مجتزأ من الفصل الخامس من كتابي: منهج التّحليل الثّقافي: مشروع الحداثة في السّودان محمّد جلال أحمد هاشم السّنّة هي ما أُثر عن النّبيّ وما نقله الصّحابة عن النّبيّ محمّد. وهي إمّا قوليّة (قول منقول عن النّبيّ محمّد) أو فعليّة (فعل قام به النّبيّ محمّد) أو تقريريّة (فعل قام به الصّحابة وأجازه لهم النّبيّ محمّد). ولكن أهل الظّاهر لا يعتدّون بأيٍّ من هذه التّصنيفات خلا السّنّة القوليّة، فلا يعتبرون المحكيّات الفعليّة والتّقريريّة من السّنّة.

وهذه نقطة هامّة إذا ما وضعنا في الاعتبار تعريف ما هي السّنّة. انظر إلى التّعريف التّالي للسّنّة: «… هي كلّ ما يصدر عن النّبيّ (ص) غير القرآن، من قولٍ أو فعلٍ أو تقريرٍ، ممّا يصلح لأن يكون دليلاً لحكم شرعي» (إبراهيم فوزي، 1995: 28)، أي أنّ هذه المحكيّات يلزمها شرط أن تصلح كدليل على حكم شرعي. ولكن مشكلة تحديد ما هو سنّة وفق هذا التّعريف يصبح بدرجة كبيرة من الصّعوبة. إذ ليس كلّ الأشياء المنقولة عن النّبيّ محمّد، إن قولاً أو فعلاً أو تقريراً، صدرت منه لتخدم كأساس ودليل لاستنباط حكم شرعي. وقد نُقل عن الشّيخ شلتوت (شيخ الأزهر سابقاً) قوله: «إنّ كثيراً ممّا نُقل عن النّبيّ (ص) على أنّه صدر بأنّه تشريع أو دين أو سنّة أو مندوب. وهو في الحقيقة لم يكن صادراً على وجه التّشريع أصلاً. وقد كثر ذلك في الأفعال الصّادرة عنه بصفته البشريّة، أو بصفته العاديّة، أو التّجارب» (المرجع السّابق: 30). ويتضّح التّعقيد في هذا إذا ما نظرنا إلى حالة زواج النّبيّ محمّد من عائشة وهي (حسب المفهوم والمروي) كانت إذّاك طفلة لم تبلغ بعد، وهذه كانت من عادات العرب قبل الإسلام. فإذا جاز أخذ ذلك على أنّه سنّة فعليّة، ألا يجوز عندها إذن اتّخاذ زواجه بأكثر من أربع على أنّه سنّة فعليّة واجبة الاتّباع؟ وقد يحتجّ البعض بأنّ السّنّة لا تنسخ القرآن، ولكن الثّابت أنّ بعض المذاهب قد جوّزت أن يُنسخ القرآن بالسّنّة. فالشّافعي قد ذهب إلى هذا بالاستناد إلى الحديث: «ألا إنّي أُوتيت القرآن ومثله معه» على أنّه «ومثله معه» تعني السّنّة. وفي ذلك قال ابن تيمية (1972: 94): «والسّنّة تنزل عليه بالوحي كما ينزل القرآن، لا أنّها تُتلى كما يُتلى». وهذا قول يصعب قبوله من عدّة وجوه. فلو كانت «ومثله معه» تعني السّنّة، عندها للزم كتابتُها، لا النّهي عنها، كونها من العلم اللدنّي الصّادر من الله، بدلاً من أن تُترك نهباً للأهواء وتضارب الرّوايات بمثلما ما سنرى أدناه. ولسنا بصدد تفسير مقولة «ومثله معه»، فهذه مقيّدة بصاحبها. ودليلنا على هذا، أنّ النّبيّ سمح بكتابة ما يقول في حال أنّه وقف أمام النّاس خطيباً لإلقاء حكم مطلوبٍ منهم التّقيّد به، ممّا سوف نستعرضه أدناه أيضاً (أمره لأصحابه بأن يكتبوا لأبي شاهٍ خطبته؛ الخطيب البغدادي، 2008: 106-7).

يختلف توريخ السّنّة كثيراً عن توريخ القرآن؛ فبينما شُرع في كتابة القرآن وجمع نصوصه منذ فترة باكرة من تاريخ المسلمين، لم يُشرع في كتابة السّنّة وجمع نصوصها إلاّ في فترة، نسبيّاً، متأخّرة كثيراً. فقد شُرع في كتابة القرآن وجمع نصوصه منذ لحظة نزول الوحي والنّبي كان هو الذي يُملي على كتبة الوحي، أي أنّ جمع القرآن قد تمّ بإشراف النّبيّ ممّا يعني وجوب اتّباعه في هذا الأمر، وهو بالفعل ما فعله الصّحابة واللاحقون، ثمّ جموع المسلمين من بعدهم، إذ قلّما تجد كتاب دينٍ أولاه معتقدوه من الرّعاية والتّقديس ما وجده القرآن من المسلمين. هذا بينما شُرع في جمع نصوص الحديث «… في عصر متأخّر بعد أن شاع الكذب على النّبيّ (ص). وقد قام بجمعها طائفة من الرّجال تطوّعوا لجمعها من أفواه النّاس، بقرار شخصي منهم، من دون تكليف من جهة رسميّة أو هيئة علميّة، ولم يفوّضهم أحد القيام بهذا العمل الهام والخطير في حياة المسلمين، ولقد كان لكلّ واحد من هؤلاء الرّجال أهواؤه السّياسيّة والعقائديّة والفكريّة ودرجة ثقافته وتفكيره» (إبراهيم فوزي، 1995: 35). بل أكثر من هذا، لم يكن نقل الحديث عن النّبيّ من السّنن المتّبعة، بل كان بدعةً نهى عنها النّبيّ، وتحرّى الصّحابةُ عدم الإتيان بها. فقد نهى النّبيّ عن أن يكتب النّاس عنه غير القرآن، وطالب بمحوه إن كتبوا شيئاً؛ نقل أبو سعيد الخُدريّ عن النّبيّ قوله (أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الزّهد «باب التّثبّت في الحديث»): «لا تكتبوا عنّي! ومن كتب عنّي غير القرآن، فليمْحُه؛ وحدّثوا عنّي ولا حرج. من كذب عليّ متعمّداً، فليتبوّأ مقعده من النّار». وتكمن خطورة السّنّة في أنّها تمّ ترفيعها إلى أن أصبحت في مصافّ القرآن، يُنسخ بها؛ «فبعد أن كان كبار الصّحابة يتحرّجون في التّحدّث عن رسول الله خشية التّحريف والنّسيان أو الكذب على رسول الله، كانت النّتيجة عند جمع السّنّة في القرن الثّالث الهجري تدوين أحاديث عن رسول الله متناقضة، وأحاديث تناقض القرآن وتنسخ أحكامه، وأحاديث ليس فيها سنّة ولا قدوة ولا تشريع ولا عبادة ولا شيء يفيد المسلمين في دينهم أو دنياهم» (المرجع السّابق: 28).

ما كان يعنينا أمرُ السّنّة وهي بهذا الشّكل لو أنّها تُركت وشأنها. إلاّ أنّ جسامة ما حدث هو أنّ السّنّة التي جُمعت بهذه الطّريقة قد أصبح لها شأن خطير في تشكيل الفقه الإسلامي. فقد كان من أثر هذا أن تأثّرت مراحل تطوّر الفقه الإسلامي، كونها قد استندت بصورة كبيرة على السّنّة. وبالتّالي يثور الشّكّ فيما إذا كانت السّنّة بذلك الشّكل الذي تنزّلت لنا به قد صدرت فعلاً من النّبيّ محمّد أم لا. إذ «يحوط المرحلة الأولى من تطوّر الفقه الإسلامي خلاف حول ما إذا كانت الآراء والأحكام المنسوبة إلى النّبيّ والصّحابة صحيحة النّسبة أم مجرّد اختلاق من قبل أهل القرن الثّاني الهجري الذين نسبوها إلى النّبيّ والصّحابة من أجل سند أقدم وأقوى لأحكام شرعيّة تمّت صياغتها في مرحلة متأخّرة. ويعقّد هذا الخلاف الافتقار إلى مصادر مستقلّة موضوعيّة تعيننا على التّحقّق من صحّة وقائع وتطوّرات تاريخيّة مزعومة» (عبدالله أحمد النعيم. 2006: 48).

وقد دفع هذا بالكثيرين إلى مراجعة أمر الأحاديث، قديماً وحديثاً. من المحدثين الذين أعادوا النّظر في الأحاديث بطريقة نقديّة يمكن أن نتمثّل بجمال البنّا (1997؛ بدون تاريخ). ففي سعيه لاختطاط فقهٍ جديد، يذهب البنّا (1997) إلى ضرورة التّوقّف ومراجعة الأحاديث التي تتحدّث «… عن المغيّبات بدءاً من الموت حتّى يوم القيامة والجنّة والنّار …»؛ كذلك تلك «… التي جاءت بتفسير المبهمات في القرآن، وكلّ ما جاء عن نسخ القرآن أو وجود آيات أو سور ليست في المصحف …»: ثمّ الأحاديث التي «… تخالف الأصول القرآنيّة ــــ وبوجٍه خاصّ العدل …»؛ ثمّ الأحاديث التي «… جاءت عن المرأة بدءاً من خلقها من ضلع أعوج حتّى حجابها حتّى لا تظهر منها غير عينٍ واحدة»؛ ثمّ «… الأحاديث المتكرّرة عن معجزات الرّسول من شقّ الصّدر أو حنين الجذع …»؛ وكذلك «… كلّ الأحاديث التي تكفل ميزة خاصّة لأشخاص أو أماكن أو قبائل …»؛ ثمّ «الأحاديث التي تخالف الآيات العديدة في القرآن الكريم عن حرّيّة الاعتقاد»؛ ثمّ الأحاديث التي «… جاءت بما لم يأتِ به القرآن، نحن نحكم عليها في ضوء القرآن فما لا يخالف القرآن يُقبل وما يخالفه يُرفض»؛ ثمّ «… الأحاديث التي تُنذر بعقاب رهيب على أخطاء طفيفة، وتعدُ بنعيم مقيم بتلاوة أدعية وتسبيحات»؛ وكذلك «الأحاديث التي جاءت عن الأكل والشّرب واللبس والزّيّ والسّير والرّكوب وما إلى ذلك من شئون الحياة الدّنيا …»؛ ثمّ يخلص جمال البنّا إلى أنّه يؤمن بأنّ «… الأحاديث التي تنصّ على طاعة الحكّام والصّلاة خلف كلِّ برٍّ وفاجر موضوعة»؛ وأخيراً يقول في خاتمة قائمة مراجعاته التي تبلغ إثني عشر بنداً، ما يلي: «نحن نستبعد حديثين عن الميراث نسخا ما جاء في القرآن. الحديث الأوّل: ‘عن ابن عبّاس عن النّبيّ (ص) إنّه قال: الحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فهو لأولي رجلٍ ذكر. الحديث الثّاني: … الذي رواه التّرمذي وابن ماجة عن النّبيّ (ص) أنّه قال: اجعلوا الأخوات مع البنات عصبةً’». بعد هذا يتّجه جمال البنّا (2008) إلى مراجعة الأحاديث الواردة في صحيحي البخاري ومسلم، لا من منطلق التّعديل والتّجريح، بل من منطلق إعمال العقل تطبيقاً للقواعد التي أرساها. في تجريدته هذه، يقوم البنّا بتجريد البخاري ومسلم من عدد كبير من الأحاديث بصرف النّظر عمّا إذا كانت صحيحة الإسناد أو المتن إلخ. فهو يُعمل العقل وفقاً للقواعد التي اختطّها، كلّ هذا في سبيل أن يصل إلى فقهٍ إسلاميٍّ جديد يفي احتياجات هذا العصر. وهذا ما نحن بصدده أيضاً.

يوضّح لنا هذا أنّ السّنّة لم تكن أبداً في محلّ إجماع المسلمين وعلمائهم. فمثلاً، «… نهى الإمام مالك عن صيام السّتّ من شوّال مع ثبوت الحديث فيه، تعويلاً على أصل سدّ الذّرائع» (جمال البنّا، 2008: 18)، هذا في جملة استعراضات مفصّلة لما رفضه العلماء مع ثبوت ورود الحديث عن النّبيّ وفق معايير التّعديل والتّجريح (انظر المرجع السّابق: 16-31) وهذا ما يجعلنا نعقد العزم لكي ندخل في صلب بنية الأحاديث المنسوبة إلى النّبيّ فنخضعها لاختبار علمي يتّبع المنهج البنيوي. أمّا السّنّة النّبويّة فنعاملُها بوصفها مصدراً ثانياً للتّشريع بعد القرآن، لكن ليس قبل مراجعة مذاهب السّلف في تمحيصها جرحاً وتعديلاً. وفي هذا نعاملُها كما عاملها الصّحابةُ متأسّين بالرّسول من حيث كراهة ترفيعها لمقام القرآن.

 

مراجعة الحديث بمناهج علم الفولكلور: السّياق والصّيغ الشّفاهيّة

السّنّة نصوص غير سياقيّة، كونها لم يُشرع في جمعها إلاّ بعد عقود طويلة من وفاة النّبيّ. ومعنى نصوص غير سياقيّة أنّ عين الألفاظ الواردة فيها لا ينبغي أخذُها على أنّها عين ما نطق بها النّبيّ، ذلك لأنّ ما صدع به النّبيّ قد أُعيدت صياغتُه وفق الصّيغ الشّفاهيّة Formulaic Structure لفنّ الحكي والسّرد عند العرب، أي العنعنة. أي أنّنا نأخذ على علم الحديث استنادُه على العنعنة التي يعتمد عليها الأخير في تعديله وتجريحه لأيّ حديث منسوب للنّبيّ. أدناه سوف نقوم باستعراض أعمدة نظريّتي الصّيغ الشّفاهيّة والسّياق اللتين نعتمد عليهما في تحليل نصوص الأحاديث المنسوبة إلى النّبيّ.

ظهرت هاتان المدرستان في منتصف ستّينات القرن العشرين في مجال علم الفولكلور. في استعراضنا للاتّجاهين الأكاديميّين، نظريّة الصّيغ الشّفاهيّة Formulaic Structure من جانب ونظريّة السّياق Contextualism من جانب آخر، نقوم بدمجهما عبر ما يُعرف بالأداء Performance. قبل الخوض في استعراض أهمّيته، نقدّم شرحاً موجزاً للسّياق بالمثال التّالي: مجموعة من الشّباب الصّبيان يحكون لبعضهم البعض مجموعة من النّكات البذيئة التي يعرف بها مجتمع الذّكور ، فتدخل عليهم بنت، فيقوم راوي النّكتة بتحوير النّصّ بحيث يستبعد منه كلّ أوجه البذاءة، دون أن يلفت نظر البنت لما يجري، بينما الحضور يتمايلون على بعضهم من الضّحك لهذا الموقف الماثل في نصّ جديد مخالف تماماً للنّصّ الأصلي؛ وعلى هذا فقس. هنا يمكن أن نلاحظ كيف يلعب السّياق دوراً أساسيّاً في تشكيل النّصّ والدّلالة. بخصوصهذا كلّه، يقول ريتشارد دورسون Ricard Dorson: «تميل [هذه المدرسة] نحو العلوم الاجتماعيّة، وعلى وجه الخصوص أنثربولوجيا اللسانيّات، والجوانب الثّقافيّة من علم النّفس». كما إنّها تركّز جلّ اهتمامها بالبيئة النّفسيّة الاجتماعيّة الإيكولوجيّة التي ينشأ فيها النّصّ الفولكلوري، حيث يتجلّى هذا في سعي الفولكلوري إلى الإمساك بالسّياق الأدائي كوسيلة لإحالة الفولكلور إلى ديناميكيّة الثّقافة. ولهذا نجد الفولكلوريّون قد أخذوا من علوم اللسانيّات مفهوم السّلوك اللفظي، ومن الأنثربولوجيا مفهوم الوظيفة، ومن علم الاجتماع مفهوم لعب الأدوار، ومن علم النّفس مفهوم ميكانيزمات الذّات. لذا تسعى هذه المدرسة، عبر كلّ هذا، إلى «تطبيق وجهات النّظر أعلاه في التّراث الفولكلوري» (1972: 45-46).

يعرّف ألان دانديز Alan Dundes السّياق بقوله: «السّياق لجنس فولكلوري ما، هو الظّرف الاجتماعي المحدّد الذي تمّ فيه التّوظيف الفعلي لذلك الجنس» (1980: 23). لتبيان وجهة نظره، يسعى دانديز إلى خلق ثلاثي فولكلوري تتكوّن أضلاعه من الآتي: الملمس أو النّسيج Texture، النّصّ Text، والسّياق Context، داعياً إلى إيلائها جميعهاً الاهتمام نفسه دون الانكفاء على النّصّ وحده، زاعماً أنّ الفولكلور يمكن أن يُفهم بطريقة أكمل إذا ما قاربناه عبر هذا الثّلاثي، هذا دون أن نترك النّسيج للّسانيّين، والسّياق للأنثربولوجيّين (المرجع السّابق: 31-32؛ 1964: 25-65). كما تركّز روث فينيقان Ruth Finnegan على دور الأداء والسّياق، دون أن يكون ذلك على حساب النّصّ (1977: 29). هذا بينما يركّز وليام باسكوم William Bascom على مفهوم السّياق الاجتماعي قائلاً: «النّصّ مهم بدرجة قصوى، إلاّ أنّه من غير السّياق يصبح بلا حياة» (1965: 281-4)؛ فالاهتمام بالحكاية folktale يتزايد وفقاً للطّريقة التي تُحكى بها، كما إنّ طبيعة الأداء، وأصوات المحاكاة التي تصدر من الرّاوي ضمن قصّته، والمثير والاستجابة من حيث علاقته بالجمهور المستمع، تعني الكثير بالنّسبة للجمهور نفسه (المرجع السّابق). لكلّ هذا يكتسب السّياق أهمّيّة بالغة، ليس في فهم الأداء فحسب، بل حتّى في تشكيل وإخراج النّصّ والأداء معاً، ثمّ بعد ذلك الدّلالة.

السّياق ليس شيئاً جامداً لا يتغيّر، بل على العكس، فهو دائماً في حالة تغيّر ديناميكي. فهناك سياق طبيعي، وآخر غير طبيعي (كينيث قولدشتاين Kenneth Goldstein؛ 1964: 80-90)؛ فالطّبيعي مثل ذلك الذي تجلس فيه الحبّوبة لتحكي لأحفادها بالليل القصص والحكايات؛ أمّا غير الطّبيعي فمثل ذلك الذي نشاهده في أداء الفرق الفولكلوريّة في المسارح والمناسبات الرّسميّة. والفرق بين السّياقين يؤدّي بالضرّورة إلى فرق كبير في تشكيل النّصّ والأداء؛ فإعادة الإنتاج الرّسمي للأجناس الفولكلوريّة (من قبيل ما نرى في المناسبات الرّسميّة) ربّما أدّى إلى تفكيك كلّ النّصّ والأداء حتّى لينتفي الجنس الفولكلوري نفسه ليبرز نصّ وأداء جديد يكون تزييفاً له Fakelore (دورسون، 1972). بحسب ما يذهب إليه قولدشتاين، هناك سياق آخر بينهما، هو ذلك السّياق الموحَى به induced context، هو أخفّ قدراً من حيث تفكيك النّصّ والأداء وإفقادهما طبيعيّتهما.

نخلص من هذا إلى أنّ مقدرتنا في رسم صورة ذهنيّة للسّياق الذي جرت فيه الأحداث التي يحكي عنها النّصّ، سوف تُفضي بنا إلى ابتناء فهم أعمق للنّصّ نفسه، وبالتّالي للأحداث التي يحكي عنها النّصّ. وبالطّبع، لن يكون في مقدورنا ابتناء صورة مطابقة للسّياق الأصلي في طبيعته بخصوص أحداث تاريخيّة ماضية، في مقابل السّياق الدّرامي الذي يوحي به النّصّ. فوظيفة أيّ نصّ تكمن في سعيه لرسم تصوّر درامي للسّياق؛ وإلاّ كيف تسنّى إعادة تمثيل أحداث التّاريخ الماضي عبر المسرح والسّينما! ولكن، بينما يمكن رصد السّياق في الأداء الفولكلوري الماثل من قبل الباحث (وهذا ما عناه قولدشتاين عند تحليله للسّياق طبيعيّاً أو غير طبيعي)، لا يمكن رصد السّياق في نصوص التّاريخ، بل نعمد إلى تصوّرها. فنحن لا يمكن أن نفهم أيّ نصّ فهماً كاملاً إلاّ بامتلاك إحداثيّات سياقه، أو تصوّرها، أي أن نتمثّل له سياقاً بعينه يساعدنا في فهم واستكناه النّصّ. هنا نتعامل مع النّصّ ــــ أيّ نصّ ــــ على أنّه بريء من أيّ نزعة تآمريّة ضدّ سياقه، كونه يعمل ديناميكيّاً على أن يعكس سياقه الطّبيعي ما وسعه ذلك. فإذا تبيّن لنا غير ذلك، وتمكنّا من أن نتبيّن بدرجة رجحان معقولة أنّ النّصّ يعمل بطريقته الدّيناميكيّة للإيحاء بسياق اصطناعي لغرض خاصّ به، حُقّ لنا عندها أن نقوم بمراجعة النّصّ نفسه، وملمسه texture، ثمّ مراجعة دلالاته. في نقدنا لنصوص الأحاديث المنسوبة إلى النّبيّ، لن يكون في مقدورنا ابتناء أيّ صورة حقيقيّة للسّياق، إذ هذا دون خرط القتاد، ما لم تكن تلك رؤية مناميّة أو إلهاماً، وهذا لا يدخل في بحثنا كونه يستلزم الإيمان بصدقيّة رؤية هذا الرّائي. لهذا سنعمد إلى معالجة هذه النّصوص بالمعكوس، أي سنسعى إلى اختبار إذا ما كان السّياق الذي توحي به هذه النّصوص واقعيّاً أم لا. بهذا يمكن ان نصل إلى نتيجة مفيدة؛ فإمّا أن تكون واقعيّة، أو غير واقعيّة، أي أنّها مفارقة للسّياق الطّبيعي أيّاً كان ذلك السّياق. ولكن، كيف سنفعل هذا؟ تنقلنا الإجابة على هذا السّؤال إلى شرح ما نعنيه بنظريّة الصّيغ الشّفاهيّة Formulaic.

نقوم في البدء بتقديم التّعريف التّالي المبسّط للصّيغ الشّفاهيّة: عندما يقوم شخص بسرد قصّة، ولنقل الحبّوبة وهي تحكي قصّة حسن الشّاطر، نجدها عادةً ما تستخدم ألفاظاً بعينها كما لو كانت بمثابة ترقيم punctuation أثناء الحكي، من قبيل (الصّيغ الشّفاهيّة هي كلّ ما يرد ببنط مضعّف): «أها، بعدين، حسن الشّاطر عمل شنو؟ يَللاّ أها! قام قابل منو؟ قابل فاطمة السّمحة! وُيَللاّ! …».

الصّيغ الشّفاهيّة (ويمكن أن نستخدم اللفظة المعرّبة «فورميولا»)، هي عبارة عن تكنيك حكوي بعينه. تعالج نظريّة الصّيغ الشّفاهيّة، في الأدب الشّفاهي بخاصّةٍ، الشّكل form والأسلوب style، وتُعنى «… بالنّظر إلى الرّاوي وأدائه بحثاً عن مفتاح لعمليّة التّأليف والتّركيب فيما يتعلّق بالملاحم، الأغاني الشّعبيّة، القصص الغراميّة الشّعبيّة، والحكايات الشّعبيّة» (دورسون، 1972: 36-7)، ذلك كونها تُعنى بالتّأليف الارتجالي improvisation والبنية structure للجنس الفولكلوري قيد البحث، أكان أغنيةً أو حكاية إلخ. ويربطنا التّأليف الارتجالي بالسّياق والبنية، أي بالصّيغ الشّفاهيّة (الفورميولا). فبسبب «… مقتضيات التّواتر الشّفاهي، يجد المغنّي الشّعبي، أو القاصّ، نفسه مضطرّاً إلى الاعتماد على ذخيرة مخزّنة من المقاطع الوصفيّة، أو الصّيغ formula، والتّراكيب structures المتسلسلة، أو العروض والأوزان، بغية تدعيم ذاكرته، ولتمكينه من الارتجال في كلّ تأدية جديدة» (المرجع السّابق). وفي نفس الاتّجاه، يقدّم باري Parry التّعريف التّالي للصّيغ الشّفاهيّة: «[هي] مجموعة من الألفاظ توظّف بانتظام تحت ذات الشّروط العروضيّة الوزنيّة، ذلك للتّعبير عن فكرة أساسيّة معطاة» (1930: 80). نشير هنا إلى أنّ كلمة «العروض» الواردة هنا هي ترجمتنا لكلمة metrics؛ أي أنّنا لا نعني بالعروض ما خرج به الخليل بن أحمد، بل هي أيّ صيغة تحفظ الوزن، ولهذا شفعناها بكلمة الوزن. ونسبةً لما للوزن الموسيقيّ من أهمّيّة في التّعبير الأدبي، عروضاً كان أم نبراً (أم عنعنةً، كما هو الحال في متواترات الأحاديث المنسوبة إلى النّبيّ)، يقول ألبيرت لورد (1974: 30): «إنّ أيّ دراسة عن الصّيغ الشّفاهيّة لا بدّ … وأن تبدأ بالنّظر في العروض [ الوزن] والموسيقى [الجرس]». استعمل الدّارسون الغربيّون الذين استعرضنا مقولاتهم هنا هذه النّظريّة في دراسة الشّعر الملحمي الذي بدأ شفاهيّاً ريثما يُكتب ويدوّن، ومن ثمّ تمدّدت الاستعمالات وتوسّعت لتشمل أجناساً أخرى بخلاف الشّعر الملحمي.

من جانبنا نقوم باستعمال نفس النّظريّة في تحليل جنس أدبي شفاهي فولكلوري هو بنية الأحاديث المنسوبة للنّبيّ محمّد التي بدأت أيضاً شفاهيّة ريثما تمّ تدوينها بعد ذلك بعشرات السّنين تفوق القرن ونصف. والفرضيّة التي ننطلق منها تجري على النّحو التّالي: إنّ الابتناء الفورميولويكي لقصّة تحكي عن واقعة بعينها يتمخّض عن إعادة إنتاج لهذه القصّة بالضّرورة، الأمر الذي قد يتولّد عنه سياق آخر غير طبيعي، بل مُوحى به، الأمر الذي قد يجعل النّصّ يفقد تاريخيّته ليتحوّل إلى نصّ شعري (ليس بالضّرورة على غرار الشّعر عند العرب)، أو غير سياقي، رمزي، شبه ديني، يمكن أن يُستقى منه التّاريخ بتفكيك تركيبه الفورميوليكي. في مثل هذه الحالات، قد لا يكون النّصّ بريئاً في سعيه للإيحاء بسياق غير سياقه الأصلي.

الآن دعونا ننظر في بنية الأحاديث النّبويّة! أدناه سوف نورد الحديث التّالي بمشهور صيغته نقلاً عن صحيح البخاري، ثمّ نورده مرّة أخرى، لكن بعد تجريده من الصّيغ الشّفاهيّة المتعلّقة بفنّ الحكي عند العرب. نصّ الحديث كما ورد في فتح الباري بشرح صحيح الإمام أبي عبدالله محمّد بن إسماعيل البخاري (أحمد بن عليّ بن حجر العسقلاني، بدون تاريخ، كتاب الآداب، المجلّد العاشر، باب ’من أحقّ النّاس بحسن الصّحبة‘: صفحة 401): «حدّثنا قتيبة بن سعيد، حدّثنا جرير عن عمارة بن القعقاع بن شُبرُمة عن أبي زُرعة عن أبي هريرة (رض): جاء رجلٌ إلى رسول الله (ص) فقال: يا رسول الله من أحقُّ النّاس بحسن صحابتي؟ قال: أمُّك. قال: ثمّ من؟ قال: أمُّك. قال: ثمّ من؟ قال: أمُّك. قال: ثمّ من؟ قال: ثمّ أبوك.» الآن سوف نورد الحديث بعد تجريده من الصّيغ الشّفاهيّة (دون أن نثبّت كلمتي «رجل» في حال رفع السّؤال، أو «النّبيّ» في حال تقديم الجواب، بل نُدلف إلى نصّ الحوار مباشرةً):

– س: يا رسول الله من أحقُّ النّاس بحسن صحابتي؟

= ج: أمُّك.

– س: ثمّ من؟

= ج: أمُّك.

– س: ثمّ من؟

= ج: أمُّك.

– س: ثمّ من؟

= ج: ثمّ أبوك.

من الواضح أنّ هذا النّصّ لا يعكس لنا حرفيّاً ما دار بين النّبيّ محمّد وبين ذلك الأعرابي. فالنّاس لا يتكلّمون بهذه الطّريقة التّلغرافيّة، وأوّلُهم أفصح العرب، النّبيّ محمّد. كما من الواضح أنّ الحديث قد فقد رونقه وبهاءه، بل فقد تأثيره وجاذبيّته. وما هذا إلاّ لأنّنا قمنا بتجريده وتعريته من الصّيغ الشّفاهيّة، بما يعني أنّها هي التي كانت تُعطيه ذلك الرّونق والبهاء والجاذبيّة وقوّة التّأثير. على هذا نخلص إلى أنّنا قد فقدنا النّصّ الحرفي للحديث الذي دار بين الأعرابي والنّبي، ولا سبيل إلى استعادته. والسّببُ في هذا إعادة إنتاج النّصّ وفق الصّيغ الشّفاهيّة لفنّ الحكي عند العرب. وعندما نقول «الصّيغ الشّفاهيّة» نعني أن نقوم بحفر مجري بنيوي (أي صياغوي) للكلام ليجري فيه. ويكون من أثر هذا فقدان النّصّ الحرفي للحديث. ولا نعني بقولنا هذا إنّ هذه الصّيغ الشّفاهيّة لفنّ الحكي عند العرب قد كانت معروفة أو ما شابه، فهي جنس في فنّ الحكي ابتدعه العرب لإعادة إنتاج الأحاديث المنسوبة إلى النّبيّ. فقد نهى الخلفاءُ الرّاشدون المسلمين عن الرّواية عن الرّسول، فامتنعوا رسميّاً بينما شعبيّاً استمرّ العرب يروون الأحاديث لعقودٍ من الزّمان.

ما رأيناه هنا ينطبق على جميع ما ورد في صحيح البخاري من أحاديث، وبالطّبع في بقيّة الصّحاح، فضلاً عن جميع الأحاديث المختلقة، ذلك لأنّها جميعاً تشترك في هذه الخاصّيّة الصّياغويّة. كلّ ما عليك أن تفعله هو أن تقوم بتجريد الحديث، أيّ حديث، من تراكيب الصّيغ الشّفاهيّة لتخلص إلى ما يُعتقد أنّه نصّ ما نطق به النّبيّ. عندها سوف تجد أنّ ما خلُصت إليه لا يمكن أن يكون نصّ ما نطق به النّبيّ؛ إن هو إلاّ نصّ معاد إنتاجه، ولا تثريب عليه في ذلك طالما كان كلاماً قد خضع لديناميكا الشّفاهة ولفترات زمنيّة طويلة. وقد اعتمد الكثير من علماء الدّين على البناء الفورميوليكي للأحاديث للحكم عليها من حيث صحّتها من عدمها. فمثلاً نجد ابن تيمية (1368ه: 353-362) يعتمد على البناء الفورميوليكي للأحاديث التي تُنسب للقُصّاص لتحديد إذا ما كانت جديرة بالنّظر فيها أم لا. فبمجرّد أن يخالف الحديث البناء الفورميوليكي المعروف من حيث العنعنة، نجده يحكم عليه بقوله: «الحمد لله هذا كذبٌ ظاهر» أو «هذا اللفظ كذبٌ باطل». وهذا طبعاً اتّباعاً منه لمنهج راسخ، ولا تثريب عليه. إلاّ أنّ نظريّة البناء الفورميوليكي للحديث التي نحن بصددها تسمح بمخالفة ابن تيمية وفق منهج جدّ مختلف فيه لا يصبح ذلك البناء محتكماً لصّحّة نسبة النّصّ للنّبيّ,