د. عمر القراي إن كل الحكومات الوطنية، منذ الاستقلال وحتى اليوم، مسؤولة عن التقصير المزري، الذي شاب العلاقات السودانية – المصرية. وذلك لعدم تعديلها لاتفاقية مياه النيل لعام 1929م، ولعدم مواجتها للاطماع المصرية في السودان ..

.. بل ان كثير من المثقفين السودانيين، قد عجزوا عن مخالفة الحكومات، وإتخاذ موقف وطني، شعبي، في هذه القضية. على أن الانبطاح للمصريين، لم يصل قط الى وصل إليه على عهد الحكومة الحالية. فبعد أن اتهمت الحكومة المصرية، حكومة الاخوان المسلمين بمحاولة اغتيال الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، أثبتوا أن التهمة حق بخضوعهم للابتزاز الذي مارسته عليهم الحكومة المصرية .. فاحتلت حلايب، واعتبرتها مصرية، ومنعت قيام الانتخابات فيها، ولم تستطع حكومتنا حتى مجرد الشكوى. وبدلاً من المطالبة بحلايب، سارعت الحكومة الخائرة، المرتجفة، الى التبرع بالمزيد من الاراضي السودانية للمصريين. فقد طرح هذا الأمر الفريق عبد الرحيم محمد حسين، وزير الدفاع الحالي، وذلك حين كان وزيراً للداخلية، وعقد لقاء مع مجموعة من القادة السياسيين والاعلاميين بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، بالقاهرة .. جاء عن ذلك اللقاء ( شدد اللواء عبد الرحيم محمد حسين في عرضه على أن مجرى نهر النيل في المنطقة الواقعة بين الخرطوم حتى وادي حلفا في الشمال اكثر طولاً من ذلك الجزء من النهر الذي يمر في الأراضي المصرية … وأشار الى مفارقة هائلة تتمثل في ان سكان مصر الذين يتمركزون بشكل أساسي حول ضفتي النيل يبلغون تقريباً 70 مليون نسمة بينما يعيش 1.2 مليون نسمة فقط في المسافة بين الخرطوم الى وادي حلفا. وإذا كانت التقديرات تشير الى ان عدد سكان مصر سوف يصل الى 100 مليون نسمة بعد عشرين سنة من الآن فأين سوف يذهبون ؟! … بالاضافة الى ان القانون السوداني يسمح بإزدواج الجنسية كما يمنح حق المواطنة بعد الإقامة لمدة 5 سنوات. وإنه في ظل نقص السكان في شمال السودان نجد ان هناك هجرات مستمرة من غرب أفريقيا الى منطقة دارفور والتي وصلت الى 7.5 مليون نسمة بينما نجد ان مجموع المصريين المقيمين في السودان لا يتجاوز عشرين ألف وان هذا وضع غير طبيعي)(هاني رسلان- مجلة مركز الدراسات الاستراتيجية 14/1/2005م). وهكذا وجدت حكومة الاخوان المسلمين، في خضوعها للمصريين، تبريراً عنصرياً، بغيضاً، فهي لا تريد هجرة الافارقة للسودان، الذين جاءوا من تلقاء أنفسهم، وإنما تريد هجرة المصريين، وتدعوهم، وتلح في اقناعهم، لأن قادة الاخوان المسلمين يظنون أنهم عرب، وان المصريين عرب، وهم من عنصر أفضل من الافارقة، الذين دخلوا عن طريق دارفور، لأنهم وجدوا أن أهالي دارفور يشبهونهم !! والنعرة العنصرية، القبيحة، بالاضافة الى التعصب الديني، هي التي ساقت الأخوان المسلمين لفصل الجنوب، ويمكن ان تحملهم على فصل دارفور نفسها، والتعويض عن كل الافارقة السودانيين بالمصريين !!  وكان الأجدر بالوزير أن يرفض الهجرة من غرب افريقيا، لأنها غير مرشدة، ومخالفة للقوانين، بدلاً من ان يتخذها مبرراً لهجرة المصريين الى شمال السودان، بدعوى أنه يحتاج الى أن يملأ بالبشر دون ان ترسم أي سياسات واضحة عن حقوق المواطنين الموجودين وحقوق الأجيال القادمة التي من حقها ان ترجع لتعمر الأراضي التي هجرها أهلها لأخطاء سياسات الحكومات السودانية المتعاقبة.

ومن عجب، أن الكاتب مصطفى البطل، الذي هاجم الجمهوريين، على نقدهم الحكام المصريين وسمى ذلك النقد، كراهية لمصر، كان قد كتب مقالاً بعنوان ” في بيتنا رجل مصري” جاء فيه (أفضل المعلومات المتوفرة عندي أن صحيفة “الرأي العام” المقربة من دوائر السلطة سبق ان نشرت خبر فحواه ان الحكومة تنوي استحضار اعداد كبيرة من الفلاحين المصريين وفي وقت لاحق تباين عدد هؤلاء الفلاحين بين ” الرأي العام” والصحف الأخرى التي تناولت الخبر تبايناً فاحشاً  من خمسين ألف ناحية ومليونين إثنين من ناحية أخرى! كما ان مصادر رسمية عليا أدلت بتصريحات حامت حول حمى الموضوع دون ان تلج الى رحابه ومن ذلك تصريح منسوب للفريق أول عبد الرحيم محمد حسين وزير الدفاع عند اجتماعه بالجالية السودانية في جدة العام الماضي اذ توجه إليه بعض الحضور بسؤال عن تردد عن فتح الباب أمام اعداد من الفلاحين المصريين للهجرة الى السودان. فرد الفريق بالقول ” وماذا في ذلك ألا يهاجر الأفارقة الى السودان عبر الحدود الغربية بدون عدد ؟” )(الأحداث 3/7/2008م). فرغم أنه أورد هذه المعلومات، إلا أنه لم يزد على مطالبة الحكومة بالشفافية في هذا الامر، وطرح كافة المعلومات للحوار حولها .. وهو يعلم ان الأخبار صحيحة، وقد نشرت كما ذكر في صحيفة “مقربة من دوائر السلطة” هي “الرأي العام”، التي ينشر فيها هو نفسه الآن !! كما يعلم ان الحكومة لا تطبق مبدأ الشفافية، وإن استهلكته ترديداً، ولا تحفل بأمر الحوار، بل أنها تقوم بالرقابة القبلية للصحف كل يوم وتصادر عدد منها بعد الطباعة، وتمنع كتاب يجهرون بالحق من الكتابة، وتشتكي آخرين في المحاكم، لمجرد آرائهم !! فأنا لم أقل بأن الشرفاء لا يكتبون في الصحف السودانية- رغم سيطرة الحكومة عليها- ولكنني ذكرت إن بعضهم منعوا بواسطة الأمن، وبعضهم صودرت مقالاتهم، وبعضهم قدموا للمحاكم بسبب كتابتهم، الأمر الذي لم يحدث ل”البطل”، وهذا هو الذي يقدح فيه، وليس مجرد الكتابة في الصحف الموالية للحكومة.

والكاتب مصطفى البطل، لم يضح بالجمهوريين، رغم إدعاء صداقته لبعضهم، ولم يعرض بمواقف رجل مثل الاستاذ محمود محمد طه، ليرضي حكومة الاخوان المسلمين فحسب، وإن كان إرضائها، لا يملك عنه فكاكاً، مهما إدعى المعارضة. فقد ذكر لي بنفسه، حين قابلته في منسوتا عام 1996م، إنه جاء الى أمريكا في بعثة على حساب الحكومة !! ومعلوم إن الحكومة قد كانت في أوج سياسة “التمكين”، ومعلوم أن ” التمكين” يقضي بأن تحجز البعثات لمنسوبي المؤتمر الوطني، أو من أدوا واجبات التزلف، حتى اقنعوا المؤتمر الوطني إنهم منه !! ومع ذلك، فإن “البطل” كتب ما كتب، ليرضي بعض المثقفين المصريين، أيضاً، خاصةً المقربين منهم من كبار السياسيين، الذي يحرص أن يرسل لهم مقالاته، وهو يظن انهم مفكرين كبار، يحلم ان يصبح صحفياً مرموقاً مثلهم !! فقد كتبت د. أماني الطويل، الكاتبة والباحثة بمركز الإهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية: (أثار المقال الذى نشره الصديق العزيز الطاهر ساتى فى الزميله الصحافه تحت عنوان ” لسنا هكذا يا أخ العرب” شجونا مكتومه فى نفسى منذ أن كتب الصديق العزيز أيضا صاحب القلم الرشيق والثقافه الرفيعه مصطفى عبد العزيز البطل مقالا مهما أيضا تحت عنوان ” فى بيتنا رجل مصرى” قبل شهرين تقريبا فى الزميله   ” الأحداث”، ولأن البطل يختصنى بالاطلاع على كل مايكتب بعكس ساتى…)( صحيفة الاخبار السودانية سبتمبر 2008م). ولا بأس في ان يعتبر “البطل” “هيكل” و”الطويل” وغيرهم، من الكتاب المصريين، أساتذته، ويعرض أعماله عليهم، ويتقرب إليهم، ولكن ليس على حساب الوطن، ومصالحه العليا.. وليس على حساب تشويه مواقف الجمهوريين، الذين حملوا قضية الوطن عالية، على مر السنين.

 وبسبب خنوع حكومة الإنقاذ، وضعف المثقفين، والكتاب، الذين يتسقطون رضا المصريين، فقد تمادى المصريون، من الممثلين للحكومة، وغير الممثلين لها، في التهديد والوعيد، للدول الافريقية المشاركة في حوض النيل، التي احتجت على الاتفاقية المجحفة، وطالبت بحقوق ومشروعات مساوية في مياه النيل. ولم تستطع الحكومة السودانية، الوقوف مع دول المنبع، في قضيتهم العادلة، خضوعاً للحكومة المصرية . وكانت الحكومة المصرية، في أخريات حكم مبارك، كلما شعرت بخوف الحكومة السودانية، استغلت ذلك بتوجيه المعلقين المصريين للتهديد. فقد قال الخبير المصري، اللواء طلعت مسلم ( إن خوض مصر لحرب وشيكة هو إحتمال قائم إن لم تحدث استجابة لمطالب مصر في الحفاظ على حقها التاريخي لمياه النيل … ان السيناريو الحربي الذي ربما تضطر مصر لاستخدامه كخيار أخير هو إرسال قوات برية الى أثيوبيا عن طريق الحدود السودانية فضلاً عن احتمال وجود ضربات جوية مباشرة ) (الصحافة 1/5/2010م). أما وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط فقد قال(لن توافق مصر أو تسمح بإقامة أي مشروع على حوض النيل يضر بمصالحها المائية) وقال د. مفيد شهاب (إن الأمن المائي لمصر هو خط أحمر لمصر والسودان) وقال اللواء نبيل لوقا عضو مجلس الشورى (إذا تعرضت حصتنا للتخفيض فإننا سنقيم الدنيا ولن نقعدها ولا نقبل النقاش فيها .. وإذا لم نوفق في الإعتراض فإن القوانين الدولية تتيح لنا الحرب ولو وصل بنا الأمر الى أن ندك دولاً بالقنابل لحماية اطفالنا ونسائنا من العطش فلن نتأخر)(أجراس الحرية 15/5/2010م).

لقد قام الشعب المصري بثورة عظيمة، استطاع بها ان يسقط نظاماً، غاشماً، وفاسداً، بصورة سلمية، وحضارية، في 25 يناير 2011م. وحين قام الاخوان المسلمون المصريون بسرقة الثورة، وسعوا في تصفية مكتسباتها، وفازوا في انتخابات مزورة، وبدأوا في سياسة ” التمكين”، ثار الشعب المصري عليهم في 30 يونيو 2012م، كما ثار على نظام حسني مبارك، وانحاز إليه الجيش فحمى الثورة، وازال الاخوان المسلمين، وواجه ارهابهم، الذي أخرجهم من قلوب المصريين. واستطاعت الحكومة الانتقالية، أن تضع دستوراً جيداً، فاز في استفتاء كبير في منتصف شهر يناير 2014م. والحكومة المصرية المنتخبة القادمة، والتي يجب ان تفعل هذا الدستور، ستكون اكثر احتراماً لحقوق الإنسان في داخل مصر، وأكثر تفهماً في تعاملها مع دول الجوار، ولا سيما السودان. ويمكن ان تطرح، على بساط البحث، مرة أخرى، قضية البلدين، وقضية الشعبين، لتصحح اخطاء الماضي، ويتم تعاون رشيد، على اسس جديدة، عندها سيكون الجمهوريون، من الذين يدعمون التقارب، والتعاون، حرصاً منهم على شعبي البلدين، وعلى الإنسانية جمعاء.

إن ما ذكره مصطفى البطل، عن تعاوني مع صحف حكومية، أو مملوكة للأخوان المسلمين، كذب صراح !! ولكني لن أرد عليه، وإنما أترك ذلك للصحفيين، الذين كانوا حلقة الوصل بيني وبين الصحف التي تعاملت معها. أما ما ذكره مصطفى عن تعليمه لي قيادة السيارة، وأنني كان يفترض أن أشكره على ذلك بدلاً من مهاجمته، فأنا أشكره، وأقدر له ما فعل من أجلي .. وإن كان قد قام بذلك في يوم واحد، ولم يعلمني قيادة السيارة، لأنه كان خائفاً، بصورة غير طبيعية .. وحين سرنا في الطريق السريع، وكنت أقود بالسرعة القانونية، كان أحياناً يصرخ زعراً !! ولقد دهشت لرعبه، حتى أنني سألته كيف حصل هو نفسه على رخصة القيادة، ما دام  خوفه لهذه الدرجة ؟! وأعتذرت له عن عدم مزاولة التمرين مرة أخرى، رأفة به، رغم أنني فشلت في إمتحان الرخصة. ومع ذلك، فقد كنت أحترم الأخ مصطفى البطل، لوشيجة عطبرة، ولحسن معاملته لي، أثناء علاقتي به في منسوتا، على قصرها.. وقد تجنبت، كثيراً، أن اتعرض بأي تعليق على كتاباته. ولكن ما حيلتي، وقد هاجم “البطل” الجمهوريين، بغير حق، وعرّض بموقف الاستاذ محمود من مصر، ومن الجامعة الإسلامية، وكان في كل ذلك ظالماً، و(مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ).

د. عمر القراي