بقلم: عبدالغني كرم الله         في البدء اتعجب، كيف كانت (8) دقائق فقط، حياة كاملة، ليلة قدر، خيرا من ألف شهر، أحسبه قطف الأزمنة الأجمل والاعرق فينا، لبنة فلبنة، وأشاد بها (تلكم الثمان دقائق الثمان)، فبدت كعمر نوح،  في خلدي، وخلد جيراني في المقاعد الساكنة مجازا في ظلمة القاعة، والمشتعلة تمثلا، وحوارا، وهضما بما يجري في الشاشة المحتشدة بالأحداث، والموسيقى.

 

إخراج: أمجد أبو العلا

تمثيل الرشيد أحمد عيسى، أحمد آدم

زمن الفيلم 8 دقائق..

مهرجان السينما السودانية المستقلة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الشاشة؟ وأين تسهر هذا المساء؟ ماذا تعني لكم؟ ماذا تعني لي؟ وجمهور أسمر يتفرج، الله، الله على الذكريات، وعلى الهواية التي اهملت قصدا، وعمدا، وعلى صناعة السنيما التي نامت في دولتي، ولكنها، هاهي تصحو، في خطوة جادة أولى، من قبل شباب طموح.

       الشاشة، فم حبوبة، ولسان شهرزاد، ألف عين توحدت على وقائعها المعروضة، على قلب رجل واحدة، امرأة واحدة، عينين فقط، كانت كل العيون، وهنا تشرق (بركات المشاهدة الجماعية)، ألم يكن الموت عيدا مع الجماعة؟ في مقولتنا الشعبية بل حكمتنا؟ لكل منا ذبذبة، تشد الآخر، فالسماع الجماعي، وكذا المشاهدة لها طعم خاص، حيث لكل قلب تذوق، وتعبير، وتفاعل، وكلها تذوب معا، في هالة تعم القاعة، تعم القلب الحجري، وفيه كلنا، كالاجنة في الرحم، وحبل سري واحد (هي الشاشة)، تغذينا كأخوة، كأحبة، بحليب الاختيارات الموفقة لسر الحياة، وغموضها (كي نتفرج على الحياة كأعظم فيلم، تقتبس منه الأفلام)، شكرا طلال عفيفي، شكرا سربه الطموح، العنيد، في خلق النجاح.

       كانت العشرة أفلام، التي عرضت تلكم الامسية،  (في لابتوب صغير، توشيبا)، ما أجمل الذكاء البشري، والاختراعات  التي لطفت الحياة، وباركتها، وجعلت التواصل مع الآخر سهلا، رغم مكر الحكومات الفاسدة، ووسعت ملكيتها للمبدعين، أفاقا بكر، كي يفجروا حياة الخصب في حنايا قلوبهم، وعقولهم، عبر العين العوراء الجميلة، عين الكاميرا الزجاجية، والتي ترى في المجتمع ماتراه عين زرقاء اليمامة    

       فيلم استديو، يبدا بمشاهد ذكية، لشاب فنان، يعمل في استديو تصوير فتوغرافي، مصور، ومع (زبائن جاواء للتتصوير)، ودخلوا الغرفة الصغيرة، والمرآة، والمشط، والبدلات، المتنوعة، والكرافيتات (كم تصورت في طفولتي بكرافته تنزل حتى ركبتي)، فضحكت في سري (للفرجة في السينما اسرار واسرار)، حتى تكون وأن بين الجماعة في القاعة (برااااك)، فما أجمل ذلك، في قلب الجماعة، ووحدك (فالخلوة موحشة، والجماعة مزعجة)، ولكنك جمعت بين الحسنين، وتلكم هي طقوس الفرجة الساحرة.

        أنها لحيظات ما قبل برق الكامير، في استديو بسيط، وستارة، وأناس في سبيل صورة فتوغرافية صغيرة، لجواز، أو وثيقة ما، حياة بني آدم، من يحصرها؟ ويعرف مراميها، أو لعنة سفر،  وما أكثر السفر في بلادي منذ استقلت، أو صورة أسرية، قبل أن تتبدد أيدي سبأ، كشأن الحياة في بلادي أيضا، لي خال في العراق منذ ثلثي قرن، وأبن خال في اصقاع كينيا، او تشاد، حتى الفيس والنت، والهاتف المتجول لم تلم فيهما (وكل منهم تعلق حبوبته صورتهم قربها)، معذرة للاسترسال خارج الفيلم (ولكن تلكم هي بركات الافلام)، تفتن العقل بالخمر الحلال، خمر التذكر، ورؤية ما حولك بعين جديدة، وكأنها الرؤية الأولى المدهشة، رغم إدمان العين لها، وهذا ما جرى لي، وأنا اتابع أناس تود التصوير، ولحظات ما قبل التصوير، الطفولية، التي تشئ بسر من أسرار نفس الإنسان، وتوقه للكمال، والجمال.

       فيلم “استديو”، موحي، ذو شجون، صنع بمهل، ومحبة، ورغم قصر سنة (ثمان دقائق)، إلا أن للدقيقة قيمة شهور، وسنين، في الشاشة، وفي القلوب.

       تبدأ المشاهد بإنها إرهاصات ما قبيل الصورة، امرأة هندية وطفلها، طفل شقي، الام تريد صورة حميمية (أترسلها لزوجها البعيد، هناك، في أي مدينة في الهند؟)، وأين زوجها؟ أيبكي حين يشاهد الطفل وأمه؟  الطفل يعاندها، ويبعد عنها، هي تترجى المصور أن يصبر، حتى يبتسم الطفل العابس، يزح الطفل لطرف المقعد، وأمه توبخه، وتريده ان يبتسم (أن يبدو سعيدا لأبيه)، مشهد بسيط، يهز الأفئدة، والمصور يقف خلفنا، كأنه يوحي لنا (أنا أصور حياة برمتها)، في برق كاميرتي الصغيرة، السوداء المباركة، والستارة خلفهم تشهد على ما يقول، شاهد صدق، (بيني وبينه المصور حياة، وأي حياة لو كنت تعملون)، هكذا تقول الستارة، ولها الحق.

       فتاة أخرى، تود أن تتصور،  في لحيظات ما قبل برق الفلاش، تنظر بانحناءه للمصور؟ أم الكاميرا؟ أم للمرآة؟ أم لخطيب بعيد، سيتمعن تلكم الصورة، وتسرجه بألف حنين لها؟ لن أقوى على سبر ايحاءات الصورة، لا تزال الفتاة متوترة، (كأنه ترى حبيبها ينظر لصورتها الآن،، تسأله (شكلي حلو؟ طبعا للمصور)، لا يرد المصور، للمرآ؟ ربما،  المصور قد يكون غير موجودا، ينتظرها أن تعد هندامها، (للمرأة جنون خلاق، أنها تخاطب خواطرها، بصوت مسموع كالشعراء، وكلهن شعراء)، ثم تهز ذيل شعرها، شايفة نفسي مش حلوة؟ تتصنع غنج كده أحسن؟ لا احد يرد عليها، أهو حديث خواطر؟ اتريد ان تبدو جميلة؟ أن تكذب الكاميرا؟ أم هي فعلا جميلة؟ كمشاهد رأيتها أجمل ما يكون، ماهذه الطفولة فينا؟ حركاتها حركات طفل امام مرآة، انها تريد عبر الصورة أن يقف الزمن، أن تقف لحظة صغيرة، كي تتفرج عليها لاحقا، أنها “أبد”، في صورة، ولكنها تبحث عن “التعبير النفسي الأكثر عمقا فيها”، ليتها تنسى أنها تتصور (هل تصورنا الملائكة)، ما أجمل ذلك، ولو كنت في قمة التهور، أحب أن اراقب حياتي، كي أتفرج على نفسي، وهيهات، مجرد النية في صورة جميلة (تفسد دلق الحياة الفطري فيك)، سأكون سعيدا لو صورتني الملائكة، وعرضته على الملأ، ولو هفوات، وخطايا (لست بطلا)، سوى في تجربة الوجود القسرية، الأغرب، آآآآه من السينما..

       شاب يقف وخلفه ستارة التصوير بكبرياء، يعدل ملامحه (وأعصاب اساريره)، كي يبدو وسيما؟ لمن الصورة؟ لخطيبة؟ أم توثيق فترة ما من الحياة؟ لم نتصور؟ يضع الشاب يده تحت حنكه، وينظر للكاميرا بصورة جانبية (رنا، تلكم النظرة التي تكون للفتيات، فتميل عروشها والكراسي كما قال النابلي لفتاة “رانية”، أي تنظر من جانب عينيها، فتهز الأفئدة، خليط من الغنج والاعتداد، والاشتهاء..

       الاغرب، أن الشباب في محاولاته، لأخذ صورة، كانت اساريرة، تعبر عن ألف شاب، كل شكل يرسمه على وجهه، يعطي انطباع مختلف، أحيانا تحسه طفلا، ومرة معتددا (شوية)، ومرة وسيما، وهكذا ظل، ليوم الناس هذا يبحث عن صورة تسره، ومن يحدق فيها من أهله، ما أعجب الصورة، ثانية فقط، خير قرن، ظلت صورته في نفس عمرها، وقد يشيب هو، والمصور (جدي كشجرة السنط، نقطة ثابتة في محيط متحرك، لأنه لا يسرف في الحياة)، ياله من وصف للجد، كما حكى “صاحب الموسم والهجرة للشمال)، وللصورة يصلح الوصف…

       كانت تلكم المشاهد،  هي مدخل الحكاية (وهي نفسها حكاية)، كأن للفيلم ألف رسالة، ورسالة، ثم يأتي رجل مسن بسيط، أفريقي الملامح والملابس (الرشيد أحمد عيسى)، يتفرج في الشارع على الاستديو، يقف كثيرا عند الصور المعروضة في الفترينة الزجاجية، عروس، فتاة مغناج، ولكنه يقف أمام صورة “أسرة كبيرة”، يحدق بصمت وحزن، وفرح على الأم والأب، ووجوه الأطفال والشباب في الأسرة، آآآ من صورة الطفل المعتد بنفسه، وله الحق (أنه في زمن الحلم)، ليت الحياة لا تخون حلمه، بل (هل مزيد)، بمقدروها ذلك، أي الحياة، لو قامت على فكر نبيل، وعاطفة طبية، في كل شئ، من منهاج الدرس، إلى مناهج التربية، وجعلت

(السعادة غاية الحياة)، لتصور الشعب كله، مبتسما، صورة جماعية، على ضفاف النيل، ولكن؟ لم نخاطب الناس (أبتسم تطلع الصورة أجمل)، بسمة صناعية، ليتها تكون من القلب، فهي عبادة، تبسمك في وجه أخيك حسنة.

       يصعد الرجل المسن، للاستديو بمهل، ينظر بعمق للصور في الجدران، ثم يدخل غرفة المصور، وهو يعالج الصور، (ويحمضها، ولا تحميض، سوى المجاز مع التطور)، يجلس قربه، ينظر له المصور “مستغربا”، من فضوله، من سره؟ لم؟.. يفتح مظاريف صور شخصية (قد تكون هناك صورة حبيبة؟ لحبيب، وهي  “تمكر”، كعادتها، في إبراز طرف نهد، أو خصر (من يسبر جمال دهاء حواء؟ من)، أي صاحب الاستديو، كالطبيب النفسي، كالطبيب، كقاضي المحكمة “جراب أسرار”، ولكن الرجل المسن (ومن عجب يفرض سطوته على الشاب المصور)، ويتركه يتفرج على أسرار الصور، (كأن الشاب مسرنم)، كأنه أبيه؟ ابيه الروحي، كأنه هو؟ من يفهم (قمز، ولمز الكاميرا؟) وقمز ولمز الحياة؟..

       يجلس الرجل على المقعد، كي يتصور، تلكم أشد اللحظات تأثيرا، لحظيات تبكي القلوب فيها، (أنها الوحدة)، الوحدة التي يعيشها الرجل، هل تصدقوا؟ يطلب من المصور أن يجلس قربه كي يتصور معه؟ تعال يا ابني تصور جنبي.. “جنبه” أي جنب ايها الرجل المتوحد؟ أحسب تسير وحدك، وليس على جنبيك صديق أو حبيب، سوى يدك اليسار واليمن فقط.

       بكى قلبي (أشعر بوحدتك أيها العجوز)، وأنت في مدينة يسكنها عشرة مليون فرد، ولكن وحيد، محاط بألف مئذنة كاذبة، تحكي عن الدين، ولا تعيشه كواقع، فهي أكذبنا جميعا، في قلب الجماعة وحيدا، تحسبها جميعا، وقلوبهم شتى..

       يصر، أن يتصور معه المصور؟ ولكن من يصورهما؟ وبعد إلحاح يصوره، وبعد أن يغير “الستارة الخلفية أكثر من مرة، يريد حياة خلفه، وامامه، وليس ستارة من أجل الصورة، يريد حوشا خلفه، طفلا يحبو هناك، زير ينقط خلفه، شجرة وحبل غسيل، وأنى له أن يجد ذلك في استديو صغيرة، وستارة من قماش، همها (أن تأتي الصورة واضحة لا أكثر)، وليس صورة حية، ترى في طرفها دجاجة تكاكي، أو طفل يتبول..

       لقد صوره، وحيدا، وحيدا، وحيدا.. ولكن هل سينظر لصورته وحيدا؟ لا اظن، يريد أن يغيب في دفء أسرة، عن عشيرة، (لست ريشة في مهب الريح، أنا مثل هذه الشجرة لي اصل وفصل وهدف)، كما قال الرواي، في الموسم..

       صعد المصور لغرفة التحميض (لكمبيوتر التحميض، مجازا)، ومن عجب، وجد لصقه الرجل المسن يراقبه وهما يراقبان شاشة المليئة، المليئة بالصور الحديثة، نظره له نظرة أنست القاعة همها، وقلقها، مشهد رائع، كلاهما ينظر للشاشة، ولبعضهما (أنست فيك…. كما قال جماع)، ..

       كان يعلق على الصور في الشاشة الصغيرة بألق ومحبة، للأطفال، ويبتسم، ينفخ الروح في اي صورة، ثم بغته، قال للمصور، عليك الله ركب الوجه ده في صورتي، مش في ناس بركبوا صورة اوباما، وفائزة عمشيب، في صورة ناس تانين؟ وضجت القاعة بالتصفيق والضحك (لقد صرنا معهم في الاستديو)..

       من عجب رضخ له المصور بطيبة خاطر، هناك لغة بين المصور شابا (والمصور عجوزا)، كأنه هو، ما سيكون، وبغته اختار الرجل المسن صورة أسرة، كبيرة، وقال له (أقطع رأسي)، وضعه في مكان رب الأسرة، ففعل الشباب، ثم اقطع تلك الرأس وختها في مكان شاب صغيرة، ثم هناك شاب واقف في الخلف، فقال له (للمصور نفسه) اقطع رأسك أنت، وضعه فيك مكان الشاب.

سأله المصور لم؟

لأنك أبني..

ابتسمت القاعة، والمصور، ببشاشة رائعة.

حمل الرجل المسن صورة (أسرته)، صورة أسرة حقيقية، كبيرة، بإطار خشبي، ومضى لداره، لا أحد حتى في شوارع داره، وحيه، كأنه يعيش في (كامندو)، رائعة ماركيز، القرية المعزولة (مائة عام من العزلة)، أو يرقد تحت شجرة (بكيت، في انتظار جدو)، لا أحد في الحي، ولو قطة، أو حتى نملة تحبو، المهم حياة تشاركه حياته، بلى ولو نملة، يراقهاب، تحيا، وتثابر، حي لا تتحرك فيه سوى الظلال، ظلال البيوت، وتتحرك “كعادتها”، ببطء كالسكون، أي حرم كائن يمشي سواه.

       ثم يأتي ختام الفيلم، والرجل العجوز يضع الصورة على حجره، وفيها تظهر صورة أسرة كبيرة، هو ربها، والمصور يجلس في الخلف، وابناء واحفاد، والرجل مبتسما في الصورة، وفي الكرسي، أجمل ما يكون.

       ثم كبرت الصورة، حتى ملأت الشاشة، صورة أسرة جميلة، ربها هو الأجمل، أسرة حقيقة، نفخ في الصور، نفخ في الصورة حياة أسرة كبيرة ممتدة، كلها تبتسم للحياة، والشاب المصور، ذو الجدائل يقف خلف أبيه، أبيه الجميل، الاسمر، السعيد..

وضجت الصورة بالحياة، كما ضج الفيلم بالحياة، وضجت القاعة بالتصفيق في ختام جميل، بسيط، موحي.

اعذروني، حضرته مرة واحدة، ومع عشرة أفلام أخرى.

محبتي عشاق السينما، لفيلم أخر، “فيفتي”..