إن المأساة الإنسانية التي يعاني منها شعب جنوب السودان في ظل الحرب الدائرة الآن بين الرئيس سلفاكير ونائبه بسبب الصراع على السلطة، ليست المأساة الأولى التي يقاسيها هذا الشعب المنكوب، فقد سبق ان تجرع هذا الشعب مرارة الحرب بين الجيش الشعبي والجيش الحكومي،

وبعد ان دخلت على الخط مليشيات الهوس الديني في عهد الإنقاذ  وأصبح أمثال إبراهيم شمس الدين يقودون المواجهة في حرب الجنوب ذاق هذا الشعب ويلات لا توصف من قصف الطيران ومحو القرى بمن فيها من الوجود، كما تجرع المرارات في الحرب بين جناحي الحركة المتصارعين في التسعينات والتي ذهبت تقارير الامم المتحدة إلى أن عدد ضحاياها من الجنوبيين فاق عدد ضحايا الصراع الجنوبي مع الشمال، والآن بعد ان رفرف علم جمهورية جنوب السودان في سماء جوبا وفي سماء نيويورك بمقر الامم المتحدة، كدولة مستقلة، ظن شعب جنوب السودان انه طوى صفحة عذابات الحروب وما تجره عليه من رعب وجوع ومرض وتشرد وانتهاك للكرامة، واستشرف صفحة جديدة في حياة حرة وكريمة، ولكن رفاق الحركة الشعبية الذين رفعوا لهذا الشعب شعارات التحرير والسودان الجديد سرعان ما خذلوه بحربهم المستعرة الآن بشراسة ضد بعضهم البعض في صراع السلطة والأطماع الذاتية، وفي سياق متناغم مع الفجيعة تعلن الأمم المتحدة عن مصادرة الآليات التي تنقل المساعدات الإنسانية وسرقة مخزون المواد الغذائية والمساعدات الإنسانية من قبل القوات الموالية لرئيس جمهورية جنوب السودان سلفا كير والقوات الموالية لنائبه رياك مشار على حد سواء! إن هذه التجربة المأساوية تبرز الى السطح بقوة وإلحاح سؤالا إنسانيا وأخلاقيا قبل ان يكون فكريا وسياسيا، ألا وهو إلى متى يظل”شعب الجنوب السودان” يقاسي عذابات  الحروب؟ وبعد ان تضع “حروب التحرير” أوزارها، لا يحصد ثمار التحرير المزعوم استقرارا وتنمية وحرية وكرامة، بل يجد نفسه مجبرا على سداد فواتير صراع الرفاق على السلطة! و”الرفاق” لا يكتفون بتعذيب الشعب بإشعال الحروب، بل يسرق جنودهم مواد الإغاثة والمساعدات الإنسانية التي جاءت لتخفيف وطأة الحرب التي أشعلوها!

إلى متى تتكرر في حياة شعب جنوب السودان المشاهد المؤلمة كمشهد العبارة التي غرقت قبل أيام  في النيل الأبيض وعلى متنها اكثر من 250 من المواطنين الأبرياء الفارين من جحيم الحرب؟

متى تكون مصالح الشعوب في السلام والاستقرار المقترن بالحرية والعدالة الاجتماعية والتنمية على رأس أولويات العمل السياسي؟

والسؤال المطروح على الشعب السوداني إلى متى يظل نظام البشير الفاسد المستبد متحكما في مصير البلاد، وهو النظام الذي رجح وبشكل حاسم خيارات الحرب في أقاليم السودان المختلفة وهي خيارات ما زالت شعوب السودان في دارفور وفي جنوب كردفان وفي جنوب النيل الأزرق تدفع أثمانها الباهظة الى هذه اللحظة؟ هل يبقى هذا النظام إلى ان يتكرر سيناريو جنوب السودان في الاقاليم التي تشتعل فيها الحرب حاليا؟ متى يلتف السودانيون حول مشروع وطني تحرري ديمقراطي يتصف بحس مرهف تجاه معاناة الشعب السوداني، في القلب منه قضية التنمية والعدالة الاجتماعية واحترام حقوق الإنسان؟