ظل إعلام المؤتمر الوطني يردد أن التعديل الوزاري الأخير الذي استبعد نافذين كبار في الحزب والدولة على رأسهم نائب البشير علي عثمان محمد طه ومساعده نافع علي نافع، جاء في سياق إصلاح سياسي وانفتاح على المعارضة،

ولكن الممارسات العملية على الأرض حتى الآن  ظلت تؤكد أن التعديل الذي تم ما هو إلا تكريس لهيمنة البشير وأعوانه من العسكريين وبعض رجال الأمن على السلطة، وأن دعاوى الحوار مع “المعارضة” والانفتاح القومي ما هي إلا نكاية في خصوم البشير داخل حزبه في إطار تصفية حسابات بين التيارات المتصارعة داخل الطغمة الحاكمة وفي إطار عملية استدراج الأحزاب الى المشاركة في الدستور والانتخابات، ومن ثم تمديد عمر نظام البشير بمسرحية انتخابية جديدة، لأن اي تعديلات يجريها النظام عربونا لمشاركة الأحزاب ستكون محسوبة بدقة بحيث لا تخرج اللعبة من إعادة انتخاب البشير وطغمته بأغلبية كاسحة، لا سيما ان الاحزاب التي يحاورها البشير لا تملك اي كروت ضغط تجبره على تقديم تنازلات جوهرية، وبعضها مشارك في حكومته كالحزب الاتحادي بزعامة الميرغني.

أما المفاجأة البشيرية التي أعلنها  الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر، فقد أفسدها مساعد البشير إبراهيم غندور عندما نفى في برنامج تلفزيوني اعتزام البشير التنحي عن السلطة أو تشكيل حكومة انتقالية قومية، زاعما ان الحكومة الحالية قومية!!! وان الخطاب الذي سيلقيه البشير سوف يتضمن تفاصيل ما يسمى ب”وثيقة الإصلاح”.

وهذا معناه ان البشير سوف يفاجئنا بأن لا يفاجئنا! بل سيكرر على مسامع الشعب شعارات محفوظة ووعودا كذوبة، وإصلاحات شكلية لا علاقة لها بقضايا الشعب السوداني ومصالحه الاستراتيجية ممثلة في تحقيق السلام الشامل والعادل على أساس حل سياسي تاريخي يوقف الحرب المشتعلة الآن في جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق ودارفور، وتحقيق التحول الديمقراطي الذي يعيد للشعب السوداني حقه المسلوب منذ انقلاب 30 يونيو 1989 م في ان يختار من يحكمه، ثم يكون له الحق في مساءلته ومحاسبته على أدائه عبر كفالة الحريات العامة وتضمينها في دستور ديمقراطي يكفل حقوق الإنسان العالمية  تشارك في إعداده مكونات الشعب السوداني المختلفة، وإيجاد حل  للأزمة الاقتصادية الطاحنة يبدأ بمعالجات إسعافية للضائقة المعيشية الحالية ثم التخطيط لإحياء القطاعات المنتجة في السودان التي قتلها نظام الإنقاذ مع سبق الإصرار والترصد، وتبني منهج اقتصادي وتنموي منحاز للفقراء وفي قمة اولوياته التنمية البشرية عبر اختصاص الصحة والتعليم بأعلى نسبة في الإنفاق الحكومي، وتحقيق مصالحة وطنية تاريخية على أساس تغييرات سياسية واقتصادية تؤسس للسلم الاجتماعي والوحدة الوطنية، وعلى أساس رد الاعتبار المعنوي للقوميات السودانية التي عانت من التهميش والاستعلاء وارتكبت في حقها جرائم الحرب والمجازر البشعة باعتذارات رسمية وشعبية تفتح صفحة جديدة في التعافي الوطني وتطوي صفحة المظالم والغبائن، وعلى أساس التمييز الإيجابي في برامج التنمية.

وهذه الأهداف بطبيعتها لا يمكن تحقيقها في ظل نظام البشير الفاسد الأكبر والمنتهك الأكبر لحقوق الإنسان السوداني، وصاحب السجل المخزي في الحرب الاهلية في دارفور وجنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق، والذي ما زال يتوعد بحسم التمرد، ليس بالحلول السياسية، بل بالقوة العسكرية و”أصياف العبور” التي فصلت الجنوب وتنذر بفصل الجنوب الجديد.

ان المساهمة الوحيدة المقبولة من البشير في مستقبل السودان هي مغادرته للمسرح السياسي، وتسليم البلاد لحكومة انتقالية، وإذا لم يفعل، فإن من واجب الشعب السوداني ان يفاجئ البشير بثورة شعبية تقلب الطاولة عليه وعلى من يخططون لبقائه داخليا وخارجيا.