د. عمر القراي (ِإذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ) صدق الله العظيم كثير من المثقفين السودانيين، تعجلوا أمرهم دون تعمق، ودون دراية، حينما تعرضوا لمواقف وآراء الجمهوريين ..

فقد قاد الأستاذ محمود الثورة الوطنية، الوحيدة، ضد الاستعمار الإنجليزي المصري، فجاء المثقفون السودانيون بآخرة، ممن كانوا يساريين وتحولوا الى ليبراليين، يتهمونه بالرجعية، ويزعمون أنه قام بالثورة تأييداً للخفاض الفرعوني !! وحين قاد الجمهوريون مناهضة حل الحزب الشيوعي السوداني، في منتصف ستينات القرن الماضي، وصفهم المثقفون اليمينيون والطائفيون بأنهم يساريين!! وحين دعا الأستاذ محمود للمصالحة مع إسرائيل، وصفه اليساريون بأنه عميل صهيوني !! على أن كل هذه الآراء، التي تنطوي على ضحالة، وجهالة واضحة، لم تبلغ الفرية، التي افتراها الكاتب الصحفي مصطفى عبد العزيز البطل، الذي زعم دون ان يرمش له جفن، أن الجمهوريين يبغضون مصر !!  والجمهوريون لم يتركوا موقفهم في نفوسهم، حتى يحلله البطل بأنه بغض لمصر ورموزها، وإنما نقدوا الحكام المصريين، وسياساتهم تجاه السودان، بحجج واضحة، كان يمكن للبطل ان يتناولها، ويفندها، لو كان جاداً، بدلاً من ان يقفز الى دعوى البغض هذه التي ألقاها دون تحرز.  والبطل لم يفاجأ بهذه المعلومات مؤخراً في كتاب الأخ عبد الله البشير، إلا لأنه لا يقرأ !! فقد أخرج الجمهوريون كتباً حوت نقد الأستاذ محمود لبعد الناصر، وللأزهر، وللفقهاء المصريين، ولأطماع الحكومات المصرية في السودان، منذ السبعينات. كما كتبنا عشرات المقالات في الصحف السودانية، في أوقات مختلفة-  والتي نسعيد بعضها هنا – شرحنا فيها موقف الجمهوريين من مصر، ومن قضية التكامل والوحدة معها، والتي طرحت بقوة إبان عهد نميري. وليس عيباً ان يجهل البطل حقيقة موقف الجمهوريين من مصر، ولكن العيب ان يخوض فيما لا يعلم، ويظنه أمر (هين) يمكن الخوض فيه من باب (الونسة)، خاصة وإنه الآن قد اصبح كاتباً له قراء يتابعون كتابته، ويتأثرون بها، في هذا الزمن الأغبر، الذي وصفه محجوب شريف شاعر الشعب بأنه (الزمن المكندك والحزن الإضافي) !! إن الصحفيين الشرفاء، لا تنشر لهم صحف حكومة الاخوان المسلمين، وإنما يمنعهم جهاز الأمن من الكتابة !! ويمنع الصحف من النشر لهم، فإذا فلت من أحدهم مقال، جرجر في المحاكم .. فأين مصطفى البطل من شرف المهنة وأمانة الكلمة ؟!

كتب مصطفى البطل (وكنت ولزمن طويل أحتار في سر بُغض الجمهوريين لمصر ورموزها واندفاعهم في الكيد لها والتشكيك في سياساتها. والاحباب الجمهوريون يتميزون في غالب امرهم  بالهدوء الرصين والترفق الرزين والتثبت المنهجي، الا في أمر مصر، فاذا جاء ذكرها ركبت رؤوسهم مردة الجن. وهو ذات الشئ الذي لحظته في سيرة خالد، عند مقارنتي لمرافعته اللاطمة ضد هيكل بسائر كتاباته الاخرى. ولكن عماهة الجهل انقشعت وانبلج السر الذي استخفي عني زمناً طويلاً في شأن “عقدة” مصر عند الجمهوريين، بعد أن توغلت في قراءة كتاب “محمود محمد طه والمثقفون” لحبيبنا الاستاذ عبد الله الفكي البشير. إذ استبان لي كيف ان مرشد الجمهوريين الاستاذ محمود كان قد بادر مصر بعداءٍ مرير مستطير، فسفّه ثورتها، وعنّف قائدها جمال عبد الناصر وسخّف أعماله منذ اول يوم له في السلطة في مقتبل خمسينات القرن المنصرم، وقال عن مصر وسياساتها ما قاله وما لم يقله مالك في  الخمر. ثم ان الاحباب الجمهوريون يتهمون مصر بالتآمر عليهم، ويعتقدون أنها كانت وراء محاكم الردة وغيرها من الممارسات الكيدية التي استهدفت التنكيل بهم والقضاء على مذهبهم وقد استشففت استشفافاً من مطالعتي لكتاب صاحبي عبد الله الفكي البشير ان الاستاذ محمود كان يحس بالمرارة تجاه جامعة ام درمان الاسلامية، فبادرها بالعداء وحاربها وسعي الى اغلاقها، لا لشئ الا لاكتظاظها بالاساتذة المصريين، مثل رائد علم الاجتماع الدكتور على عبد الواحد وافي وغيره من علماء المحروسة الذين لم يستأنسوا بالفكرة الجمهورية فقعدوا لها كل مرصد)(الرأي العام 16/1/2014م). هذه هي شهادة الكاتب الصحفي مصطفى البطل (ْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ) !! يدعي بأن الاستاذ محمود بادر مصر بعداء مرير !! وأن الجمهوريين يتهمون مصر بأنها وراء محكمة الرّدة وأن الأستاذ يحس بمرارة من الجامعة الإسلامية وقد سعى الى إغلاقها !! وذلك لأن بها اساتذة مصريين لم يوافقوا على الفكرة الجمهورية !! وكل هذه المزاعم عارية من الصحة وهي لن تضر الاستاذ ولا الجمهوريين شيئاً وإنما تزن مصطفى البطل في ميزان القيم .

ولقد كتبت من قبل (ان العلاقة السودانية المصرية، قد إيفت بآفات عديدة، وملئت بسلبيات واضحة، وخلفت عبر الزمن، الكثير من المرارات في النفوس.  فالعلاقة منذ القدم كانت توجهها الأطماع، فقد غزا محمد علي باشا والي مصر، من قبل الأتراك، السودان طلباً للمال والعبيد .. ولم يكن السودانيون في نظره غير موارد يستغلها دون مقابل. وحين ارسل ولده اسماعيل، كان فتاً غراً، لم يقبل بان يأخذ الغنائم فقط، بل جنح الى الإساءة ، الى المك نمر زعيم الجعليين، مما اشعل الحرب، التي مات فيها الآلاف من السودانيين، بسبب صلف الباشا وغروره .

وحين جاء الغزو التركي، كان المصريون جزء منه، رغم انهم هم انفسهم مستعمرون بواسطة الاتراك .. ولكن الشعب السوداني تلقى الاضطهاد على أيديهم، هم، فلم يميز بينهم وبين الترك. وكان ظلم الأتراك للسودانيين، من أهم اسباب نجاح الثورة المهدية. ثم جاء المصريون مرة أخرى، حكاماً مع الانجليز، فيما عرف بالحكم الثنائي، وكان دورهم بالنسبة للمواطنين أسوأ من الانجليز، لأنهم يرونهم أقرب إليهم من حيث الدين والعرق، ثم هم مع ذلك، يستعمرونهم. ومنذ ذلك الوقت، ظن المصريون ان السودان تابع لمصر .. ومع بواكير محاولات السودانيين للتخلص من الاستعمار، ظهرت دعوة الوحدة مع مصر تحت التاج المصري .. وكانت مصر تتبنى كل الأحزاب السودانية الإتحادية، وتعادي الاستقلاليين، لمجرد رفع شعار السودان للسودانين .. وكان الساسة المصريون، يمنون شعبهم، بالتمسك بالسيادة المصرية على السودان. ومن ذلك مثلاً ان صدقي باشا، قد خاطب الشعب المصري، بقوله (لقد جئتكم بالسيادة على السودان) أو قوله (لقد اعترف نهائياً بوحدة مصر والسودان تحت التاج المصري)( الرأي العام 29/10/1946م). ولم تتوقف الأطماع المصرية حتى بعد قيام الثورة المصرية، فقد كان عبد الناصر رحمه الله،  يتوقع ان يتفق السودانيين على الاتحاد مع مصر، وقد استاء عندما أعلن الاستقلال من داخل البرلمان. ولما لم تتم الوحدة ، لم يقتنع عبد الناصر بذلك ، ففي عام 1957م ارسل الجيوش المصرية الى شرق السودان، ووضعت العلم المصري على حلايب. وكان يمكن ان تصبح حلايب جزء من مصر، منذ ذلك التاريخ ، لو لا ان رئيس الوزراء في ذلك الحين السيد عبد الله خليل، قد كان حقاً في مستوى مسئولية الدفاع عن تراب الوطن.  فقد ارسل قوات من الخرطوم الى حلايب، وأعلن الحرب على مصر. ولقد إلتف الشعب السوداني كله خلف عبد الله خليل، يدعم هذا الموقف الوطني الشجاع . وانسحب عبد الناصر مفضلاً ان يكسب الشعب السوداني كله بدلاً عن جزء من اراضيه .

ومن التجارب السيئة في علاقة السودان ومصر، إتفاقية مياه النيل 1929م .. ثم تهجير أهالي  حلفا عام 1959م، من أجل بناء السد العالي. ولقد فرط الحكم العسكري الاول، بقيادة الفريق ابراهيم عبود، فلم يستطع المفاوضة، بغرض اعادة النظر في اتفاقية مياه النيل. فالاتفاقية كانت قد ابرمت بين دولتي الحكم الثنائي، والسودان غائب تحت الإستعمار. وكون السودان كان مستعمراً ، حين وقعت الإتفاقية، يعطيه الحق في نقدها وتغييرها. ولكن الفرصة قد ضاعت لأن اتفاق 1959م لم يصحح هذا الوضع. ولقد اعطت الإتفاقية مصر 48 مليار متر مكعب، في حين اعطت السودان 4 مليار متر مكعب فقط !! أما الزيادة الناتجة من بناء السد العالي، فقد نال منها السودان 14.5 مليار متر مكعب، ونالت مصر 7.5 مليار متر مكعب فيصبح بذلك جملة نصيب السودان، من مياه النيل ، حسب هذه الإتفاقية المجحفة 18.5 مليار متر مكعب بينما نصيب مصر من مياه النيل 55.5 مليار مترمكعب !! ليس هذا فحسب ولكن اتفاقية 1959م التي ضاعت بمقتضاها حلفا  أعطت السودان  فقط 15 مليون جنيه (الرأي العام12/11/1959م). وهذا لمبلغ الضئيل، انفقت الحكومة منه 13 مليون لتشييد قرى حلفا الجديدة، بخلاف الخزان، واعداد المشروع الزراعي، بخلاف تكاليف الترحيل، وادارة التوطين، والتعويضات التي دفعت للمواطنين المرحلين)(عمر القراي: أجراس الحرية –ابريل 2008).

لقد كان الجمهوريون يقاومون الاستعمار الذي كانت مصر أحد طرفيه، مقاومة لا هوادة فيها، بينما كانت الأحزاب الكبيرة، التي تكونت من مؤتمر الخريجيين تتجه دائماً الى مهادنة الإستعمار، وطرح بدائل  مقبولة لديه، مثل الوثيقة التي نادت بها الأحزاب السودانية وهي تدعو للاتحاد مع مصر والتحالف مع بريطانيا !! وقد تكون على أساسها، الوفد الذي أعد ليسافر إلى مصر، فقد جاء (أن الوفدالسوداني عقد مؤتمرا صحفيا أعلن فيه :  أن مطالب السودانيينتتلخص في :
 
 (1)إقامة حكومة سودانية ديمقراطية حرة في اتحاد مع مصر وقد تركتحديد نوع هذا الاتحاد معلقا لم يبت فيه.
(2)
مصر والسودان سيقرران معا طبيعةهذا الاتحاد .
(3)
عقد محالفه مع بريطانيا العظمى على ضوء هذا الإتحاد المصريالسوداني) (جريدة الرأي العام 28/3/1946) . ولقد رفض الحزب الجمهوري هذا الإتجاه وعن هذا الرفض جاء (ورفض الحزب الجمهوري الوثيقة التي إئتلفت عليها الاحزاب الأخرى في 25 أغسطس 1945م- وتبناها المؤتمر في اكتوبر 1945م- لأنها تختلف في جوهرها عن دستور الحزب. وقد سبقت الاشارة الى ان احد بنود الوثيقة ينص على قيام حكومة سودانية ديمقراطية حرة في اتحاد مع مصر وتحالف مع بريطانيا. وفي معرض تعليقه على هذا البند قال الحزب الجمهوري ” اننا لا نفهم لماذا نتقيد باتحاد وتحالف فنضع بذلك حق البلاد الطبيعي في الحرية موضع المساومة بان ندفع ثمن الحرية اتحاداً مع هذه او تحالفاً مع تلك ” ) ( فيصل عبد الرحمن على طه : الحركة السياسية السودانية والصراع المصري البريطاني بشأن السودان . ص 231). وبناء على تاريخ علاقة مصر بالسودان، وانطلاقاً من مواجهتها باعتبارها مستعمر، بنى الجمهوريون موقفهم السياسي الفكري من مصر.. وهو لا يقوم على البغض والكراهية، كما زعم مصطفى البطل، وإنما يقوم على النقد الصادق، الصريح، الذي يرمي الى تصحيح المسار. ولهذا حين قامت ثورة يوليو 1952م، خاطب الأستاذ محمود رئيسها محمد نجيب، ليس تطفلاً عليه، وإنما نصحاً له، ومحاولة لتغيير النظرة السلبية تجاه السودان .. وذكره أنه إن لم يكن صاحب رسالة في الاصلاح لن يفيد مصر، ولن يصحح علاقتها بالسودان. فقد جاء (والفساد في مصر ليس سببه الملك، وليس سببه الساسة، والاعوان، الذين تعاونوا مع الملك، بل ان الملك، واعوانه، هم، أنفسهم، ضحايا لا يملكون ان يمتنعوا عن الفساد، وان يدفعوه  عنهم .. فان أنت اردت ان تلتمس أسباب الفساد، فالتمسها في هذه الحياة المصرية، في جميع طبقاتها، وجميع اقاليمها – تلك الحياة التي أقامت أخلاقها، اما على قشور من الإسلام، أو على قشور من المدنية الغربية، أو على مزاج منهما .. وأنت لن تصلح مصر، أو تدفع عنها الفساد، إلا اذا رددتها الى أصول الاخلاق، حيث يكون ضمير كل رجل عليه رقيباً. من أنت ؟؟  هل أنت صاحب رسالة في الإصلاح، فتسير بشعب مصر الى منازل التشريف، أم هل أنت رجل حانق، جاء به ظرف عابر، ليقلب نظاماً فاسداً، ثم يضرب ذات اليمين وذات الشمال، حتى ينتهي به المطاف : أما لخير ، وأما لشر ؟؟ …. وشئ آخر نحب ان نشير اليه هو علاقة مصر بالسودان، فانها قامت، ولا تزال تقوم، على فهم سيئ .. فإن انت استقبلتها بعقل القوي تستطيع تبرأتها مما تتسم به الآن من المطمع المستخفي والعطف المستعلن، فان السودانيين قوم يؤذيهم ان يطمع طامع فيما يحمون كما يؤذيهم ان يبالغ في العطف عليهم العاطفون)(محمود محمد طه 18 /8/1952م).

وحين ازاح عبد الناصر محمد نجيب، لم يكن الاستقلال قد تحقق للسودان، وكانت مصر عبد الناصر تريد للسودان ان يستمر تابعاً لها.. فإذا كان الأستاذ قد واجه كتلة الاتحاديين السودانيين، لسيرها في هذا الاتجاه، الذي كان سيبقي على شطر الاستعمار، هل كان متوقعاً منه ألا يهاجم عبد الناصر، وحكومته التي تدعم ذلك الاتجاه وتقويه ؟! ثم أن عبد الناصر كان يتزعم كتلة عدم الانحياز، مع أنه بدأ ينحاز الى المعسكر الشرقي، وهو أمر يجر المنطقة كلها لتصبح عظم نزاع بين المعسكرين الدوليين .. ولهذا جاء في خطاب الاستاذ لعبد الناصر (.. فإنك ، لن تستطيع الحياد اذا أسرفت في عداوة فريق من الفريقين، فان الإسراف لا يورث الاعتدال ، فانت لا تجني من الشوك العنب ، وانك لن تستطيع ان تكون  ” ايجابياً” في مبادئك ، الا اذا كنت تملك الفلسفة الايجابية .. وما نرى لك من فلسفة بازاء الرأسمالية والشيوعية ، غير الاسلام ، اذا ما ارحت الدولة العربية، من تدخلك في شئونها ، ومن دجل دعوة القومية العربية ، فسيكون على كل دولة عربية ، داخل حدودها- ولا يعني هذا عدم التعاون المتكافئ –ان تبعث الإسلام من جديد ، وان تطبق مذهبيته التي تحقق التوفيق بين الاشتراكية ، والديمقراطية ، أي بين العدالة الإجتماعية ، والحرية الفردية المطلقة ) ومما ذكره له الأستاذ أيضاً ( فقد لبثنا نراقب الثورة في كل ما تأتي وما تدع، فنراها تنحرف شيئاً فشيئاً عن النهج القويم.. فبدل أن توقظ العقول المصرية، والضمائر المصرية بالتربية الرشيدة، والفلسفة الإنسانية البانية، والحرية الفردية، التي تخلق الرجال والنساء، أخذت تكبت المصريين كبتاً ألغى عقولهم، وأفسد ضمائرهم، وساقهم سوق السوام بلا إرادة ولا اختيار، ثم ضربت عليهم من الرقابة ما أخرس ألسنتهم، وأقامت عليهم من الجاسوسية ما أفسد ذات بينهم، وألبسهم لباس الخوف)(محمود محمد طه 11/8/1958م).

د. عمر القراي