غرست باللحظ وردا فوق وجنته، حق لطرف أن يجني الذي غرسا  (في ذكرى الفداء العظيم 18 يناير 1985م) (خواطر شخصية)        بقلم: عبدالغني كرم الله        أغنية البدء:        لا أعني نظرته الفكرية، لست في مقام تحليل خطاب كبير، وأنى لي؟ بل أعني عينيه الكريمة، نظرته وبريق عينيه، وهي تلحظ وقائع الحياة حولها، بأنس ومحبة، وتوقير، وتقديس،

بساطة العين، التي تحب الحياة، المخلوقة، ومن ورائها الخالق، المتجلي في لحظ كل آن، من نغم، وشم وسمع، فمن ضوء الفكر خلق الوجود، ولضياء الحلم تركض قوافله، رسن الخيال الصاف، يقود الحياة برمتها، في رحلة الصيرورة، ولا إنتهاء (ففي المنتهى شد الرحال)، ولهذا الكرنفال الحي، المعاش الآن، تنظر عينيه الكريمة، بما لا يطال، أو ينقال، ولو بالإشارة، والحدس، لكنه المجاز.

       حكي عنه، إنه حينما يزور داراً جديدة، أو بيت، أو يدخل نادي، أو سجن، أو يتمشي في الطرقات، يلقي نظرة حانية، شاملة، عميقة، تتجول عينيه الكريمة، الصافية بتأني ومحبة  في افاق المكان حوله، ينصفها جميعا، لا ينسى عشبة تحت الزير، أو عصاة ملقاة تحت العنقريب، أو صفيحة منسية في الركن، كما ان نظرته تطال كل فرد، بالتساوي في المحبة، والتقدير، وأن كان الزحم عظيما، يحكي كل تلميذ له، بل كل من يعرفه، أو ألتقى به، بأنه يكرم ضيفه بالوجه الطلق، المروحن، الذكي الصافي، وبالإصغاء والمحبة، لكل كلمة تقال له، لها مكان في جرمه المضي، ومقام، وتأثر، وأن كانت من فم طفل صغير، حدا يفوق الجمال، (فقد أخرج له الأطفال السعداء لسانهم، وهم يهممون “الله، الله، الله”، محاكاة، (وهل للطفل سوى المحكاة؟ حتى في ملامحه، ولاشك لاحقا، سيحاكي الإنسان الكامل فيه) كعادة الأطفال، لجلساته قرب داره الميمونه، فتبسم لهم، وقال لتلميذه حسن عبدالكريم :(ستنفعهم هذه الكلمة، إيما نفع).

       لم يكن يشقى به جليسه، ويودعك ملوحا، حتى تختفي في منعطف الطريق، ولاشك قلبه يتابعك، حتى تصل مرقدك، وما بعده، حتى في الغياب، بعد المنعطف هو معك، ولا ينساك، وتسقط من عينيه (حكى طالب جامعي بأنه قابله أقل من سويعه، وكان يشتكي من بطنه، وبعد سنوات سأله الاستاذ: بطنك كيف؟، حين قابله صدفة، ولا صدفة)، كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته (لا يشاك أحدكم الشوكة، حتى أجد ألمها في قدمي)، وللعلاقة بين الراعي والرعية مدى (في جوهر الدين)، حتى يلحظ الراعي خطرات قلبك، بل وأحلامك، فأين من يفهم أين؟ في رعاة، تموت النعاج جوعا، وهم في رغد يلعبون.

       نظرة، كأنه يرى صديقا يعزه، وحجرا ناعما، وأنيسا، يتفقد أسرته، من الانس والحصى والظلال والعشب والتراب،  فتطب نظرته أدق التفاصيل، وتتوغل بأنس، وسلام لما يخبيئه المكان من قلوب تنبض، في الحصى، والعشب، والظلال، وما يمثله “المكان”، من “سر المكون”..

       ترق نظرته للمكان “وقلبه الزمان”، وهما أسيرا عقل قديم، يسوق (اي الزمكان)، مثل خراف سعيدة، بعصى الفيزياء وسوط الكمياء، وبحداء الفكر والشعور، نحو مآل ساحر، تؤل له، أحلام التراب، والعشب والبشر!!..

       يرى المكان، منفعلا، بفاعل وحيد، يتراءى في قوانين الفيزياء، والكمياء، والمجمتع، (وبرق الحمى، هذا الوجود وميضه)، يسير رفقا بالحيوات تحته، من تراب وحصى، ونمل (بل جمسه اخف من الضوء، بل نعله يطبها، هكذا تعطر خطواته المكان، وهو يسعى هنا، وهناك، كي ينير الدروب، والظلال، والنفوس.

       ينفعل الإنسان بالكون حوله، وينفعل الكون بالقانون القديم، محاكة لطيفة، خافية، كما يطيع خيط البخور النسيم، هناك قلوب، تحاكي القديم، وليس ظله “الكون”، بل تحاكي الذات، وليس “القانون القديم”، والذي هو قبس، وظل لذات مطلقة، فوق التعبير، فوق الإشارة، بل طلسم سرمدي، تحن له الأفئدة، وتطلبه، سرا، وعلانيا، بشعور، أو بغريزة صماء،.. ياله من سر، ياله من فرح أبدي للعقول، والقلوب معا، وياله من مضمار، تسعى خيول الذكاء والصفاء، نحو ختامه، وختامه مسك، وعنبر!!.

       كأنه (ويالجهلي، ولكنها المحاولة)، يرى جبريل، من خلف لبوس دحية الكلبي، فما أكثر لبوسه، على التحقيق، والكل قدرته، تجلت، يرى الرائي، والمرئي، فتحلو النظرة، وسر من رأى.

       تتفحص عينيه عش الحياة، وقد رفع عنه، حجاب الأمس، والغد، فصار يرى تدفق نهر الحيا، كاملا، من منبع عظيم، لمصب أعظم، فتقر الحواس الكبيرة، لمرأى، مادة الفكر، تلك المادة الشفيفة، والخافية، والأسرع من الضوء، وهي تخيط فتوق المكان/الزمان، وتضمد جروحه، وتطبه، وتسعى به، بأقدام الزمان، ونعل المكان،  نحو السلام الكامل، للكون، بأسره، وتسعى به، بخطوات وئيدة، هي خطوات الزمن، لحظة بلحظة، هنينة، هنية، فالزيادة، كالنقصان، هكذا تسعى القافلة، في الحج الأكبر، نحو الرب الأعظم، في أحشائها، فيصير المحسن الكبير، مجرد متفرج، عظيم، على لاحقة، ولدتها سابقة حكيمة!! وعلى غد، يرسم اليوم، والأمس، وليس أمس، قضى بحتميته، على تقاليب اليوم، والغد، كما تشئ عقول المادة الذكية، أي عقل المعاش، والمعدة..

       من عجب أن الغد، والامس تكمن في الآن، لكنها الآن، التي تخرج من سلطان الزمان، وقيد المكان، المخلوقة، للخالق، خارج الدهر، والوقت، فتشع الروح، وتمتلئ بالحكمة، والمحبة، والرضى، فالحاضر الابدي، يأوي بقلبه الماضي البعيد، والغد الأبعد، أي تخرج اللحظة الحاضرة، من أسر الزمان، مهما طال، والمكان ممهما اتسع، ترى عين الجمال، لحيظات،  يبدو فيها عمر البرق (أبدا)، بلا زمان، ولا مكان، في التحقيق.

        كانت حياته، هي سفره الأول والأخر، هو كتابه الأعظم، الذي سطره بأنفاسه الكريمة، ونبض قلبه الحنون، فكانت حياته، هي رسالته الأولى، وكل ما سطره، ودعا له، ماهو إلا طرف بسيط، وجملة من كتابه المسطور، في رقه المنشور، طيبا، وأنفاسا، وحياة وشعور!!…

       حتى أذى المكان عنده (حين تثور الارض، مرضا، ساخنة، زلال)، هو تجرع للقيظ، (كدواء، مر يتجرعه المريض)، من أجل الشفاء من داء قديم، أصاب العقل البشري، داء (التسير، والتخير)، من يقود قافلة البشرية، بل الكون، من يأخذ بناصيه، الدواب، والمجرات، والذرات والبشر، تلك النظرة تدرك الفاعل الحقيقي، ولا تنشغل بالفاعل المباشر، أيا، كانت، فتخلصت من الخوف الموروث، والمكتسب، وصلت صلاة العصر، في أول الفجر..

       حين ترنو عينيه في المكان، يحس بمادة الفكر التي تسيره، مثل قارب مطيع لمجرى النهر، ويتفق ملمس الكون، عن قوالب القانون الطبيعي، الصارم، القاهر، وهو يخمر الحياة، في بوتقه الزمن، بوتقه الدهر (لاتسبوه، فإنه الله، الظاهر)..

       مضفرة أفكارة، للمسعى، والهدف، يقص أثر نعل الذات، ويعطي المخرج الفكري لإشكالية السلام العالم، ولمانهج الدراسة، ولأشكالية الشعوب، وتمايز الأديان، والطبقات، طبيب كبير، يطب الروح، والنفس، ويحث سيرها، نحو جوهرها، يقلب طرفه في بحبوبة الغد، ويستل من غيم الحلم، أفكار نيرة، لمرض العصر… وتهافت الخوف الكامن، والذي يتجلى في الحروب والحرص، والنفاق، وكل تجليات الخوف العنصر الرابط في النفس..

       هويته، ليس عنصر، وثقافة، ولغة، وأن كان يمجدها كمرحلة، نحو الهوية الأتم، الفطرة البشرية، التي تزخرف الجميع، بلا استنثاء (قلب، وعقل)، وهما همه الأكبر، ومسعاه الأشمل…

       فالهوية، واللغة، والثقافة، هي ماض، ولو كان سعيدا (كاليمن”)،إلا أن المستقبل هو الذي يحكم، والمستقبل، يسفر كل يوم، عن جزء من هويتنا، وإلا لم تقلبت ثقافات الناس، في كل تجالياتها (من الملبس، والسحنات، واللغة، والوجدان)، من عصر لعصر، أتني بثقافة كاملة، ظلت كماهي؟، انها الصيروة، والمحو،والاثبات المرحلة.

غرست باللحظ وردا فوق وجنته، حق لطرف أن يجني الذي غرسا..

حين مد له رجل عنبه، وهو يقول له (بالله شوفها طاعمة كيف)، فرد الاستاذ عليه، (ما بتكون طاعمة، إلا لمن يكون بمقدور كل “سوداني” ان يشتريها)، كان يفكر في الناس، وعاش لهم، ولم يقل لأبنته البكر، أسماء سوى “أن تكون واضة، يمشي فيها الجميع”، وهل تشتكي الواضعة من حملنا، وحمل وزرنا، سوى تلك السكينة، والصمت، هكذا اوصاها (لاشاكية، ولا مشكية)…

وبيده الكريمة عصر “ليمونة”، لم يترك من عصرتها بشي، عصرها بشئ من العلمية، واحترام النعمة، في أصاغر تجلياتها، .. نعم الإيجاد، ونعمة الإمداد.

       حكي، بأنه في بيته، المعروف، في الثورة المهدية، وهو بيت طين، بلا مروحة، وتلاجة، وتلفاز، وهو بيته، ودار فكره، معا، جلس تلاميذه للعشاء، عشاء بسيط، كسرة أو فول، فجاءت كديسة، مدت رأسها بين أرجلهم، فضربها برفق احد الضيوف، فقال له هامسا:

الجيعان بدقوو؟ ولا بدو؟..

كل شئ (عقد جوهر، حلية الحسن المهيب، دع جمال الوجه يظهر لاتغطي ياحبيب)، ولم يغطي الحبيب وجهه الآسر، فكانت عينيه الحانية، تضئ بتلك الابتسامة البشوشة، العريقة!!..

هل سمعتم بحكاية عقدة الكيس؟ كان يربي “ملكة التفكير”، لدى تلاميذه، رأى احد تلميذاته تبعج كيس نايلو، كي تخرج منه الرغيف، فقال لها (حاولي تفكي عقدته، عشان تعرفي تحل عقد حياتك)، عقد التفكير، يدربهن على التفكير في أدق الأمور، وأبسطها، (ما نحسبه ملسمات، وليس هو كما نظن، ونحسب)، حتى في حل عقدة كيس نايلون بسيط، بتروي، وتأني، وسحب الرأس من العقدة المشدودة، وفتح الكيس بمهله وذكاء، وتفكير وإرادة وصبر، ولو ثوان، وكان يقول لهم السنة الغائبة، هي سنة الفكر، في كل شئ، وابسط الامور، لم يفعل النبي شئا كعادة، حتى لبس الحذاء، ودخول الحمام، كانت تسبق خطواته أنوار فكره، كي يصحو العقل ويفكر، لأنو كمان كما قال (من مادة الفكر خلق الوجود)، كلو، من مادة الفكر، ومن مادة الحلم خلق الإنسان “القرآن”، فتأمل..

حكاية، أخرى، أنها حكاية المخدة، وضع احد تلاميذه المخدة تحته، أو تحت رجليه، فقال له سميت المخدة، لأنها توضع تحت “الخد”.

ثم توقير الحياة، برمتها، حتى نبض ورقة الشجرة، يحترم محاولاتها في الحياة، وسرها، فقد قال لتلميذه (ياخي قطعت أضانها)، قالها لأحد قطع ورقة من غصن شجرة، قطع أضان خضراء لكائن حي، يبكي قلبه لألمها، وحرصها على الحياة الكريمة، وتوقها للتطور، نحو الإطلاق، في تلكم الرحلة، التي قطعنها، أنها جدتنا تلكم الشجرة، التي نزعت اذنها، وتألمت مثل فان جوخ، ليس أقل، وهي رسامة بطبعها، مثل فان جوخ، ترسم الثمرة، وطعمها، والنسغ، والظلال، فلم نقطع (أضانها؟ لم؟)، اللهم نعوذ بك من “تحجر القلب”.

(ديل دخلت عليهم عدييييييييييييييل جوة بطن بيتهم)، قالها لتمليذ كان يسير معه في شارع الحي، فسلم التلميذ على ناس قاعدين جوة الحوش، والباب فاتح، وقد نظر لهم من خلاله، فقال موبخا له : ” ياخي ديل دخلت عليهم عديييييييييييييييييييييييل جوة بطن بيتهم دون أذن”..

في وداع الخاطرة الأولى، تنشد النفس:

قف بالديار، وحي الاربع الدرسا، ونادها، فعساها أن تجيب عسا

وأن أجنك ليل من توحشها، فأشعل بالشوق في ظلمائها، قبسا..

وكلها ديار، له، لمن يهوى، ويعشق، فأثار قدمه، وأنفاسه تملأ الوجود.

يتبع،