مجتزأ من الفصل الخامس من كتابي: منهج التّحليل الثّقافي: مشروع الحداثة في السّودان محمّد جلال أحمد هاشم  علم الحديث كحمية دينيّة ثمّ كصنعة كان هناك أكثر من دافع للعرب في أن يُنتجوا أدب الحديث، نقلاً أميناً أو اختلاقاً، منها الحرص على تثبيت الإسلام. «فقد شاع بين النّاس حديث الرّسول (الذي أورده النّسائي): ‘شرّ الأمور مُحدثاتها، وكلّ مُحدثة بدعة، وكلّ بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة في النّار’.

فكان كلّما طلع عليهم أحد الفقهاء برأي، قالوا له: ‘أهو شيءٌ سمعته عن رسول الله أم هو رأي ارتأيته؟’ فأدرك الفقهاء أنّه ما من فرصة أمام الرّأي لأن يصادف القبول لدى جمهور المؤمنين ما لم يستند على سنّ متواترة، أو يُزعم أنّ له أصلاً في الحديث» (حسين أحمد أمين، 1987: 55). ولم «… يكن المعيار عند النّاس هنا هو صدق نسبتها إلى رسول الله أو كذبها، وإنّما المعيار مدى اتّفاق مضمونها مع تعاليم الدّين. فكان موقفهم هو موقف التّساهل بصدد وضع الأحاديث التي من شأنها خدمة الإسلام وتعزيز الفضائل والإيمان. … وقد عنى هؤلاء أبو عاصم المتوفّي سنة 212 هجريّة (وهو حجّة في دراسة الحديث) حين قال: ‘لم نرَ الصّالحين في شيءٍ أكذب منهم في الحديث’، كما تحدّث وكيع عن زياد بن عبدالله قائلاً: ‘إنّه يكذب في الحديث مع شرفه’». كما يورد إبراهيم فوزي (1995: 44) العديد من الأمثلة التي اتّجه فيها الصّالحون إلى الكذب في الأحاديث واختلاقها ترغيباً للعبادة. من ذلك الحديث الذي رواه أحمد بن حنيل في مسنده عن ابن عمرو أنّ رسول الله قال: ‘أفضل الصّوم صوم أخي داوود عليه السّلام. كان يصوم يوماً ويفطر يوماً’؛ حيث يعلّق عليه بقوله: «وهذا الحديث ورد مكرّراً بضع مرّات وما نظنّه إلاّ من صنع أولئك الصّالحين الذين كانوا يضعون الأحاديث وينسبونها إلى رسول الله ترغيباً في العبادات. وقد قال فيهم الإمام مالك: ‘لا يجوز الأخذ بهذه الأحاديث التي يرويها هؤلاء الصّالحون غير العارفين بالشّريعة’. وقد روى مسلم في صحيحه عن يحي بن سعيد القطّان، فقال: ‘ما رأيتُ الصّالحين يكذبون في شيءٍ أكثر منهم في الحديث’» (المرجع السّابق).

كما صعد نجم المرويّات عن النّبي بُعيد الفتنة الكبرى واستتباب الأمر لبني أميّة؛ فقد شرع أعداء بني أميّة في اختلاق الأحاديث تشنيعاً وتشهيراً بهم، مع رفع شأن شيعة عليّ بن أبي طالب بوصفهم أتباع الحقّ. فعلى حدّ قول حسين أحمد أمين (1987: 55-56): «ولم يقف الخلفاء الأمويّون بطبيعة الحال مكتوفي الأيدي [إزاء ما يختلق من أحاديث تذمّهم]، إذ يرون هذه الأحاديث ــــ وهم يعلمون أنّها من اختلاق أعدائهم ــــ يتلقّفها السُّذّج من العامّة وتقع عندهم موقع القبول. غير أنّه يبدو أنّهم اقتنعوا بأنّ من غير المجدي محاولة فضح هذا التّدليس والافتراء، وبأنّ الأسهل للمقاومة هو أن يفعلوا ما يفعل الخصوم. فكان أن لجأ الأمويّون وأنصارهم إلى وضع الأحاديث التي تُعلي من شأن بني أمّيّة: ‘لا تمرّ الأيّام والليالي حتّى يملك معاوية’؛ ‘دعا الرّسول لمعاوية فقال: <أللهمّ مكّنْ له في البلاد>’. وإذ وجدوا من الصّعب اختلاق أحاديث ينسبونها إلى النّبيّ تطعن في عليّ أو سلالته، اختلقوا منها ما يطعن في أبي طالب، تذهب إلى أنّ مقعده يوم القيامة في النّار، وهو ما ردّ عليه الشّيعة باختراع قصّة إسلام أبي طالب حين حضره الموت. … وهكذا استخدم اسم النّبيّ في نشر الأكاذيب، وحورب كلّ تزوير بتزوير المزيد، حتّى أصبح في جُعبة كلّ فرقة أو مذهب مجموعة ضخمة من الأحاديث التي تطعن في الفرق والمذاهب الأخرى».

في هذه المدّة تولّدت هذه الصّيغ الشّفاهيّة بوصفها فولكلوراً دينيّاً شعبيّاً للعرب. وبرزت من أثر ذلك ظواهر عديدة متعلّقة بالأحاديث، منها ظاهرة المحدّثين، والقصّاص الجوّالين، الذين داوموا على السّفر يروون الأحاديث كيفما اتّفق لهم. فمن صادف جماعةً من الشّيعة، روى لهم أحاديث تمدح عليّاً وتذُمُّ معاوية، والعكس صحيح. وكانوا في هذا يستهدفون العامّة التي وجدت في الأحايث المختلقة تسليةً وباباً واسعاً لمعاوضة واقعهم المزري؛ فقد كان المحدّثون يختلقون الأحاديث وفق ما يريده منهم العامّة ووفق مجريات الأحداث وقتها (السّياق). فقد «… عرفت هذه الطّبقة [من المحدّثين والقُصّاص] طريقها إلى المسجد والشّارع، يحدّثون فيها عن النّبيّ ويحكون الحكايات، وأتحفوها بمجموعة من الأحاديث يستهويها مضمونها. … وكان هؤلاء القّصّاص شغوفين بالأخصّ باختراع القصص عن أنبياء العهد القديم، لا يتركون سؤالاً يوجّه إليهم بصددهم إلاّ أجابوا عنه في ثقة ولو اضطرّوا إلى ارتجال الرّدّ لتوّهم، وذلك خشية أن تتأثّر سمعتهم لدى العامّة لو أنّهم قالوا: ‘لا ندري’, فلو سئلوا عن اسم الحمار الذي حارب شمشون بعظم رأسه أجابوا. وقد ورد أنّ أبا كعب القاصّ حدّث في أحد المساجد بقول: ‘كان اسم الذّئب الذي أكل يوسف كذا‘. فلمّا نبهه مستمع إلى أنّ يوسف لم يأكله الذّئب، استدرك فقال: ‘صدقت! فهذا اسم الذّئب الذي لم يأكل يوسف’» (المرجع نفسه: 64-5). وليس بخافيةٍ وثوقيّة الصّلة بين ما كان يقوم به هؤلاء القصّاص المحدّثون وبين اصطناع الأدب من قصصٍ وحكايات فولكلوريّة تشمل جميع مناحي الحياة، من دينٍ وتفسيرٍ للقرآن واختلاقٍ للحديث، ثمّ روايةً التّاريخ، قديمه ومعاصره، بطريقة تجعله مشوّقاً لعامّة النّاس بما يزيد من إقبال العامّة على هذه الصّنعة، فيُعملون خيالهم بأكثر ممّا يتحرّون الحقيقة. فقد «كان قصّاص المسلمين يتحدّثون إلى النّاس في المساجد والأمصار، فيذكرون لهم قديم العرب والعجم وما يتّصل بالنبوّات، ويمضون معهم في تفسير القرآن والحديث ورواية السّيرة والمغازي والفتوح إلى حيث يستطيع الخيال أن يذهب بهم لا إلى حيث يلزمهم العلم والصّدق أن يقفوا. وكان النّاس كلِفين بهؤلاء القُصّاص، مشغوفين بما يلقون إليهم من حديث» (طه حسين، 1926: 98). ثمّ كان هناك القصص النّصراني الذي دخل عبر تحّول النّصارى إلى الإسلام؛ إذ «… أدخل مسلمةُ النّصارى أقوالاً من الإنجيل دُسّت على أنّها أحدايث لرسول الله (ص)» (أحمد أمين، 1933: 34).  وهكذا، ما هي إلاّ هنيهة حتّى فطن الخلفاء والأمراء إلى ما تنطوي عليه هذه الظّاهرة الحكواتيّة من ملامسة لقلوب العامّة، فعمدوا إلى الاستفادة من هؤلاء القصّاص في تدعيم ملكهم، فأجزلوا لهم العطاء، فردّ هؤلاء الجميل بصاعين منه، بل وزادوا أن انسبغ عليهم وقار الحكم وقوّة عارضته. بعد ذلك سار الفقهاء في نفس السّبيل، حيث ظلّوا يدبّجون الأحاديث للحكّام وفق أهواء السّلطة وتيّاراتها الهوجاء (المرجع السّابق؛ حسين أحمد أمين، 1987).

اشتملت الأحاديث على كمّ وافر من التناقضات دون أن تفقد قوّة إسنادها. فواحدة من أهمّ خصائص التّراكيب الفورميوليكيّة أو الصّيغ الشّفاهيّة للحديث هو قالب العنعنة. فالعنعنة في أقوى خصائصها لا تعدو كونها مجرى بنيوي محفور بعمق يسمح لأيّ شخص أن يتحرّى أشراطه، فيُجري الكلام وفْقَه. وهي بهذا تيسِّر من عمليّة اصطناع واختراع الأحاديث؛ كلّ المطلوب سلسلة أسانيد قويّة، وهو ما كان متاحاً ما توفّرت مَلَكة التّأليف، وحتّى الافتراء على الأشياخ الصّادقين، الأحياء منهم والأموات. ولكن، هل يذهب زعمنا إلى أنّ وظيفة العنعنة هي تيسير الاختراع والافتراء على النّبيّ والصّحابة والسّلف بتقويلهم ما لم يقولوه؟ بالطّبع لا! فالعنعنة، شأنها في هذا شأن الصّيغة الشّفاهيّة التي مثّلنا لها بلفظة «قال»، الغرض منها إضفاء قوّة شاعريّة على النّصّ بصبّه في قالب ذي جرْس متواتر بتواتر العنعنة نفسها. فقولُك: عن فلان بن فلان، عن فلان بن فلان، قال: قال رسول الله …إلخ، ليس سوى قالب فورميوليكي يضفي قوّة على النّصّ مستمدّ من إيقاع العنعنة. هل يا تُرى كان هذا هو حال جميع رجال الحديث ونسائه؟ لا! فقد كان هناك من لا يتّبع هذا البناء الفورميوليكي كشرط لازم لصحّة الحديث. فنحن نقع على بعض رجال الحديث فنجدهم يصدعون بالحديث يُحيلونه إلى شخص غير مُسمّى، مشيرين إلى أنّه ممّن يطمئنّون إليه. وهذا من المنهج الذي اتّبعه الكليني في الكافي، وهو من أشهر رجال الحديث عند الشّيعة الجعفريّة، إذ يورد الكثير من الأحاديث غير معنعنةً قائلاً: «عن عدّة من أصحابنا»، كذا، مرسلةً دون أن يورد أسماء الرّواة؛ فالموضوع قائم على التّصديق والإيمان: إذا كنت من المؤمنين بالفكر الشّيعي الإثني عشري، فلا حاجة لك بتلك الأسانيد، هذا بينما يقوم الفكر السّنّي على حجّيّة الأسانيد وتواتر الرّواية ضعيفها من قويّها. وهذا يعكس لنا أهمّيّة المذهب الفكري والدّيني الذين يدين به جامع الحديث.

لكلّ هذا، لم يكن الإسناد يمثّل مشكلة كبيرة لواضعي الحديث، طالما كانت الأسماء المنقول عنها الحديث المختلق تجري وفق العنعنة. فقد حكوا أنّ «… أحمد بن حنبل وصاحبه يحي بن معين قصدا إلى المسجد يوماً للصّلاة، فسمعا واعظاً به يحدّث النّاس ويقول: ‘سمعتُ من أحمد بن حنبل ويحي بن معين عن عبد الرّزّاق عن معمر عن قتادة عن أنس بن مالك عن الرّسول عليه الصّلاة والسّلام أنّه قال: <من قال لا إله إلاّ الله، خلق الله له يوم القيامة من كلّ كلمة طائراً منقاره من ذهب وجناحاه من ياقوت>. فالتفت ابن حنبل إلى صديقه مشدوهاً وسأله أن يمضي إلى الواعظ ليسأله ممّن سمع هذا الحديث. قال الواعظ: ‘من أحمد بن حنبل ويحي بن معين’. قال يحي: ‘فأنا يحي بن معين، وهذا الجالس هناك أحمد بن حنبل، وما حدّثناك بهذا قطّ!’ قال الواعظ: ‘أتحسبان أنّكما وحدكما من كان اسماكما أحمد بن حنبل ويحي بن معين؟ لقد قابلت في حياتي سبعة عشر رجلاً غيركما يُدعَون أحمد بن حنبل ويحي بن معين’» (حسين أحمد أمين، 1987: 65). وفي ظنّي أنّ هذا الحديث نفسه ربّما كان مختلقاً، تدليلاً على انتشار ظاهرة القصّاص المحدّثين واجترائهم على النّبي تسليةً للعامّة. إلاّ أنّ أطرف ما يحكيه حسين أحمد أمين عدم احترام وتوقير هؤلاء القصّاص المحدّثون للعلماء، إذ كانوا أخشى ما يخشونه أن يُفتضح أمرهم على يد هؤلاء العلماء الصّادقين. فقد صادف الشّعْبي أحد هؤلاء القصّاص وهو يروي حديثاً بإسنادٍ «… طويل ملخّصه أنّ النّبيّ قال إنّه سيُنفخ يوم القيامة في بوقين، إن نُفخ في الأوّل خرّ النّاس جثثاً هامدة، وإن نُفخ في الثّاني دبّت الحياةُ فيهم من جديد. فلمّا أنّبه الشِّعْبي على مقالته، صاح به الشّيخ: ‘كيف تجسر على أن تُنكر حديثاً صحيح الإسناد قد سُمع من رسول الله؟’ ثمّ إذا به قد خلع نعله وأشار إلى النّاس أن يحذوا حذوه، وانهالوا جميعاً على الشّعبي يضربونه، فلم يُقلعوا حتّى أقسم الشّعبي أنّ الله قد خصّص ثلاثين بوقاً ليوم الحشر» (المرجع السّابق: 66). ولتعقيد الأمر، ظهر مع هؤلاء آخرون هم المحدّثون المعمّرون، وهم رجال زعموا أنّهم قد تجاوزوا المائة والمئتين من العمر، فطافوا بين النّاس يزعمون صحبة الرّسول ونقل الأحاديث عنه سماعاً في وقتٍ كان فيه التّابعون قد انقرضوا، دع عنك الصّحابة (المرجع نفسه: 66-7)، وبالتّالي أعفَوا أنفسَهم من مشقّة اختلاق الإسناد، قويّه وضعيفه. في كلّ هذا، كان هؤلاء المحدّثون، معمّرين وغير معمّرين، يستمدّون قوّتهم من سلطة النّصّ الذي يستمدّ سلطته بدوره من سلطة الصّيغ الشّفاهيّة التي تمّ صبّ الأحاديث فيها. وبالتّالي، لم يكن هناك من مجال لوضع أيّ اعتبار للعنعنة من قبل هؤلاء المحدّثين، أكانت متواترة أم مقطوعة أم خلافها، إذ ليس أيسر من اختلاقها.

بعد مجيء عمر بن عبد العزيز جدّ النّاس في جمع الأحاديث بعد أن أُذن لهم في ذلك. ولكن، مع هذا، لم تسلم الأحاديث من تناقضاتها. من ذلك ما جاء في موطّأ الإمام مالك في باب الأَمر بالوضوء لمن مَسَّ القرآنَ (536) «حدّثني يحيى، عن مالك، عن عبد اللَه بن أبي بكر بن حزم، أنّ في الكتاب الَذي كتبه رسول اللَه (ص) لعمرو بن حزم: «أن لا يمسّ القُرآن إلاّ طاهر». وكذلك (537) «قال مالك: ولا يحمل أحد المصحف بعلاّقته، ولا على وسادة، إلاّ وهو طاهر، ولو جاز ذلك لحمل في خبيئته، ولم يُكره ذلك، لأن يكون في يدي الذي يحمله شيء يُدنّس به المصحف، ولكن إنّما كُره ذلك لمن يحمله وهو غير طاهر إكراماً للقرآن، وتعظيماً له». ولكن، مع هذا، نقرأ ما جاء في الموطّأ أيضاً في باب الرُّخصة في قراءة القرآن على غير وضوءٍ: (539) «حدّثني يحيى، عن مالك، عن أيّوب بن أبي تميمة السّخْتياني، عن محمّد بن سيرين: أنّ عمر بن الخطّاب كان في قوم وهم يقرؤون القرآن، فذهب لحاجته، ثمّ رجع وهو يقرأ القرآن، فقال له رجل: ‘يا أمير المؤمنين أتقرأ القرآن ولست على وضوء؟’ فقال له عمر: ‘من أفتاك بهذا، أمسيْلِمة؟’» وينهض هنا سؤال عمّا إذا كان أولئك الصّحابة يقرأون القرآن من المصحف، أم من الذّاكرة. ولكن، هل هناك فرق؟ فإذا كان هناك فرق، ألا يعني هذا أنّ التّعظيم إنّما للورق والجلد وما سُطِّر عليه القرآن، وليس لمنطوق القرآن وجوهره؟ وفي نظرنا أنّ هذه الأقوال المتضاربة هي عين ما حدا باللاحقين أن يجدّوا في كتابة الحديث. فالخطيب البغدادي نفسه يقول عن تحليله كتابة الحديث، بعد أن أسهب في نهي الرّسول والصّحابة بعده عن كتابته، ما يلي: «قلت إنّما اتّسع النّاس في كتب العلم، وعوّلوا على تدوينه في الصّحف، بعد الكراهة لذلك، لأنّ الرّوايات انتشرت، والأسانيد طالت، وأسماء الرّجال وكُناهم وأنسابهم كثرت، والعبارات بالألفاظ اختلفت، فعجزت القلوب على حفظ ما ذكرنا، وصار علم الحديث في هذا الزّمان أثبت من علم الحافظ. مع رخصة رسول الله صلّى الله عليه لمن ضعف حفظه في الكتاب، وعمل السّلف من الصّحابة والتّابعين ومن بعدهم من الخالفين بذلك، ونحن نسوق الآثار التي أدّت إلينا ما وصفناه بمشيئة الله وعونه» (الخطيب البغدادي، 2008: 73-74). وكان الخطيب البغدادي ذا تصانيف كثيرة في علم الحديث (توفّي عام 463ه، 1071م) 

الأحاديث قبل ابتناء الصّيغ الشّفاهيّة

لا نعني، في كلّ ما قلناه أعلاه، أنّه ليس هناك نصّ لحديث إلاّ وقد خضع لتركيب الصّيغ الشّفاهيّة، وبالتّالي فقد سياقه بما يجعله نصّاً غير تاريخي، أي أقرب إلى أن يكون نصّاً دينيّاً (وفق تعريفنا لهذه المصطلحات). فهناك أحاديث كثيرة حفظتها لنا كتب التّراث، يمكن للمرء أن يتلمّس فيها بوضوح أنّها لم تكن قد خضعت للصّيغ الشّفاهيّة بعد. ولكنّ هناك شبهةً! فإذا كانت عمليّة إعادة إنتاج الأحاديث تُفقدنا النّصّ الأصلي، تبقى حقيقة أنّ أيّ رواية لأيّ نصّ منطوق شفاهيّاً سوف تُفقدنا حرفيّة النّصّ الأصلي. وإنّما لهذا كان النّبيّ، ومن بعده الصّحابة، يحرصون على تدوين القرآن، ذلك حتّى لا تذهب الرّواية الشّفاهيّة بحرفيّة نصوصه. وهذا عين ما تحسّب له الصّحابة عندما تحرّجوا من رواية الحديث عن النّبيّ حتّى لو كانوا واثقين ممّا قاله. فبمجرّد أن يُحدّث المرء بحديث سمعه، فيتركه مرسلاً غير تدوين، يدخل هذا الحديث باحة التّداول الشّفاهي، فإذا به يتغيّر ويتحوّل بكثرة رواته، أي بكثرة عنعنته. فقد رُوي عن عبدالله بن مسعود أنّه لم يكن ينطق بجملة «قال رسول الله»؛ وقد فعلها مرّةً، فتفصّد عرقاً وعلاه الكرب (حسين أحمد أمين، 1987: 59)؛ فقد كان يخشى أن ينقل عنه ذلك الحديث، فتجري به ألسنة النّاس، فيلحقه التّحريف والتّصحيف. ويدعم ما ذهبنا إليه أنّ «… هناك من الصّحابة من إذا سُئل عن أحاديث النّبيّ، أبى أن يرويها وقال: ‘أخشى لو رويت حديثاً أن تمضوا فتنقلوا عنّي مائة’» (المرجع السّابق). وهذا هو في الواقع شأن أيّ كلام يتناقله النّاس شفاهةً، خاصّةً إذا استمرّ هذا الحال لمُدد زمنيّة طويلة، كما هو حال الأحاديث المنسوبة إلى النّبيّ. ولكن المشكلة تكمن في أنّ أيّ حديث عفوي يُكتب، سوف يفقد سياقيّته بطريقة أو بأخرى بحكم أنّه لا بدّ من انتزاعه من سياقه وإلاّ لزم الأمر أن يتمّ إيراد جميع تفاصيل السّياق.

قلنا هذا من باب التّقديم لاستعراضنا بعض نماذج لأحاديث يبدو أنّها لم تخضع لتراكيب الصّيغ الشّفاهيّة. فما هو، يا ترى، وجه الاستشهاد بعالي حديثنا؟ مناط احتجاجنا بما قدّمنا هو الزّعم بأنّ ما يميّز هذه الأحاديث التي لم تخضع لعمليّة إعادة الإنتاج الفورميوليكي إيّاه، هو تراوحها بين عدّة نصوص بينما المعنى واحد، دون أن يكون لهذا أيّ وجه اعتبار. جاء المثال الذي سنضربه في كتاب أبي الحسن عليّ بن محمّد الخُزاعيّ التّلمساني الذي يحمل العنوان التّالي: كتاب تخريج الدّلالات السّمعيّة على ما كان في عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من الحِرف والصّنائع والعِمالات الشّرعيّة (1980). فقد جاء الخبر في موقعين متباينين من الكتاب وبطريقتين مختلفتين، إذ ورد الأوّل (صفحة 178) يحكي أنّ عليّاً بن أبي طالب قال: «… إنّي كنتُ كاتب رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم يوم الحديبية ـ وكتبتُ: ‘هذا ما صالح عليه محمّد رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم [سُهيل بن عمرو]’، فقال سُهيل بن عمرو: ‘لو علمنا أنّه رسول الله ما قاتلناه؛ أمحُها!’ فقلتُ: ‘هو والله رسولُ الله ـ صلّى الله عليه وسلّم وإن رَغِم أنفُك. والله لا أمحوها!’ فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم: ‘أرني مكانها!’، فأريتُه، فمحاها وقال: ‘أمَا إنّ لك مثلَها ستأتيها وأنت مضطهد’». أمّا النّصّ الثّاني (صفحة 187)، فقد حكى أنّه لمّا جاء يوم التّحكيم بين عليّ بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان، وكتب الأحنف عن عليٍّ صفة أمير المؤمنين، عاجله عمرو بن العاص بقوله: «… ‘هو أميركُم وأمّا أميرُنا، فلا!’ فقال له الأحنف [أي لعليٍّ]: ‘لا تمحُ اسم أمير المؤمنين! فإنّي أتخوّف إن محوتُها ألاّ ترجع إليك أبداً. لا تمْحُها وإن قتل النّاسُ بعضَهم بعضاً’. فأبى ذلك عليٌّ رضي الله عنه مليّاً من النّهار ثمّ إنّ الأشعث بن قريش قال: ‘امْحُ هذا الاسم!’، فمُحي، فقال عليٌّ ـ رضي الله عنه ـ ‘الله أكبر! سنّةٌ بسنّة! والله إنّي لكاتب رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم يوم الحديبية وكتبتُ <محمّد رسول>، فقالوا: <لستَ برسول الله، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك>، فأمرني رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ بمحوه، فقلت: <لا أستطيع>، فقال: <أرنيه>، فأريتُه فمحاه بيده، وقال: <إنّك ستُدعى إلى مثلها فتُجيب>’» (التّشديد في كلا النّصّين من عندنا).