لا ينطلق من تراث أصيل للأمة السودانية, مكتوب عليه الفشل حتى قبل أن يبدأ.

وسيكون من مرتكزات الحركة الحقوقية أنها لا تتصور أن تأسيس الدولة العلمانية, التي تعتمد المساواة النوعية, والمواطنة الشاملة والديمقراطية وحقوق الإنسان يتوقف على وضع منظومة قوانين وتشريعات وتطبيقها بحسم وصرامة, على أهمية هذا الأمر, وإنما يتطلب أيضاً إجماع عليها من المجتمع أو القسم الأكثر منه, من طريق الاختيار الحر, وأن ذلك لن يحدث ما لم تُزال عن الطريق المعوقات والعراقل التي تشكلها المنظومة الدينية الشمولية, وما لم تسود مكانها ثقافة سياسية تحتضن هذه القيم والمعاني الحديثة للدولة وتنميها, وأن ذلك لا  يكون أيضاً إلا بدفع حركة الإصلاح الديني, وتشجيع الإرتقاء الثقافي, وإتاحة مساحات الخلق والإبداع, وتوسيع آفاق الحريات, والدفاع عنها.

ينبغي أن يكون من مرتكزات هذه الحركة أيضاً اعتماد علاقة بين الدين والدولة والسياسة, لا تستتبع الدين للدولة, ولكنها لا تقصيه كذلك, وتقوم هذه العلاقة على خمس مبادئ ريئسية: أولاً, التسليم بحق كل حركة سياسية في أن تستلهم من الدين والتراث الديني القيم المؤسسة لمشروعها السياسي, من دون أن تضفي –هي والآخرون- علي هذا الاستلهام قداسة دينية, بل يظل اجتهاداً فكرياً وسياسياً, يقبل التخطئة والدحض, وينطق بإسم الجهة المستلهمة, لا بإسم الدين؛ ثانيا, التشديد على الطابع المدني غير الديني للتنظيمات الحزبية؛ ثالثاُ, أحترام الطابع المدني للدولة, وعدم الاستقواء بأجهزتها, أو بميزان القوى الانتخابية أو بأي وسيلة أخرى لتغيير هويتها المدنية؛ رابعاً, احترام النظام الديمقراطي, منظومة وإجراءات, وعدم المساس بالقواعد التي يقوم عليها؛ خامساً, لا يشمل الحق في استلهام الدين والتراث الديني أي تشريعات تنتهك حقوقاً إنسانية لآخرين.[1] 

والحركة المطلوبة عاجلاً لا بد أن تكون حركة حقوقية, لأن نضالات الشعب السوداني من أجل الحرية والعدالة الاجتماعية والمساواة النوعية هي جزء من حركة الحقوق العالمية, لا سيما في ظل العولمة وحركة المعلوماتية, وذيوع الاتصالاتية, وتلاشي الحدود. إذ لا تنفصل نضالات السودانيين الحقوقية, بالتالي, عن نضالات شعوب العالم الأخرى, التي أصبحت تتجه نحو درجات أعلى من الرفاه الاقتصادي, والاجتماعي والديمقراطية, كما تتضمنها حقوق الإنسان بأجيالها الثلاثة: المدنية والسياسية؛ والاقتصادية والاجتماعية والثقافية؛ والبيئية, ولذلك فهي حركة تعمل وسط السودانيين ومعهم, من أجل غرس واستنبات هذه الحقوق في التربة السودانية -غير الممهدة لها حالياً- بالتغيير, وبالقوانين, ولكن أيضاً بالإصلاح الديني, وبالارتقاء الثقافي, كما سبق؛

وأن تكون هذه الحركة مدنية بجذورها الشعبية, وبرأسمالها الأخلاقي, وطابعها السلمي, والمتحضر الذي يشكل الأساس لدولة علمانية محايدة تجاه الأديان؛ ترتكز في نظام حكمها على التعددية والتنوع, كأساس حيوي, لا تكتمل بدونه الوحدة الوطنية, ولا يمكن بغيره الوصول إلى السلام المستدام.

وأن تكون حركة ديمقراطية لا يقتصر فهمها للديمقراطية على شكلانية خارجية, وإنما على قناعة راسخة بأن الديمقراطية أسلوب حياة, ومنظومة كاملة, قائمة على شمول المشاركة والحرية. وتحتكم الحركة لقيم الديمقراطية في تأسيسها وممارساتها, وتعمل على أن تنداح منها إلى محيطها في الدولة والمجتمع؛

وهي حركة حديثة تسعى لغرس قيم التقدم, والتنمية, والتطور. والحداثة في كافة مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية؛ حركة قادرة بفكرها وبرامجها على الاحتفاء بتنوع السودان الثر, وعلى الاستجابة لحاجات مجتمعه المتجددة؛ وإطلاق طاقات مواطنيه التي تكبلها حالياً قيود الشمولية الدينية السلفية (بإسم الإسلام). إذ لم يفتقر السودان إلى الموارد البشرية ولا المادية. كما أن تقنيات التنمية والبناء, والسياسات الفنية للتقدم والرفاه الاقتصادي مبذولة في المكتبات العلمية والجامعات, وفي تجارب مجتمعات كثيرة على امتداد العالم, ما ينقص السودان هو “الرؤية والإرادة” التي ظلت حبيسة ورهينة لمفاهيم المنظومة الدينية السلفية الشمولية. 

وبالطبع ينبغي أن تكون حركة سودانية أصيلة, لأنها تقوم على الإرث النضالي  السوداني من أجل الحقوق. تجمع ما تفرق من جهود عاشقي السودان ومحبيه, في قطاعات مجتمعه الحديثة من الشباب, والنساء, ومناضلي الهامش, والقوى المهنية الحديثة, والديمقراطيين والمثقفين الثوريين.. وتضرب بجذورها الفكرية في المجتمع المدني السوداني الحديث, الذي ظل يحفر الصخر نضالاً من أجل الحقوق, وفي المجتمع الأهلي السوداني الذي ظل يعبر عن أشكال من هذه الحقوق عبر تقلبات القرون, وفي تراث وثقافات شعوبه التي تشكل كل واحدة منها مخزوناً معرفياً, وطريقة مبدعة ومتفردة للحياة.

وهي مطلوبة بصورة عاجلة… لأنه يبدو أن ساعة النصر اقتربت…!!

 

    

 

 




[1] – هذه المبادئ مستخلصة من بحوث ومناقشات الندوة الفكرية التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية حول الدين والدولة في الوطن العربي, بيروت, فبراير 2013