بابكر فيصل بابكر شنَّ عددٌ كبير من الكتاب والصحفيين الأسبوعين الماضيين هجوماً كاسحاً على الصحفي المصري الكبير محمَّد حسنين هيكل لقوله أنَّ السودان "عبارة عن جغرافيا" وقد تزامن ذلك الهجوم مع مناوشات إعلاميَّة متزايدة حول موضوع حلايب وقضيَّة سد النهضة الأثيوبي ومستقبل العلاقة بين البلدين.

 

وقد لا حظ كاتب هذه السطور ردَّة الفعل العنيفة من قرَّاء العديد من المواقع الإلكترونيَّة تجاه حديث الأستاذ هيكل, وهى ردَّة فعل طغت فيها النزعة العاطفية على النظرة العقلانية المتأنية مما يشي بأنَّ الموضوع لم يكن متعلقاً فقط برفض عبارة الأستاذ هيكل بل يمتدُّ للتعبير عن طبيعة العلاقة بين مصر والسودان والكيفية التي يتعامل بها قطاع كبير من السودانيين مع كل ما يصدر عن مصر تجاه السودان.

توجد قناعات راسخة لدى طيف عريض من السودانيين – خصوصاً في أوساط المتعلمين والمثقفين – أنَّ المصريين يتخذون من السودانيين على الدوام مادة للسخرية و يتعاملون معهم “بإستعلاء” شديد, وأنَّهم لا يعرفون شيئاً عن السودان, وانَّ صورة السوداني في المخيِّلة المصرية لا تتعدى شخصية “عثمان البوَّاب”.

وهم من جانب آخر يقولون أنَّ العلاقة بين البلدين لم تقم أصلاً على التكافؤ بل كانت دوماً تميل لصالح الكفة المصرية التي كانت في يوم من الأيام دولة “مستعمرة” وشواهد ذلك لديهم كثيرة متمثلة في ضياع أراضي “وادى حلفا” و “إحتلال حلايب” وإتفاق المياه المجحف وغير ذلك من الأمور.

توجد كذلك قطاعات عريضة من السودانيين تنظر لمصر والمصريين بإعتبارهم “الإخوة الأشقاء” الأقرب لوجدانهم والذين لا يشعرون في بلدهم بغربة “الوجه واليد واللسان”, ومصر في نظر هؤلاء كانت على الدوام بوابة السودان للعالم الخارجي, ومصدر الثقافة والفنون والتعليم, فهي بلد “الأزهر” وجامعة “القاهرة الفرع” والبعثة التعليمية, والبلد الذي تعلم في جامعاته عشرات الآلاف من السودانيين, وغير ذلك من الصلات.

هذا الإنقسام في أوساط السودانيين تجاه طبيعة العلاقة مع مصر يواجهه – من جانب آخر – إنقسام شبيه في أوساط مواطني دولة جنوب السودان نحو العلاقة مع السودان وأهل الشمال.

ينظر قطاع عريض من الجنوبيين لأهل الشمال بأنهم ظلوا يتعاملون معهم “بإزدراء” و”إستعلاء” شديدين, وأنهم لم يعترفوا بهم أصلاً “كمواطنين” عندما كانوا جزءاً من السودان, بل ويعتبرون الشماليين “غزاة” و “مستعمرين” طارئين على القارة الإفريقية, وطالبهم البعض بالرجوع إلى “جزيرة العرب” التي وفدوا منها.

في مقابل هذه النظرة كان – وما يزال – يوجد قطاعاً كبيراً من الجنوبيين تعايش وتداخل مع أهل الشمال, واندمج في مجتمعاتهم, ورأى أنَّ صلة القربى والعادات واللسان التي تربطه بهم أقوى بكثير من صلة “اللون” التي تجمعه باليوغندي أو الكيني, وظلَّ يطمح ببلدٍ موحَّد وما يزال.

هذا الإلتباس في التوجه والنظرة للآخر ساهمت في صنعه حقب طويلة من التاريخ المشترك و العلاقات الثقافية الشائكة والسياسات والمصالح المتضاربة خلقت تراكماً لسُحبٍ كثيفةٍ من “العواطف” المتضاربة سلباً وايجاباً أخفت كثيراً من الحقائق الموضوعية المتعلقة بالقضايا التي تهم البلاد موضوع المقال.

ويمكننا في هذا الإطار تناول بعض الأمثلة التي توضح هذه الفكرة.

تنظر بعض النخب المصرية لعملية “إستقلال” السودان التي وقعت عام 1956 بأنها كانت “إنفصالاً” عن مصر نتج عن مؤامرة إستعمارية قادتها “بريطانيا” بالتعاون مع النخب السياسية السودانية, وتسوق في ذلك شواهد وأدلة تاريخية “موضوعية” كثيرة تعضِّد بها رأيها.

هذا الرأي يُثير حفيظة كثير من السودانيين أصحاب الرأي السالب تجاه مصر, فينبرى أحدهم – دون تفنيد حجج القائلين بذلك الرأي بموضوعية- ليتحدث عن العقلية “الخديوية” التي لا ترى في السودان سوى “تابع” لمصر ولا تعترفُ بكيان السودانيين واستقلالهم, ومن ثم يتم تعميم ذلك الحكم على مصر والشعب المصري.

هذا الشخص نفسه تجدهُ يُسمِّي “إستقلال” جنوب السودان الذي وقع عام 2011 “إنفصالاً” عن السودان, و يقول أنه كان نتيجة مؤامرة “أمريكية صهيونية” بالتعاون مع النخب السياسية الجنوبية, ويقوم كذلك بتقديم حجج “موضوعية” تعضِّد رأيهُ.

كيف يمكننا تفسير هذا التناقض في رؤية ذات الشخص لقضيتين متشابهتين ؟

عندما تحدَّث الأستاذ هيكل عن أنّ السودان “مُجرَّد جغرافيا” كان يُعبِّر عن رؤية موضوعية مفادها أنَّ هناك أزمة “إنصهار قومي” و”تكامل وطني” شواهدها ماثلة في التباينات الإثنية والقبلية والجهوية الكثيرة التي لم تتم إدارتها بحكمة فأدت للحروب الأهلية المتطاولة ولذهاب جنوب السودان وربما تؤدي لذهاب أجزاء أخرى.

هذا الرؤية “الموضوعية” وقعت على عقول محمَّلة بشحنات “سالبة” نحو كل ما يصدُر عن مصر فتم تصنيفها في إطار رؤية العقلية “الخديوية” والنظرة “الإستعلائية”, مع أنها لم تخرج عن نطاق الحديث الذي ظلت تردده النخب السودانية نفسها بكثافة في العقدين الأخيرين وتعبِّر عنه بموضوع “أزمة الهوية” الجامعة.

الذين هاجموا الأستاذ هيكل هم أنفسهم من ظلوا يدافعون عن وحدة السودان, ويرفضون إنفصال الجنوب بإعتبار أنَّه لا يملك مقومات “الدولة” فهو في نظرهم مُجرَّد “قبائل” لا تجمع بينها “لغة” أو هوية مشتركة.

وعلى الرغم من أنَّ هذا الرأي تسنده حقائق “موضوعية” إلا أنَّ الجنوبيين المُعبئين بكراهية الشماليين يرفضونه عندما يُطرح من قبل الشماليين ويعتبرونه مُجرَّد نظرة “إستعلائية” لا ترى فيهم سوى مجموعات بدائية متخلفة عاجزة عن حكم نفسها, بينما يعكس الصراع الدموي الدائر في جنوب السودان اليوم في كثير من جوانبه صواب هذا الرأى. 

المثالان أعلاه يوضحان أنَّ الحساسية في نظرة قطاعات من الشعب والمثقفين السودانيين لمصر تقابلها من الناحية الأخرى نظرة متطابقة تحملها قطاعات شعبية ومثقفين جنوبيين تجاه السودان, بينما لا نجدُ ذات المشاعر السلبية في العلاقة بين المصريين والجنوبيين.

السودانيون إذاً يقعون بين مطرقة الشعور بالإستعلاء المصري تجاههم, وسندان الإتهام الجنوبي لهم بممارسة الإستعلاء على الجنوبيين, وهذا مأزق تجب دراسته بالكثير من الموضوعية والعقلانيَّة, والقليل من العاطفة.

المدخل السحري لعلاج هذه “الإشكالية النفسية” يتمثل في السعي لتحقيق “مصالح” الشعوب الثلاثة, وعلى رأسها “المصالح الإقتصادية” التي أثبتت شواهد التاريخ أنها قادرة على تجاوز الإحساس بالمرارة والشكوك والكراهية المتراكمة عبر السنين إذا ما تمَّ توظيفها بطريقة سليمة لا يشعُر فيها أى طرف “بإستغلال” الطرف الآخر له.

مجالات التكامل الإقتصادي بين البلدان الثلاثة كثيرة, فكل واحد منها لديه ميز نسبية يمكن إستغلالها لتعود بالنفع على الجميع, ويمكن للسودان أن يلعب دور “رُمَّانة الميزان” في هذا التكامل بحكم موقعه الوسط, وبحكم علاقاته التاريخية بمصر وجنوب السودان.

بالطبع لن يؤدي تحقيق المصالح المشتركة للشعوب الثلاثة إلى إختفاء المشاعر السالبة بصورة سريعة و نهائية ولكنه بالقطع سيُخفف كثيراً من غلوائها الذي يُعيق التواصل الطبيعي والإندماج والتفاعل والتنمية.

ضربت لنا أستاذة مادة النزاعات بجامعة دينفر أثناء حضورنا لفصل دراسي يتناول “الآثار النفسية للنزاعات” مثالاً عن إستمرار الأثر النفسي للكراهية  المتولدة عن العلاقات التي إتسَّمت بالتشاحن لسنوات طويلة, وقالت أنَّ نقاشاً جمعها مع شاب حول بعض السياسات الداخلية لإدارة الرئيس بوش الإبن, وقد فاجأها ذلك الشاب بسؤال خارج السياق : “هل تظنون أنكم إنتصرتم علينا ؟ “, فقالت له “إنتصرنا في ماذا ؟” فأجابها “الحرب الأهلية”, ثم قالت معلقة ” لقد بدا عليه حنق شديد تجاهي وكأنني قتلت أحد أقاربه في تلك الحرب”. كان سؤال ذلك الشاب في العام 2005 أى بعد مرور مائة واربعين سنة على إنتهاء الحرب الأهلية الأمريكية !

على أنَّ ذلك الأثر النفسي السالب لمرارات الحرب لم يُعق مسيرة تطور و تقدم الإمبراطورية الأمريكية, وهو الأمر الذي نأمل أن نراهُ في تشكيل مستقبل العلاقة التي تجمع السودان ومصر وجنوب السودان.  

boulkea@gmail.com