محمّد جلال أحمد هاشم  النّهي عن رواية الحديث وكتابته أدناه سوف نستعرض بعض الأحاديث التي تنهى عن كتابة الحديث، استناداً على ما كتبه الخطيب البغدادي (2008) في القسم الأول، .

الذي يحمل العنوان التّالي: الآثار والأخبار الواردة عن كراهة كتابة العلم، الفصل الأول، نهي الرسول عن الكتاب، باب ذكر الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه نهى عن كتب ما سوى القرآن، أي علم الحديث.

سوف نرى فيما سوف نستعرض كيف كان الصّحابة لا يمتنعون عن كتابة الحديث فحسب، بل ينهون عنه. وهناك من ذهب إلى تحليل الرّواية عن النّبيّ دون الكتابة، ذلك بحسب أحاديث رواها أبو هريرة (أكثر رواة الحديث). إلاّ أنّ هناك إجماعاً تامّاً بالنّهي عن كتابة العلم، وهو المصطلح الذي استخدمه عدد من الصّحابة للإشارة إلى الحديث. بالطّبع يشتمل الكتاب على مجموعة من الأحاديث التي تحضّ على كتابة الحديث. لهذا سوف نقوم بإجراء تحليل إحصائي في خاتمة هذا الجزء نتناول فيها النّسب الإحصائيّة للأحاديث التي تذهب إلى تجويز كتابة العلم أو تلك التي تنهى عنه. أدناه سوف نورد الاحاديث بنصّها، أي في قالبها الحكوي، أي بالعنعنات متّصلة كالسلسلة. بعد استعراضنا لها، سوف نقوم بإجراء مقارنات إحصائيّة للأحاديث الواردة في كتاب الخطيب البغدادي (2008) من حيث صّحتها وموضوعها وما بينهما من درجات، لنرى أيّها أرجح ميزاناً.                                                                                     

بعض ما رُوي عن عمر بن الخطّاب في النّهي عن كتابة الحديث

1. (66) «أخبرنا عليّ بن عبدالله المعدل، أخبرنا إسماعيل بن محمّد الصّفّار، حدّثنا أحمد بن منصور هو الرّمادي، حدّثنا عبد الرّزّاق، أخبرنا معمر عن الزّهري عن عروة بن الزّبير أنّ عمر بن الخطّاب أراد أن يكتب السّنن، فاستشار في ذلك أصحاب رسول الله صلّى الله عليه، فأشاروا عليه أن يكتبها، فطفق عمر يستخير الله فيها شهراً، ثم أصبح يوماً وقد عزم الله له، فقال  إنّي كنت أردت أن أكتب السّنن؛ وإنّي ذكرت قوماً كانوا قبلكم كتبوا كتباً، فأكبّوا عليها، وتركوا كتاب الله تعالى، وإنّي والله لا أُلبس كتاب الله بشيء أبداً» (الخطيب البغدادي، 2008: 49). وقال محقّق الكتاب سعد عبدالغفّار عليّ إنّ إسناده ضعيف (المرجع السّابق).

2. (68) «أخبرني أبو الفتح عبد الملك بن عمر بن خلف الرّزّاز: أخبرنا عبيدالله بن سعيد البُروجَردي: حدّثنا أبو محمّد عبدالله بن محمّد بن وهب الحافظ ـ في سنة ثمانٍ وثلاثماية: حدّثنا محمّد بن خلف العسقلاني: حدّثنا محمّد بن يوسف الفريابي: حدّثنا سفيان بن سعيد الثّوري، عن معمر بن راشد، عن الزّهري، عن عروة بن الزّبير، عن عبدالله بن عمر، عن عمر بن الخطّاب: أنّه أراد أن يكتب السُّنن فاستخارَ الله شهراً فأصبح وقد عزم له؛ ثمّ قال: ’إنّي ذكرت قوماً كانوا قبلكم كتبوا كتاباً؛ فأقبلوا عليه وتركوا كتاب الله عزّ وجلّ» (المرجع نفسه: 50). وقال محقّق الكتاب عن إسناده إنّه صحيح. هذا مع انعدام الفارق بينه وبين ذاك المضعّف؛ فالعبرة عندهم ليست نصّ الحديث، بل من الذي رواه ضمن سلسلة العنعنة. هذا مع أنّ ابن تيميّة يقول بمتن الحديث (1972: 65): «… الحديث الطّويل إذا رُوي مثلاً من وجهين مختلفين من غير مواطأة، امتنع عليه أن يكون غلطاً، كما امتنع أن يكون كذباً؛ فإنّ الغلط لا يكون في قصّة طويلة متنوّعة، وإنّما يكون في بعضها. فإذا روى هذا قصّةً طويلة متنوّعة، ورواها الآخر مثلما رواها الأوّل من غير مواطأة، امتنع الغلط في جميعها، كما امتنع الكذب في جميعها من غير مواطأةً».

بعض ما رُوي عن أبي سعيد الخُدريّ عن نهي النّبيّ كتابة الأحاديث

1. (1) «أخبرنا أبو سعيد محمّد بن موسى بن الفضل بن شاذان الصّيرفي ـ بنيسابور: حدّثنا أبو العبّاس محمّد بن يعقوب الأصمّ، حدّثنا محمّد بن إسحاق الصّغاني … وأخبرنا أبو الفتح محمّد بن أحمد بن أبي الفوارس الحافظ وأبو بكر محمّد بن أحمد بن يوسف الصّيّاد، قالا: أخبرنا أحمد بن يوسف بن خلاّد النّصيبي: حدّثنا الحارث بن محمّد التّميمي، قالا: حدّثنا عفّان: حدّثنا همام: أخبرنا زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري أنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: ‘لا تكتبوا عنّي شيئاً سِوى القرآن’. وقال الصّغاني: ‘غير القرآن’، ثمّ اتّفقا: ‘فمن كتب عنّي غير القرآن فَلْيَمْحُهُ’. وقال: ‘حدِّثوا عنّي ولا تكذبوا عليّ ومن كذَب عليّ ــــ قال همام: أحسبه قال: ‘متعمٍّداً، فليتبوّأ مقعدَه من النّار’». وجاء تعليق سعد عبد الغفّار عليّ عن إسناد هذا الحديث في تحقيقه للكتاب بأنّه إسناد صحيح (نفسه: 17).

2. (2) «أخبرناه أبو طاهر محمّد بن الحسن بن زيد بن الحسن العلويّ بالرّيّ: أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمّد بن سهل البزاز: حدّثنا محمّد بن أيّوب: أخبرنا أبو الوليد: حدّثنا همام عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري أنّ النّبي صلّى الله عليه وسلّم قال: ‘لا تكتبوا عنّي شيئاً، فمن كتب عنّي شيئاً غير القرآن فليمحُه؛ ومن كذَب عليَّ متعمّداً فليتبوّأ مقعدَه من النار’» (نفسه: 18). وقال عنه محقّق الكتاب إنهّ صحيح الإسناد «وقال عنه الحاكم: ‘هذا حديث صحيح على شرط الشّيخين ولم يخرّجاه …’، ووافقه الذّهبي» (نفسه).

3. (3) «أخبرناه أبو بكر أحمد بن محّمد بن أحمد غالب الخوارزمي، قال: قرأنا على عمر بن نوح البجلي: أخبركم جعفر بن محمّد الفيريابي: حدّثنا هُدبة بن خالد: حدّثنا همام بن يحيى عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخُدري أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: ‘لا تكتبوا عني، ومن كتب عنّي غيرَ القرآن فليمحُه’؛ قال: ‘ومن كذَب عليّ متعمِّداً فليتبوّأ مقعدَه من النّار، وحدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرجَ’» (نفسه: 18). ويقول عنه محقّق الكتاب: «إسناده صحيح: أخرجه مسلم (3004) من طريق هُدْبة بن خالد: حدّثنا همام … به، دون قوله: ‘وحدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج’» (نفسه).

4. (4) «أخبرناه الحسن بن أبي بكر بن شاذان: أخبرنا أحمد بن إسحاق بن وهب البندار: حدّثنا أبو العبّاس أحمد بن علي الأبّار ــــ سنة ثمانٍ وثمانين ومائتين: حدّثنا أبو مالك صاحب أبي عَوانة: حدّثنا همام بن يحيى، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخُدري قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: ‘لا تكتبوا عنِّي شيئاً إلاّ القرآن، فمن كتب شيئاً فليمْحُه’» (نفسه: 19). وقال عنه محقّق الكتاب: «إسناده حسن: أخرجه ابن حبّان في صحيحه (64) من طريق أبي مالك كثير بن يحي، قال: حدّثنا همام … به» (نفسه).

5. (6) «وأخبرناه أبو إسحق إبراهيم بن عمر بن أحمد البرمكي: أخبرنا محمد بن العبّاس الخزّاز: حدّثنا إبراهيم بن موسى بن الرّوّاس: حدّثنا الفضل بن الصّباح: حدّثنا أبو عبيدة، عن همام بن يحيى، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ‘لا تكتبوا عنّي شيئاً إلاّ القرآن فمن كتب عنّي شيئاً فليمْحُه’، قال: ‘وحَدِّثوا عنّي ولا حرج’» (نفسه: 20). وإسناده أيضاً كسابقه حسب ما قال به المحقّق.

6. (7) «أخبرناه أبو الحسين علي بن محمّد بن عبدالله بن بشران المعدل: أخبرنا محمّد بن أحمد بن الحسن الصّوّاف … وأخبرناه أبو علي الحسن بن عليّ بن محمّد التّميمي: أخبرنا أحمد بن جعفر بن حمدان قالا: حدّثنا عبدالله بن أحمد بن حنبل: حدّثني أبي: حدّثنا إسماعيل ـ يعني ابن عُلَيَّة: حدّثني همام، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ‘لا تكتبوا عنّي شيئاً إلاّ القرآن، مَن كتبَ عنِّي شيئاً سوى القرآنِ فليمحُهُ’» (نفسه: 20). وقال عنه محقّق الكتاب: «إسناد صحيح: أخرجه أحمد (3/12) من طريق ابن عُلَيَّة … به» (نفسه).

بعض ما رُوي عن زيد عن نهي النّبيّ كتابة الأحاديث

1. (16) «أخبرنا القاضي أبو عمر القاسم بن جعفر بن عبد الواحد الهاشمي بالبصرة: حدّثنا أبو عليّ محمّد بن أحمد بن عمرو اللؤلؤي: حدّثنا أبو داود سليمان بن الأشعث: حدّثنا نصر بن عليّ: أخبرنا أبو أحمد: حدّثنا كثير بن زيد، عن المطّلب بن عبدالله بن حَنْطَب قال: دخل زيد بن ثابت على معاوية، فسأله عن حديث؛ فأمر إنساناً يكتبه، فقال له زيد: ‘إن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أمرنا ألاّ نكتب شيئاً من حديثه’ فمحاه» (نفسه: 25). وقد ضعّفه سعد عبدالغفّار عليّ، محقّق الكتاب، بسبب إسناده من طريق أبي أحمد عبدالله الزّبيري قائلاً: «وهذا إسناد ضعيف للانقطاع بين المطّلب بن عبدالله بن حنطب وزيد بن ثابت (رض)، وضعّفه العلاّمة الألباني (رحم) في ضعيف سنن أبي داود» (نفسه)، ولكنّه قد يصحّ بما صحّ نصّه ومعناه، لا مبناه من حيث اتّفاقه مع ما هو ثابت.

بعض ما رُوي عن عبدالله بن مسعود في ذمّ كتابة العلم (الحديث)

1. (74) «أخبرنا أبو الحسين علي بن عبد الوهاب بن أحمد السُّكرّي: حدّثنا أبو عمرو محمّد بن العبّاس الخزّاز: أخبرنا جعفر بن أحمد المروزيُّ: حدّثنا إسماعيل بن محمّد بن إسماعيل بن يحيى بن حمّاد مولى الفضل بن العبّاس بن عبد المطّلب ــــ بالكوفة: حدّثنا ابن فضيل، عن حصين بن عبدالرحمن، عن مرّة قال: بينما نحن عند عبدالله [بن مسعود] إذ جاء ابن قُرّة بكتاب، قال: وجدتُه بالشّام فأعجبني فجئتك به، قال: فنظر فيه عبدالله ثمّ قال: ‘إنّما هلكَ مَن كان قبلكم باتّباعهم الكتبَ وتَركِهم كتابَهُم’، قال: ثمّ دعا بطَسْتٍ فيه ماء فمَاثَه فيه ثمّ محاه» (نفسه: 55). ويقول المحقّق عنه: «إسناده حسن: وأخرجه أبو الفضل المقرئ في ‘أحاديث في ذمّ الكلام وأهله’ من حريق حصين بن عبدالرّحمن … به» (نفسه).

2. (75) «أخبرنا القاضي أبو بكر أحمد بن الحسن الحَرَشِيُّ: حدّثنا أبو العبّاس محمّد بن يعقوب الأصمّ: حدّثنا العبّاس بن محمد الدُّوري: حدّثنا محمّد بن عبيد: حدّثنا هارون بن عنترة، عن عبدالرحمن بن الأسود، عن أبيه قال: أصبت أنا وعلقمة صحيفةً، فانطلقنا بها إلى عبدالله [بن مسعود]، فجلسنا بالباب وقد زالت الشّمس أو كادت أن تزول، فاستيقظ، فأرسل الجارية، فقال: ‘انظري من بالباب؟’ فرجعت إليه، فقالت: ‘علقمة والأسود’، فقال: ‘ائذني لهما’؛ فدخلنا، قال: ‘كأنّكم قد أطلتُمُ الجلوسَ في الباب؟’، قالا: ‘أجل’، قال: ‘فمَا منعكُما أن تستأذنَا؟’، قالا: ‘خشينا أن تكونَ نائماً’، قال: ‘ما أحبُّ أن تظنّوا بي هذا؛ إنّ هذه ساعةٌ كنّا نقيسُهَا بصلاة الليل’، قلنا: ‘هذه صحيفةٌ فيها حديثٌ عجيبٌ’، فقال: ‘هاتها! يا جاريةُ هاتي الطَّسْت، اسكبي فيها ماءً’، فجعل يمحوها بيده ويقول ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ القَصَصِ﴾ [يوسف: 3]، قلنا: ‘انظر إليها فإنّ فيها حديثاً حسناً’، فجعل يمحوها ثمّ قال: ‘إنّما هذه القلوبُ أوعيةٌ، فأشغلُوهَا بالقُرآن، ولا تُشغلوها بغيره’» (نفسه: 56). وقال المحقّق عنه: «إسناده صحيح».

بعض ما رُوي عن أبي موسى الأشعريّ في منع كتابة الحديث

1. (33) «أخبرنا ابن رزقويه: أخبرنا عثمان بن أحمد: حدّثنا حنبل: حدّثنا عبيدالله بن عمر القواريري: حدّثنا سهل بن أسلم: حدّثنا حُميد بن هلال، عن أبي بُردة قال: كتبتُ حديث أبي موسى أنا ومولىً لنا، قال: فظنّ أنّي أكتب حديثه، فقال: ‘يا بُني، أتكتبُ حديثي؟’ قلت: نعم، قال: ‘جئني به’، قال: فأتيته به فنظر فيه فمحَاهُ، وقال: ‘يا بُني، احفظ كما حفظت’» (نفسه: 33). وقال عنه محقّق الكتاب: «إسناده حسن».

بعض ما رُوي عن أبي هريرة في منع كتابة الحديث

1. (13) «أخبرنا أبو القاسم عبد الرّحمن بن محمّد بن عبدالله السّرّاج ــــ بنيسابور: حدّثنا أبو العبّاس محمّد بن يعقوب الأصمّ: حدّثنا العبّاس الدُّوري: حدّثنا عبدالله بن عمرو قال: حدّثنا عبدالرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عطاء بن يسَار عن أبي هريرة قال: خرج علينا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ونحن نكتب الأحاديث، فقال: ‘ما هذا الذي تكتبون؟’ قلنا: ‘أحاديث سمعناها منك’، قال: ‘أكتاباً غيرَ كتاب الله تريدونَ، ما أضلّ الأممَ من قبلكم إلاّ ما اكتتبوا من الكُتب مع كتاب الله’. قال أبو هريرة: فقلت: ‘أنتحدّث عنك يا رسول الله؟’ قال: ‘نعم، تحدّثوا عنّي ولا حرج، فمن كذَب عليّ متعمِّداً فليتبوّأ مقعدَه من النّار’» (نفسه: 23-4). وخلص سعد عبدالغفّار عليّ، محقّق الكتاب، إلى أنّ إسناده ضعيف لاشتماله على اسم عبدالرّحمن بن زيد بن أسلم، وعلى هذا خلص إلى إضعاف جميع الأحاديث الواردة عن أبي هريرة في هذا الخصوص. ولكن بحسب منهج الصّيغ الشّفاهيّة، ليست هناك غضاضة في اعتماد هذا الحديث كونه يتطابق مع ما سبق من أحاديث في هذا الشّأن.

2. (37) «أخبرنا أبو الحسين محمّد بن الحسين بن محمّد بن الفضل القطّان: أخبرنا أبو عمرو عثمان بن أحمد بن عبدالله الدّقّاق: حدّثنا أحمد بن الخليل البُرجلاني: حدّثنا هَوذَةُ بن خليفة: حدّثنا عوف … وأخبرنا محمّد بن الحسن النّاقد: أخبرنا أحمد بن جعفر بن مالك: حدّثنا جعفر الفيريابي: حدّثنا وهب بن بقية: أخبرنا خالد، عن عوف ـ واللفظ لحديث هَوذَة، عن سعيد بن أبي الحسن قال: لم يكن من أصحاب النّبي صلّى الله عليه وسلّم أكثر من أبي هريرة حديثاً عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وإنّ مروانَ زمن هو على المدينة أرادَ أن يُكتبه حديثه فأبى، وقال: ‘ارووا كما روينا’. فلمّا أبى عليه، تغفّله فأقعد له كاتباً لقِناً ثَقْفاً، ودعاه، فجعل أبو هريرة يحدّثه، ويكتب الكاتب، حتّى استفرغ حديثه أجمع. قال: ثمّ قال مروان: تعلم أنَّا قد كتبنا حديثَك أجمعَ! قال: ‘وقد فعلتم؟’ قال: ‘نعم!’ قال: ‘فاقرءوه عليّ إذن!’ قال: فقرءوه عليه، فقال أبو هريرة: ‘أمَا إنّكم قد حفظتم، وإنْ تُطِعْنِي، تَمْحُهُ’. قال: فمحاه» (نفسه: 35-36). وعن إسناده قال المحقّق إنّه حسن.

3. (39) «أخبرنا أبو الحسن محمّد بن عبدالواحد بن محمّد بن جعفر: أخبرنا عمر بن محمّد بن عليّ النّاقد: حدّثنا أحمد بن الحسن الصّوفي: حدّثنا الهيثم بن خارجة: حدّثنا عثمان بن علاَّق، عن الأوزاعي قال: سمعت أبا كثير قال: سمعت أبا هريرة يقول: ‘إن أبا هريرة لا نكْتُم ولا نُكْتِب’» (نفسه: 36). وقال عنه المحقّق إنّ إسناده صحيح.

بعض ما رُوي عن عبدالله بن عبّاس في منع كتابة الحديث

1. (41) «أخبرنا علي بن محمّد بن عبدالله المعدل: أخبرنا إسماعيل بن محمّد الصّفّار: حدّثنا أحمد بن منصور: حدّثنا عبدالرّزّاق: أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه قال: سأل ابنَ عبّاسٍ رجلٌ من أهل نجران فأعجب ابنَ عُبّاس حُسنُ مسألته، فقال الرجل: اكتبه لي،  فقال ابن عبّاس: ‘إنّا لا نكتبُ العلمَ’» (نفسه: 37). وقال محقّق الكتاب عن إسناده إنّه صحيح.

ترخّص عمر بن عبد العزيز في كتابة العلم (الحديث)

كان أوّل من سمح للنّاس بكتابة الحديث هو عمر بن عبد العزيز (61هـ ــــ 101ه / 681م ــــ 720م)، أي بعد أكثر من مائة عام من بدء دعوة النّبيّ محمّد. حتّى عمر بن عبد العزيز، وهو الخليفة وقتها، وجد من ينهاه من التّابعين عن كتابة العلم (الحديث). فقد جاء في الخطيب البغدادي (نفسه: 41): (48) «كتب إليّ عبدالرحمن بن عثمان الدّمشقي، وحدّثنا عبد العزيز بن أبي طاهر عنه: أخبرنا أبو الميمون البجلي: حدّثنا أبو زُرعة: حدّثنا سعيد بن منصور: حدّثنا يعقوب بن عبد الرحمن عن أبيه، قال: حضرت عبيدالله بن عبدالله، دخل على عمر بن عبد العزيز، فأجلس قوماً يكتبون ما يقول، فلمّا أراد أن يقوم، قال له عمر: صنعنا شيئاً،  قال: وما هو يا ابن عبد العزيز؟ قال: كتبنا ما قلت،  قال: وأين هو؟ قال: فجِيء به فخُرِّقَ». ويقول محقّق الكتاب عنه إنّه صحيح الإسناد. بعد هذا يذكر الخطيب البغدادي سلسلة طويلة من التّابعين الذين كانوا ينهون النّاس عن كتابة العلم (الحديث).

أدناه سوف نقوم بإجراء عمليّة إحصائيّة للأحاديث الواردة في كتاب الخطيب البغدادي لأهمّيّته، فنقسّمها إلى ثلاث مجموعات، ومن ثمّ نستخلص النّسب المئويّة في كلّ مجموعة لنرى أين يكون الرّجحان بخصوص الأسانيد، قويّها وضعيفها، بل موضوعها.

المجموعة الأولى: النّهي عن كتابة الحديث: من بين جملة 47 حديثاً أوردها الخطيب البغدادي في كراهة أو منع كتابة الأحاديث (العدد من 1-47)، جاءت نسبُها من حيث صحّة الإسناد إلى عدمه بموجب الاستوثاق الذي قام به محقّق الكتاب سعد عبدالغفّار عليّ، على الوجه التّالي: 26 حديثاً صحيحاً (55%)؛ 8 أحاديث ذات إسناد حسن (17%)؛ 13 حديثاً ذا إسناد ضعيف (28%)؛ لا شيء من الأحاديث الضّعيفة جدّاً (00%)؛ لا شيء من الأحاديث الموضوعة (00%). عليه، إذا أضفنا الأحاديث الصّحيحة إلى تلك الحسنة، قفزت النّسبة إلى 72% من المرْويّات التي تمنع كتابة الحديث المأثورة عن النّبيّ وعن صحابته.

المجموعة الثّانية: تجويز الكتابة لمن ينسى: أمّا بخصوص ما ذكره الخطيب البغدادي من مرْويّات تدخل في باب ما رُوي عن النّبيّ من تجويز للاستعانة بالكتابة لمن كان يعاني من النّسيان، فمن بين مجموع 15 حديثاً (العدد 104-145) تحصّلنا على النّسب التّالية: حديث واحد صحيح (7%)؛ لا شيء من الإسناد الحسن (00%)؛ 4 أحاديث ذات إسناد ضعيف (27%)؛ 3 أحاديث ذات إسناد ضعيف جدّاً (20%)؛ 7 سبعة أحاديث موضوعة (46%). وعليه، نحصل على ما نسبته 93% من جملة الأحاديث تقف موقفاً سلبيّاً من كتابة الحديث؛ فضلاً عن هذا، نلاحظ كيف دخلت الأحاديث الموضوعة، بينما كانت معدومة في المجموعة الأولى، التي تنهى عن كتابة الحديث.

المجموعة الثّالثة: من سمح لهم النّبيّ بالكتابة عنه: هذه المجموعة تحكي عن مرْويّات عن النّبي تذهب إلى أنّه قد سمح لبعض صحابته بالكتابة عنه، أي كتابة ما سمعوه منه مباشرةً. تحتوي المجموعة على 27 حديثاً تتراوح نسبها على النّحو التّالي: حديث واحد صحيح الإسناد (3%)؛ 3 أحاديث حسنة الإسناد (11%)؛ 14 حديثاً ضعيف الإسناد (52%)؛ 5 أحاديث ضعيفة الإسناد جدّاً (19%)؛ 4 أحاديث موضوعة (15%). أي أنّ ما يعادل 86% من جملة الأحاديث المرويّة في هذا الجانب، لا يمكن الرّكون إليها.

وبعد؛ في استعراضنا هذا لا نرمي أبداً إلى التّشكيك في أيٍّ من هذه الأحاديث، كما لا نرمي إلى توكيدها. فضلاً عن ذلك، لا ننفي ما للأحاديث من أهمّيّة قصوى في الاسترشاد الفقهي بما يجعل ثقافة المسلمين تمثّل استمراريّة من بداية عهد النّبيّ والصّحابة مروراً بكلّ العصور، وصولاً إلى اللحظة الرّاهنة. ما نرمي إليه، في الواقع، يمكن تلخيصه في الآتي: أوّلاً، لا يمكن أن نجعل من الأحاديث التي مرّت بجميع هذه الأطوار والرّوايات المتضاربة سلطةً ترقى إلى سلطة النّصّ القرآني بأيّ حال من الأحوال. ثانياً، لا يمكن الاطمئنان بالمرّة إلى أنّ منطوق الحديث، مطلق حديث، هو نصّ ما نطق به النّبيّ. فالنّصّ الأصلي قد تمّت التّضحية به في مقابل الابتناء الفورميوليكي القائم على واحد من شروط فنّ الحكي عند العرب. ولا تعويل هنا على العنعنة، كما لا تعويل على صحّة المتن أم ضعفه. فالحديث يبقى حديثاً بمضمونه، لا بمصداقيّة من رواه، كون المنهج الذي به نحكم على هذه المصداقيّة مطعونٌ فيه، كونه يذهب بنصّ ما نطق به النّبيّ (وهو الذي يعوّل عليه في علم الحديث). وعليه، فإنّه لرسم ملامح الفقه، أيّ فقه، لا يمكن أن يُعتمد على الأحاديث بوصفها ما صدع به النّبيّ. فمرتكز التّقنين والتّشريع ينبغي أن يبدأ بالواقع لينطلق منه إلى القرآن، لتأصيله بتأويل جديد ينجم عنه تفسير جديد، لا أن ننكفئ على ما قاله الأوّلون في تفسير القرآن وتأويله. بعد هذا يمكن للحديث المواتي أن يلعب دوره من خلال المنهج المدرسّي الإسكولاستي الذي وفقه سوف تنبني الرّؤى والمذاهب.

مجتزأ من الفصل الخامس من كتابي: منهج التّحليل الثّقافي: مشروع الحداثة في السّودان