بعد أكثر من خمسة أسابيع من القتال الشرس، وقعت حكومة جنوب السودان والمتمردون بقيادة نائب الرئيس السابق رياك مشار اتفاقا على وقف إطلاق النار بأديس أبابا الخميس الماضي،

هذا الاتفاق وقع بضغوط دولية كثيفة ولا سيما من الولايات المتحدة الأمريكية التي هددت طرفي القتال بعقوبات اقتصادية حال استمرار القتال.

بعد المعارك التي خلفت آلاف القتلى، والجرحى،وشردت نصف مليون شخص في ظروف بالغة القسوة، وأورثت الغبائن والمرارات، فإن وقف إطلاق النار مجرد خطوة في طريق طويل وصعب، هو طريق بناء السلام المستدام، وهو طريق بكل أسف ما زالت تحفه الألغام والقنابل الموقوتة، فما زال الخلاف السياسي العميق بين الرئيس سلفاكير ونائبه المقال رياك مشار قائما وقد عمقته وغذَّته المواجهات الأخيرة، وما زالت المليشيات المسلحة بكامل عتادها، وجنرالاتها الذين تحولوا إلى أمراء حرب سوف يسعون لإفشال أية تسوية سلمية، وما زال النسيج الاجتماعي ممزقا وجراحه نازفة لم تمتد إليها قط يد التضميد في شكل مصالحات حقيقية، فضلا عن ان المحيط الإقليمي بالدولة الوليدة مضطرب ومتوتر.

 

وحتى هذه اللحظة لم يطرح في جمهورية جنوب السودان مشروع سياسي لتحقيق السلام والمصالحة والوحدة الوطنية والتداول السلمي للسلطة في ظل كفالة الحريات العامة وحقوق الإنسان، وغياب مثل هذا المشروع معناه باختصار ان اي اتفاق لوقف القتال يفرضه المجتمع الدولي او الإقليمي سيكون مجرد (استراحة محاربين)، ومن ثم يتجدد القتال الذي يدفع ثمنه الباهظ والمؤلم شعب جنوب السودان،

    ان جنوب السودان دولة فقيرة وهشة وتمر بمرحلة تأسيس دولة وتكوين أمة في ظروف بالغة التعقيد والصعوبة، وما حدث في الأسابيع الخمسة الماضية يؤكد أن النخبة السياسية الحاكمة لجنوب السودان تسير على درب رصيفتها في شمال السودان، وتكرر نموذجها المأزوم في الحكم وأهم سماته: الاستبداد والفساد والاستخفاف بمعاناة الشعب وعدم التحرج من الزج به في حروب طاحنة لتحقيق طموحات سلطوية .

نتمنى في مقبل الأيام ان نرى في جنوب السودان مشروعا سياسيا  يؤسس لسلام حقيقي، ويجنب ذلك الشعب المنكوب ويلات الحروب ويعصمه من الفتن القبلية ويحقق له التنمية والاستقرار ويحافظ له على استقلاله، حتى يكون وقف إطلاق النار وقفا نهائيا للحرب اللعينة.