خالد فضل من ما نسب لرئيس الجمهورية عمر البشير قوله مؤخرا: إن باب التفاوض حول قسمة السلطة والثروة قد أغلق ولم يبق ما يتفاوض حوله مع المتمردين الا إجراءات العفو عنهم. هكذا بضربة لازب قرر رئيس الجمهورية أنه لم يبق مجال للتفاوض بين حزبه ومناوئيه من حملة السلاح،

الا حول ما يتكرم به سيادته ونظامه من عفو عن المتمردين , وقد جاء الرد سريعا من جهة الجبهة الثورية , أن من يتوجب عليه البحث عن العفو هو الرئيس وبعض أعوانه المطلوبين لدى المحكمة الجنائية الدولية بتهم جرائم الحرب والتطهير العرقي والإبادة الجماعية ضد المواطنين العزل في إقليم دارفور . حديث الرئيس ورد معارضيه يعني إغلاق باب التفاوض , إذ هما في الواقع على طرفي نقيض حول أجندة التفاوض نفسها . فهل هذه الصورة تعبر عن المطالب الشعبية الملحة ؟ وهل يأمل السودانيون ويطمحون الى  استمرار أوضاعهم وبلادهم على حالة الإحتراب والتآكل والإنقسام السائدة الآن ؟ بل منذ ميلاد البلاد كدولة مستقلة؟ أم أن الرغبة الشعبية العامة تنحو ناحية طلب الحلول لأزمات الوطن المتطاولة ؟

سأدع لسان الحال يتحدث, ويطرح أجندته لنرى إن كان باب التفاوض قد أغلق بالفعل ولم يبق الا مكرمة العفو من البشير وحزبه على المواطنين السودانيين المقاومين لسيطرته على وطنهم . لنبدأ من مطلب الناس العاديين مطلب أي انسان للوفاء بحاجاته الأساسية وعلى رأسها الماء والطعام , أليست حياة غالبية الناس أضحت جحيما لا يطاق ؟ وهل يتوفر الماء الصالح لاستخدام المواطنين السودانيين في العاصمة ناهيك عن الأقاليم , هل اكتفى المواطنون السودانيون من الطعام في حده الأدنى في العاصمة الخرطوم وليس في الأقاليم؟ الإجابة فادحة وواضحة وفاضحة , أو ليست حياة الناس وتلبية حاجاتهم الأساسية من ضمن هموم ومسؤوليات رئيس الجمهورية التي يوجبها عليه دستوره الذي يزعم الاحتكام اليه, ولن نتطرق الى الأخلاق أو الوازع الديني فهذه عدة شغل يستغلها سدنة الجماعات الاسلامية لخداع المسلمين بها . حسنا إذا كان الناس لم يكفوا حاجاتهم الأساسية من مأكل وماء فما جدوى وجود سلطة وحكومة وهيلمانة فارغة ؟ أو ليست هذه قضايا ذات بال في خطة الرئيس وفهمه للحكم ؟ سأهديه مثالاً ليدرك مسؤولية الحكم إن كان عن ذلك غافلا , فقد طرح توني بلير مرشح حزب العمال البريطاني لمنصب رئيس الوزراء قبل سنوات طرح وعدا للناخبين بتوفير دواء معين لمرض نادر يصيب عددا محدودا من الناس , خصصت لهم مستشفى في بريطانيا , وعندما فاز بالمنصب لم يف بوعده ذاك وصدف أن قام بزيارة لذات المستشفى متفقدا أوضاعه , هنا تصدت له شابة بريطانية وألقمته حجارة من نقد لاذع وكادت أن تصفعه (أم كف) لأنه وعد ولم يفِ بما وعد . نشرت صورة تلك الواقعة ومنظر توني بلير يثير الرثاء وهو مطاطئ الرأس أمام مواطنة بريطانية كانت توسعه تقريعا , لم يأمر شرطة بريطانيا وجهاز أمنها باعتقالها لأنها (قليلة أدب) وأحرجت الوزير والرئيس . انصت بلير لمواطنته وحل المشكلة فورا أي أوفى بما وعد رغم أنفه , فهل سد باب التفاوض أمام قضايا المواطنين السودانيين ولم يبق الا سماحة الرئيس وعصبته وعفوهم المأمول عن الحلو ومناوي وعقار وعرمان وامام وعبدالواحد ؟ أم الحقيقة الجارحة هي أن الوطن لم يتأسس بعد على هدى المواطنة , وأن مفهوم الحكم وفلسفة قيام الدولة لم يتبلور بعد في بلاد السودان لهذا يعتقد من يحكم البلد أنه نصف إله على أقل تقدير , مع أن سؤالا بسيطا لو طرحه الرئيس أو أي مسؤول على نفسه قبيل إخلاده للنوم في غرفة نومه مع زوجه , لهب مذعورا ولجافى النوم عينيه ولقضى ليله مسهدا . ماذا قدم للناس من موقعه ؟ دع عنك نشرات الأخبار الرسمية البروتكولية عن قابل وتباحث واستقبل , وفي حالة الرئيس البشير الذي يغلق باب التفاوض حول السلطة والثروة ويشرعه على اجراءات العفو عن من يصنفهم متمردين فحسب , فإن مطالعة عابرة لحوالي دستة ونصف من أخبار الصحف التى  تصدر في الخرطوم تحت رقابة وتوجيهات جهاز أمن النظام كفيلة بأن تجعل أي مسؤول يقدم استقالته فورا هذا أذا لم يكن الحكم والسلطة غايتهم وهو مع الأسف المفهوم الخاطئ السائد فالسلطة مظنة كسب مادي ووجاهة اجتماعية , وشعور بالأهمية , مع أن هنالك مجالات في الحياة يكسب الإنسان فيها ماديا أكثر من مخصصات الرئيس , وسلطة أخطر شأنا من موقع الرئيس نفسه , سلطة العلم والمعرفة والتقانة الحديثة , سلطة الإكتشاف والإختراع ذات الجدوى والنفع للإنسانية أكثر من سلطة أي رئيس منتخب ناهيك عن رئيس بوضع اليد كما هي سلطة الرئيس البشير الذي يمنع التفاوض حول اقتسامها . قلنا إن أخبار صحف الخرطوم في ظل حكم البشير وسلطته التي لا تقبل القسمة على آخرين تأتيك بالمحزن والمخزي من وقائع وأحداث وفي قلب الخرطوم ناهيك عن الأقاليم القصية التي تجوس فيها كتائب المتمردين . ولد يقتل والده وزوجة تتآمر على زوجها وشيخ يغتصب طفلة وموظف ينهب بنكا وشركات تتطوح واحتكارات وخط هيثروو أخبارو شنو؟! والفلل الرئاسية والأقطان والتقاوي الفاسدة والبنادق الفاسدة التي تقتل الرفاق , وعبدالوهاب عثمان يرحمه الله, وتقارير المراجعة العامة وديوان الزكاة وهبر الأجهزة النظامية وشبه النظامية . هذا في الخرطوم ناهيك عن أقبية الموت وخيام النزوح في دارفور وفي تشاد وجنوب السودان وحتى افريقيا الوسطى , تأتيك أحاديث الدمار الشامل والقتل على أيدي الجنجويد والتصفية في جبال النوبة والنيل الأزرق , والسل في فيافي الشرق والمجاعات والأمراض المستوطنة لدرجة عودة الجرب في ولاية سنار فتأمل في هموم السلطة التي لا تقبل القسمة على حد زعم الرئيس!!! وغندور الذي يساعده يبث البشرى بهجرة 98 الف معلم في ظل سلطة لا يرضى صاحب صولجانها بقسمتها مع الآخرين , وعشرات الآلاف من الأطباء وأساتذة الجامعات يهجرون العمل ويبحثون عن سد الرمق في بلدان الخليج , وغيرهم في شواطئ استراليا يغرقون وعلى سياج سيناء مع اسرائيل يعدمون . والبلد تحكمة العصابات المتفلتة وجماعات الجنجويد التي تبسط هيمنتها لدرجة نزع المتهمين من أفرادها ليس من سجن طرفي بل من داخل قاعة المحكمة في مدينة نيالا أكبر مدن دارفور وإحدى أكبر مدن السودان, مع جلد القاضي جزاءً وفاقا , ومع ذلك يبدو الرئيس متأبطا شرا وعفوا في ذات الوقت فتأمل حفظك الله!!!! والبلد التي يحكمها منذ ربع القرن انقسمت افقيا ورأسيا وتفتت مجتمعيا حد الطوفان , ومقومات إقتصادها انهارت وخدمتها العامة وغاباتها ومشروعاتها الزراعية وقيم سكانها الرفيعة بل ودين أهلها السمح نفسه قد تلاشى وصار عصبيات متنافرة ومتحاربة حد حرق القباب وتخريب احتفالات مولد الحبيب المصطفى , بعد أن دكت جحافل الجنجويد وقاذفات القنابل خلاوي القرآن في دارفور وفي الجبال, وبعد أن تكرفست سمعة البلاد بين العالمين في خانة قرارات مجلس الأمن الدولي ومجلس حقوق الإنسان وأضابير محكمة الجنايات الدولية في لاهاي, وانعدمت قطع الغيار للطائرات والقطارات وضربت مواعيد افتتاح مصنع سكر النيل الأبيض بسبب شفرة بعد توزيع بطاقات الدعوة . سلطة بهذه المواصفات البذيئة والدنيئة من يرومها غير من همتهم لا تتعدى شهوتي البطن والفرج !!! فتراهم يصدرون الأوامر وفق الخطة أ و ب لاغتيال المتظاهرين وعوضية عجبنا في قلب الخرطوم ناهيك عن القتل الجماعي في مناطق العمليات . فأي سلطة يكنكش فيها الرئيس ويجزم بالا يقتسمها مع الآخرين ؟.

واقع الحال سادتي أن البلد ليست في حاجة لاقتسام السلطة وهبر الثروة، البلد في حاجة عاجلة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ومن ثم البدء في إعادة بنائها من جديد بعد كنس آثار الآثام وسجل الأوهام الذي ساد وكانت نتائج ذلك هذا الدمار الشامل , لابد من إعادة بناء السودان على أسس جديدة واضحة وصحيحة قوامها العدالة والمساواة وكفالة حقوق الإنسان والتنمية المتوازنة والإقتسام الواقعي والفعلي لمسؤوليات السلطة وواجباتها وليس كما يتصور الرئيس . “هذا أو الطوفان” الذي لا يبقي ولا يذر سلطة أو ثروة يكنكش فيها الرئيس وجماعته ومن لف لفهم بل لا يبقى وطن على أشلائه يتباهون بالفشل ويتفاخرون بالعجز ويحتفلون بالخيبات.