عبدالغني كرم الله مقدمة أولى، السينما في بلادي: في حفل بهيج، في مسرح مدرسة الخرطوم، دال، تلكم المسرح النبيل، المفتوح على السماء، والمغسول بنسيم الشتاء، تم افتتاح مهرجان السينما السودانية، تأخر؟ أليس كذلك؟ بل تمادى في التأخير، فقد مرت 120 سنة على تاريخ السينما في العالم،

صارت مسنة،في ريعان الشباب ايكبر الخيال؟
لكن، كعادتنا، ظلت البلاد تحارب السينما، بوعي، أو دون وعي، ظلت انشغالات (الكاميرا)، خلال الربع قرن الفائته بالعنف المنهجي، (وساحات فداء)، يتراقص الهوس فرحا على جثث أخوان لهم، في البلاد، والعباد، أي ظلت الكاميرا، الممولة، أسيرة الخطاب الايدولوجي المهوس، ولم تلتفت لثراء البلد الوجداني والفكري، والاجتماعي، كي تستل منه سينما مقتدرة، تنافس كبريات الدول، وتعبر عن حلمنا، وتحث خطى السير نحو الأفاق البعيدة في جبالنا، وسهولنا، وحقولنا، فمتى نرى فيلم (الفراغ العريض)، لملكة الدار؟ أو الضفة الأخرى لأبكر أدم اسماعيل؟ أو صائد اليرقات لأمير تاج السر، وكلها روايات تصلح للسينما السمراء، حين يكون المشاهد والمشهود من ذات الوله، والنسيج،  (وأن نرى في حي بري، سينما بري، أو سينما الازهري)، تعرض اليوم فيلم (بابكر بدري، أو حسن نجيلة، أو الأستاذ محمود،)، لنا ألف غاندي في بلادنا، ولكن أين عين الكاميرا؟ أين؟ ما أكثر الحزن، ولكن فلنحلم، وسيأتي التحقيق لا محال.

       كان الافتتاح جميلا، ألقى مؤسس الجماعة، طلال عفيفي، ذلك الشاب المثابر من أجل السينما السودانية، الطموح، كلمته، وشكر الحضور، ثم عرض فيلم هاجي، فيصلهاجّيغرب، وهو  يحكيقصةعائلةسودانيةهاجرتإلىأمريكابحثاًعنحياةأفضلوتحديات الإختلاف الكبير، في نمط الحياة برمتها،  الذيواجههمفيتفاصيل كثيرة، مترعة بالضحك، والحزن والمرارة، بين  الحياةبينامريكاوالسودان، ومرارة أن تفارق بلادك قسرا.

       جرى القلم، لأيام السينما في البال والخيال، ونسأل الله سينما مباركة، قوية، تهز افئدة البلاد، وتعرض ثروته الفكرية والعاطفية، فما أكثر المحلق بيينا، وما أعجب حياتنا في البكاء والافراح والاتراح، وما أكثر ابطالنا، أي حكاية شعب عظيم، تنتظر عين الكاميرا الذكية الطموحة، التي تعكسها، وتغني وجدان الاجيال بالرؤية، بالفن السابع.

       أقسم، بأن أي كاميرا ذكية، لو حامت ضحى في تخوم الخرطوم، وسوق ستة، أو على خيام الرحل في كردفان، أو رقصات الحصاد جنوب الدلنج، لأدركت سرا بهيجا، ومشهدا يريح الفكر، ويغذي العاطفة، ويستل كنوز تعددنا، وبركاتنا، ومخيلتنا الشعبية الأسرة، فلاشك الكاميرا السودانية، هاهي تفتح عينها العوراء، الوحيدة،  ولا عور، كي تلحظ حياتنا بأسرها، وهمومنا، وطموحنا، وخصوصيتنا المباركة، المتنوعة، كقوس قزح..

       مبروك لنا، ولي قدام، أيتها العيون الذكية، الحوراء، وهي تدون حياة شعب، وتقلب تاريخه، وأوجاعه، فالفن السابع، كالمقام السابع في التصوف، مقام الفرجة الذكية، الصافية لاحداث الكون برمتها، وما الحياة، سوى فيلم، يجهل مخرجه ختامه، وتلكم هي الروعة، فمبروك لنا ميلادها، ولو متأخرا، فالطريق لمن صدق، وليس لمن سبق، فكم من “سينمات بدأت متأخرة”، ولكنها قطعت شوطا عظيما، في الكم والكيف، وليتنا نساعدهم في بناء صناعة سينما عظيمة، وتهئية المناخ المادي، ودور العرض، والنقد الرصيد، والخيال الإبداعي، وشتى ضروب صناعة السينما السودانية.

مقدمة ثانية:  عشق السينما الشخصي:

       في طفولتي، كنت مغرم بالسينما، أعجابي بها، ودهشتي لا تقتصر على حكاية الفيلم، بل تتلصص عيوني الصغيرة، الفضولية، على أحداث الشاشة كلها، شاشة ضخمة، أكبر من صفحة جامعنا العتيق، ، تتحرك فيها صو ومشاهد، وحقول، ملونة، كل الألوان، تكاد تشم أريج خضرتها، ويلفحك رقيق نسيمها، والشاشة في أحلى حلية لها، عروس أمام نظارة تكتظم بهم باحتها الكبيرة، في شكل دائرئ، قدسي، إنها سينما كلويزوم.

       في قريتنا، كان حائط الجامع العتيق، سينما القرية الفطرية، المجانية، ذلكم الحائط الضخم، الأبيض، تستغله أنوار اللوراي، والقندرانات، العابرة بقريتنا ليلا، ترسل أشعتها القوية، فتعكس اشجار الغابة، والحيوانات البعيدة، وبعض السكارى القادمين من الكمبو، على على صفحة الحائط، الذي يعلو البيوت كلها، فتبدو سينما ابيض وأسود أجمل ما يكون.

       كنا نتعجب منه، أي الجامع، سينما وجامع معا؟ ولم سمح، لظلال ود اليسع، السكران أن تترنح على صفحته، وتفضحه، بصلعته المعروفة، ومشيته المترنحة، ولا فضيحة، في القرية سوى المجاز، حين كان الرأي العام كله سليما، لا يضيق بتعدد أنماط الشخوص والأمزجة لدى الأفراد (أقام العباد فيما أراد)، ألم يجعله الله جامعا، وسينما؟ فمن يعترض على ذكاء العقل القديم ومكره؟.

       كانت قرون الأبقار، تبدو في الحائط العتيق للجامع، كأنها قوارب نوبية ضخمة، نضحك عليها، وعلى ترنح ود اليسع، وهو لا يعلم أنه بطل حكاية بيضاء وسوداء على حائط المسجد العتيق، تسر عيون أطفال قريته أجمعين، كل مساء وهو على بعد كيلو متر مننا، في قلب الظلام، لا علم له بنا، لكن حزمة أنوار القندرانات، وهئ تئن بما يحمل ظهرها، جلبته لنا في لمح البصر، وهو لا يعرف أن عيوننا ووالملائكة، تراقبه بمحبة عن كثب، وأنه يضحكنا، حد السكر، مثله، بخمر الفرح، حتى نحمد الخمر، وحينا “يتشنقل”، فتضحك حبوبتي عاليا (المرمد اليلقى زول يرفعوا)، فتنسحب ابنته الصغيرة، سرا، ونتبعها، حتى نجده يشخر في تل بعيد، يفترش الرمل، وجعل من يده اليسرى مخدة، أجمل ما يكون النوم الآمن في الخلاء الطلق.

       ما أكثر الأفلام التي عرضت على الحائط العتيق، كل مساء، فيلم اسود وابيض، دون مؤثرات صوتية، أو موسيقية، لكن خيالنا الطفولي كان يصبغ عليه من الحياة، والروح، “أي فليم الظلال على الحائط”، ما يجعله ندا لأفلام بوليووود، وهوليود التي يصرف عليها مال (وزارة، بل وزارات عندنا، بل ميزانية دولة بأسرها)، قلت بوليوود في البدء، من أجل (تقديم الفاضل على المفضول حينها) فمن يقارن “في طفولته، ومراهقته” بين الإفلام الهندية، وبقية الأفلام؟ لا مجال للمقارنة أصلا، هناك (في جنة المراهقة والطفولة)، كان للأفلام الهندية القدح المعلى.

       كنت أتعجب، في سينماء كلوزيوم، وأنا أنظر فوقي، في مقعدي الحديدي السعيد، والذي فزت به بشق الأنفس، من حزمة ضوء كثيفة، صغيرة، تتسلل من شباك صغير، عليه بكرات تلف، في مؤخرة السينما، حيث “اللوج”، ثم ترتطم الحزمة بشاشة بيضاء، أمامنا كلنا، فتدب فيها الحياة، والسيارات المسرعة، واصوات البنادق، والقبلات الحميمة، عالم يتسلل من حزمة ضوء صغيرة، وكثيرا ما كان الغبار يعلق عليها، مثل تلك الثقوب في النوافذ الخشبية، وفرجاتها، فما اسعده من غبار، يسبح في خيالات، وحياة، تنسكب كالخمر على صفحة الشاشة السحرية.

       كانت حزمة ضوء، سحرية، مثل جراب حاوي، كل شئ فيها، في رحمها الضوئي مسدسات، وكاوبوي، وحب، وقطارات مسرعة، تجري فوق قمارتها العصابات، ومن بين الغبار، والنيران، يظهر وجه البطل لنا، فتدوي القاعة كلها بالتصفيق، البطل لا يموت، وكأن النيران، نيران إبراهيم، سلاما عليه، وعلينا في كراسي الحديد البسيطة.

       كنت، في الفيلم، لا أكتفي بالفرجة فقط، تلصص عيني على حياتهم، أثاث البيت، الجدة التي تلبس جينز ضيق، وأرادفها التي تخجلني في مقعدي، وكأني متلبس بهفوة، أقارنها بحبوبتي زينت، المدهنة بالسمسم دوما، وثوبها فوق رأسها كسقف البيت، لا يفارقها، أيفارق السقف عرش البيت؟ ولو فارقه، لما فارقتها طرحتها الحمراء، كما لم تكن تأكل مع زوجها، ونسايبها، أراقب الجد الذي يسكر، مع بناته، وحفيداته، في بار صغير “في البيت”، على عينيك ياتاجر، تسكر الأم مع حفيدتها، أتعجب من أنماط العيش في الكوكب، كيف سارت؟ كيف ارتضى كل قوم طريقة معيشة، وتفكير واعتقاد؟ الملامح، الدور، الديكور، أحس كأنه ألف كون، من فيلم واحد، تشدني حكايته، وعوالمه، وتلكم الجدة السكيرة، التي لا يعرف جسمها زيت السمسم، وشعرها دوما سافرا، كغصون الأشجار، تغذيه الشمس، والنسيم، والحرية.

       أنسى تسلسل الحكاية، أحينا، حين أشاهد في الفيلم طربيزة مليئة بالأقلام، (لكل امرء شأن يغنيه)، أقلام ملونة، آآآآآه (أناملي تدمن الشخبطة، بقلم الرصاص، فأين أنا من تلكم الطربيزة؟ ولكن الكاميرا، لا تأبه لها، ولي، وتمضي لشأن الاسرة، وحكاية الفليم، فأشعر بأن صور الفيلم نفسها حكايات وحكايات، هناك غرفة لكل فرد، صالوننا الطيني ينام معنا الجيران، وتخرج أختي أكثر من عشرة عناقريب في العصرية من بطنه، وكنت اخجل من (الجراءة في النقاش)، بين الأم وأبنتها في الفيلم، مناقشة العلاقات العاطفية، بين بنت وأمها، أو بنت وأخيها، هكذا (وهل الشاشة تكذب)، فأشعر بهوان ما (كم متعدد هذا العالم، هذا الكوكب)، مع أخيها؟ وكشئ عادي، (أتصاغ مشاعرنا، وضمائرنا هي الأخرى؟ كما تشاد المدن؟ كل على طريقة معمارية مختلفة؟ كم عجيبة هي الشاشة، وكم أعجب الحياة، الفيلم الأكبر، المعروض في شاشة الآن، وأعظم مخرج، لا يعرف نهاية الفيلم، فيلم الحياة.

       كانت لنا طرائق، في جمع ثمن التذكرة، وكنا نتعجب كيف فات على الفقهاء ذكر سببا مهما من اسباب الصوم؟ وهو السبب الأهم، بالنسبة لنا،  ليس في تعلم الصبر على عضة الجوع، وحالات الصفاء بعيد إذان الإفطار، والجزاء الأوفى بدخول جنة عرضها السموات والأرض، بل دخول السينما، جنة السينما، الحلم الواقعي المعاش، والملموس، ونحن نصفق صادقين، جادين، خدودنا مبلولة من الدموع، حين تتزوج البطلة الجميلة، الهندية، الثرية، النجار البسيط، الذكي، حين صدمها صدفة بدراجته المتهالكة، وعاتبته، ونهرته كالكلب، في بدء علاقتهم.

       كان ذلك في سادسة ابتدائي، وأولى ثانوي عام، نصوم أنا وأبن أختي “جماع”، عن الفطور “فقط”، ننوي الصيام منذ ليل الأمس (أليست النية خير من العمل؟ ولابد من النية في الصيام من وقت مبكرا، كنا نقول صادقين، وبنية سلمية:   

(اللهم نوينا ان نصوم لك غدا، حتى موعد الغداء، كي نوفر سعر تذكرة السينما، ونسألك التوفيق والصبر على عضة الجوع في المدرسة، بقية الحصص التي تعقب الفطور، حتى الحصة السابع، آمين، وأن يكون الفيلم جميلا، بطلته ساحرة، وبطله مبارك، وباسطة لذيذة بعد الفيلم، آآآمين، ياواسع الكرم).

       حين نصل البيت، منهكين، بأرجلنا، مشيا على الاقدام، والجوع والعرق، وقرصة الجوع، تجعلنا هزالى، كالقنى، ثم نصبر حتى الغداء، شفاهنا جافة، ولكن جيوبنا بها “ثروة لا تعادل” تعزينا عن حالنا إيما عزاء، وهي ثمن التذكرة، ثمن الفطور البسيط المستقطع من “فتة وفول”.

       نأكل الغداء بلذة لاتوصف، ونحمد الله، ونحن نتمدد على الأسرة، في قيلولة مباركة، على ابتلال العروق، وذهاب الظمأ، وثبت أجر التذكرة، ونحن في انتظار المساء، حين كان للمساء طعم الشعر، على أحر من الجمر، وقد أعان صبرنا، وجوعنا، بريق الإرادة فينا، والتحدي (مثل أبطال الفيلم)، ألسنا أبطالا؟ صدقنا طفولتنا، بأننا أبطال، لأننا وفرنا سعر التذكرة، من سعر “فتة الفول”، الزهيدة، وصبرنا، وصبرنا، وصبرنا، حتى أنزلت اختي صينية الغداء، على طربيزة خشبية خضراء، حيث الكسرة، تلف في دائرتها السمراء، صحن بامية، وسلطة حديثة القطاف من الحقول، وكانت أحلى لقيمات في الفم، (أليس فالجوع أطهى الطهاة).

       كانت لنا أفانين، في الصوم، مثل الصوم الصمدي، وغيره، أحيانا كنا نصوم  أسبوعا كاملا، (إفطار فقط طبعا)، من أجل الدخول للفيلم الهندي العظيم، والباسطة، وكوب الحليب المقنن، وشراء الألغاز، وميكي،  (وأي فيلم هندي كان عظيما)، ألا تتزوج أجمل البنات واغناهم، فتى فقير، كناس، أو نجار؟ (وماذا نريد في طفولتنا أكثر من ذلك؟)، فكنا نجوع من أجل (جنة السينما)، ونقف في الصفوف الطويلة، والشمس الحارقة منذ العصر، فعشاقها كثر، والسواري يلف ويضرب بسوطة كل من ينحشر عفوا بين صفوف نمل السينما الاسمر، الوله، حتى نجلس على كراسي الحديد المتهالكة، قبالة شاشة السيمناء، البيضاء، الضخمة.

       كل ذلك معروض على شاشة من قماش دمور سحري، نصدقها كعادة الطفولة، أتريد الطفولة الفقيرة أكثر من ذلك؟ أليست الإديان نفسها، تتحايل بالحور العين كي تحث الجميع للتقوى والإحسان؟ وبالسعادة والخضرة مثل جبال الهند؟ وكل ذلك كنا نجده في الفيلم الهندي، صورة طبق الأصل، حور عين، وخضرة، وبطولة (لا يموت البطل ولو هوى من جبل افيرست)، وزواج ميمون بين طبقات المجتمع، وكأن ماركس لم يخلق ويفكر، في أزمة “الطبقات لعنها الله”، التي تفرق الناس ايدي سبأ، وتهزم الحس الإنساني النبيل، والمساواة المباركة، ما أحلى أيام الطفولة، كنا نصدق الأفلام، قبل أن تجرفنا أكاذيب الشباب، ونعرف بأن (الرومانسية)، مرحلة، ولكن هناك رومانسية أعمق، حين نرى ظلم وجور الواقع، والتوق لتغييره، بكل السبل، ومنها (الفن السابع)، النبيل، والمؤثر كالشعر، والموسيقى في النفس البشرية.

       نتعجب من القبلات، لم تغمض النساء أعينهن في الفيلم؟ خوفا أن يراها مشاهد قريبها؟ خال أو عم؟ أم تلكم طبيعة وغريزية،  لم نسأل فتاة عن سر العماء المصنوع لحيظات القبلة، ولم نرى قبلة في القرية من قبل، بل تستحيل رؤيتها ولو في غرف النوم، بل أهناك غرف نوم في القرية؟ لا أدري كيف يخلو الزوج بزوجته، ينامان في قلب الحوش مع كل الأسرة الممتدة،  فيسرح طرفي لم يغمضن أعينهن؟ أنظر لفتاة بعيدة في السينما، تغمض عينيها هي الأخرى، أهو طقس؟ أم خجلة؟ أم عاشت الدور، كبركات السينما، حين تنصب منك بطلا، تشعر بما يشعر به، وتبكي حين يتألم، ويظل التأثير سويعات بل أيام وأيام، لم تكن الشاشة، سوى عين، اتسعت بها حياتنا، وتجاربنا، ومخيلتنا، ولم أعرف سبب الأغماض، حتى حسبت النوم، وهن يغمضن عينونهن سويعات، قبلة جميلة من ملاك الغياب، في مملكة الحلم الساحرة.

 

       نخرج من السينما، أبن أختي، وأنا،  في ظلمة تضئيها قلوبنا الحالمة، نمشي كأبطال الفيلم، عدوة البطولة انتقلت لعقولنا، وقلوبنا، نحدق في عمارة طويلة، فنرى غرفة مضيئة، لاشك هناك فتاة جميلة، منكوشة الشعر الجميل على المخدة، تقرأ في رواية رومانسية، وتحلم مثلنا، ومثل بطل الفيلم،  سيقودها لا محال القدر، أن تصطدمني بكتفها، وهي مسرعة في طريقها لعربتها الفارهة، ووتناثر كتبها، وتعابني، بإستفزاز عظيم، حد البكاء، ثم تتحول لرأفة، ويحضر بعد اسبوع ابن أختي تتويجنا معا كقيس وليلى، (هنا مربط الفرس في الفيلم الهندي)، هنا الحلم والواقع أخوان، وتوأم.

 

       حين نصل دار، ليلا، وقد سرنا، ثلاثة كيلو، أو أكثر،  نجد العصير بأنتظارنا، من بنات أختي، ليس حبا فينا فقط، بل حبا (لحكاية الفيلم لهن)، وكانت ذاكرتي طيبة، تأوي الفيلم وعوالمه (ومرات ازيد وانقص كما اريد، في شاشة ذاكرتي وخيالي)، وكنت اتدلع، لهن، وهن (أي بنات أخي)، “يحنسني”، بكل الاغراءات، غسيل، شاي نص الليل، كي أحكي، فأدركت سر الحكاية، وتوق النفس لها، مثل شهريار، الذي نسى قتل شهزاد، وهام بها حبا، لمجرد أنها أم الحكي، وأميرته الفذة، الحكاية تغيرنا، لسنا نحن في بدئها، مثلما نقرأ (الخاتمة)، وهي تملأ الشاشة الكبيرة، فنخرج وبين قلوبنا قصة عشناها، وبكينا فيها، وحلقنا، ألا يستحق حكيها كباية عصير؟ منتصف الليل؟.

 

       وأنا أحكي الفيلم، أراقب بنات أخي، يشاهدن فيلم في مخيلتهن، شاشة عذبة، تحيل (ضوء حزمة ذاكرتي)، لفيلم حقيقي في تمثلهن لكل كلمة تقال، فأشعر بأن (الصورة)، ليس في الشاشة، بل في الحروف، والسرد، بل الحياة صورة، في ذهن كل امرء، يتمثلها بشكل فردي، حسب وعيه، ومعاناته، وعشقه، الطرائق بعدد الخلائق، كما يقول شيوخ التصوفي الإنسان، في مقام الفردية، التي هي أس حياتنا، وغايتها الأخيرة، أن أكون نفسي، ولا شي غيري.

 

يالروعة عيونهن، بنات أخي، وأنا أحكي الفيلم، ما أعجب سلطانك أيتها السينما.

يتبع:

(إهداء، لطلال عفيفي وصحبه)