د. عمر القراي (وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا) صدق الله العظيم  الخطاب الذي ألقاه السيد رئيس الجمهورية، في قاعة الصداقة، قبل أيام، على جمع من المسؤولين، ورؤساء الاحزاب السياسية، والإعلاميين، وخاطب من خلالهم الشعب السوداني، دعا فيه الشعب الى الحوار، الذي ستتم به للسودان " وثبة" تغير وضعه الراهن.

 واستجابة لهذه الدعوة الكريمة، سأبدأ الحوار بالتعليق على الخطاب نفسه !! ولا أدري هل يتابع السيد الرئيس هذا الحوار، الذي دعا إليه؟! وهل يقرأ بذهن مفتوح، ما يكتب، ولو كان مخالفاً له ولحزبه ؟!

أول ما بدأ به الرئيس خطابه، هو ان السودان كان يفترض ان يحقق ” وثبة ” منذ توقيع إتفاقية السلام الشامل.. وهي كانت ستشمل الجنوب أيضاً، ولكن الجنوب إختار الإنفصال، ففقد فرصة ” الوثبة” !! وبسبب ذلك تأخرت ” وثبة” الشمال ثلاثة سنوات أخرى، لعدم انخراط مفاوضي الجنوب، في مفاوضات منتجة .. قال السيد الرئيس ( إذ يستشرف السودان مرحلته الجديدة ، ظل يستشرفها منذ توقيع إتفاق السلام الشامل عام 2005 …. وكان لابد أن تكون سنوات الفترة الإنتقالية الست، فترة تمّهل في الوثوب إلي غمار هذه المرحلة الجديدة .. سبب       هذا التمّهل، هو أن الحزب وحكومته، وقد بذلا للجنوب، عقداً منصفاً وكريماً وناظراً  المستقبل  كان ينتظر نتيجة هذا العرض الأصيل في وطنيته، بعد أن يُقّومَهُ إخواننا ومواطنونا في الجنوب. ولأن العهد معهم كان قائماً على حرية إختيارهم، هل يقبلونه أم يختارون دولتهم الخاصة في الجنوب؛ لم يكن الإقبال على وثبة سودانية كاملة تشمل الجنوب ممكناً … حتى يقول الجنوبيون كلمتهم، وقد قالوها والواقع أن خيار الجنوب الأنفصال، قد أدى ايضا إلى إمتداد التمّهل ثلاثة أعوام أخرى، بسبب عدم أنخراط مفاوضي الجنوب في محادثات منتجة بعد الإنفصال).  أول ما يجب ان تثيره هذه الفقرة من تساؤل هو : إذا كان حزب المؤتمر الوطني قادراً على إحداث ” وثبة”، فلماذا عجز عن ذلك خلال العشرين سنة التي سبقت الإنفصال ؟! ثم بعد إتفاقية السلام، لماذا فشلت الحكومة في ان تجعل الوحدة جاذبة- وكان لديها الكلمة العليا في حكومة الوحدة الوطنية- حتى تجئ نتيجة الاستفتاء برفض الإنفصال ؟! لقد رفعت الحكومة الشعارات الإسلامية، ولم تراع التنوع الديني والثقافي، وفرضت قوانين جائرة، وصفتها بأنها إسلامية، تضرر منها غير المسلمين، مثل قانون النظام العام، الذي جلد في عام 2008م حوالي 43 الف إمرأة سودانية معظمهم من الجنوب ومناطق الهامش !! ورغم أن الحركة الشعبية كانت شريكة في الحكم، إلا ان الحكومة كانت تسخر من أعضائها، وأصرت على حرمانها من الوزارات الهامة، وفي الوزارات التي يكون على رأسها احد قادة الحركة الشعبية، تجعل السلطة الفعلية في يد الوكيل، الذي يكون من كوادر المؤتمر الوطني، وتجعل الوزير بلا مسؤولية، بغرض عزلهم عن معرفة طريقة الحكم .. ثم إنها ضيقت على نشاط الحركة الشعبية، ومنعت بعض ندواتها، وقامت باعتقال قيادات بارزة منها بعد مسيرة اجتماع جوبا، ووضعتهم لساعات في الحراسة، وتم ضرب بعضهم. والأهم من ذلك أنها أجازت بالاغلبية الميكانيكية في البرلمان كافة القوانين المقيدة للحريات والمعارضة للدستور ولاتفاقية السلام الشامل. ثم رفضت الحكومة تنفيذ ” المشورة الشعبية” التي نصت عليها الإتفاقية في جبال النوبة وفي النيل الأزرق، وحاولت تجريد الجيش الشعبي من سلاحه، قبل نهاية المدة المقررة في الاتفاقية. ورفضت ما جاء في الإتفاقية بخصوص أبيي رغم توقيعها عليه. وحين رفض الجيش الشعبي تسليم سلاحه انتهكت الحكومة اتفاقية السلام واشعلت الحرب ومارستها بالقصف الجوي على القرى وقتلت آلاف المدنيين ومنعت عنهم الإغاثة وقصدت استعمال الجوع كسلاح ضد النساء والاطفال. فمن المسؤول حقيقة عن ” الانفصال” وما تبعه من حروب ودمار للإنسان السوداني وللبيئة ؟! وهل الرئيس صادق حين يقول ان حزبه إلتزم بإتفاقية السلام ؟؟ ولماذا لم يحدثنا السيد الرئيس عن سبب عدم “وثبة” دارفور، ومن المسؤول عن قتل ما يزيد عن 250 ألف مواطن بها ونزوح أكثر من مليونين؟! ولقد سبق ان اعترفت الحكومة بأن الذين قتلوا في دارفور حوالي 10 الف مواطن، فلماذا لم يحاكم أحد على هذه الجريمة الشنعاء ؟! وهل يصح من رئيس ان يدعو ابناء شعبه ل “وثبة” سواء ان كانوا في دارفور، أو جبال النوبة والنيل الأزرق، وهو لم يواسيهم في قتلاهم، ولم ينصفهم من ظالميهم ؟!

  لقد حدثنا السيد الرئيس عن ” الوثبة” المرتقبة فقال:(هذه الوثبة ، ليست ولاينبغي لها أن تكون حزبية محضة، لكن الحزب يرى أن الوقت قد نضج لوثبة سودانية، وطنية، شاملة، طموحة ولكنها ممكنة. من أجل هذا، نحن نتوجه بالخطاب لشعبنا كله، لا لعضويتنا وحدها، ولا نستثني من هذا الشعب أحداً، حتى ولا منافسي المؤتمر الوطني من القوى السياسية الأخرى) وما دام حزب المؤتمر الوطني هو الذي يرى ان الوقت قد حان لهذه ” الوثبة”، فهي إذاً حزبية، لأنه هو الذي إدعاها وقرر ان وقتها قد حان الآن !! وذلك لأن الاحزاب والقوى الاخرى، قد ترى ان الوقت غير مناسب لأي “وثبة”، وذلك لأن الوطن جريح، ومقعد، وعاجز عن الحركة، ومشتعل من اطرافه بالحروب، ويعاني من الفقر، والمرض، وبعض أراضيه سلبت، ومشاريعه مدمرة، فهو يحتاج ان يقف أولاً على قدميه، قبل أي “وثبة” فالشخص الراقد من العجز، لا يمكن ان يقفز !!

 ثم يحدثنا السيد الرئيس عن التحدي الذي يواجهنا، فيقول ( إن التحدي الماثل أمام الطبقة السياسية والأحزاب، هو أن يعلو الولاء الوطني المستنير على الولاء الحزبي الضيق، وأن تمحو الغيرة على السودان، الغيرة من الحزب الآخر، وأن يدار الخلاف السياسي، بحيث يمكن إدالة السلطة من الذي يتولاها، بثمن يدفعه هو، ولا يكون السودان غارماً، بل يجني ثمرة هذه الإدالة رشاداً وتمكناً من أمره، سيداً على قراره). وهذا حديث طيب يدعو الى تجاوز الحزب، الى مصلحة الوطن، وإلى التداول السلمي للسلطة. فهل نفذ حزب المؤتمر الوطني هذا الأمر ؟!  في شهر سبتمبر الماضي قامت الحكومة برفع اسعار سلع ضرورية، فأحتج الشعب، وخرج في مظاهرات يتقدمه طلاب المدارس العزل، فقامت السلطة بضربهم بالرصاص الحي، وسقط أكثر من مأتي شهيد .. فهل قدم المؤتمر الوطني مصلحة بقائه في السلطة، أم مصلحة الوطن، حين ضحى بدماء شبابه رخيصة ؟! وحين جاءت حكومة الإنقاذ أعلنت فصل آلاف المواطنين من الخدمة المدنية والعسكرية وسمت ذلك العمل الإحالة الى الصالح العام، ثم في وقت متأخر أعترفت انها قدمت الولاء للحزب على الكفاءة !! فهل كان ذلك العمل لمصلحة حزبية ضيقة أم كان لمصلحة الوطن ؟! وهل يؤمن حزب الرئيس بالتداول السلمي للسلطة ؟! لماذا إذاً قام بالانقلاب العسكري، ليوقف التداول، ويفرض وجوده بقوة السلاح ؟! وحين أقام انتخابات عام 2010م، لماذا زورها بصورة مكشوفة، صورت، وعرضت في المواقع الإلكترونية، حتى عرفت بإنتخابات “الخج”، حيث قلبت الاصوات ووضعت لمصلحة حزب الحكومة ؟! لماذا فعل كل ذلك إذا كان يؤمن بإمكانية أن تذهب السلطة عنه لحزب آخر ؟! فإذا قيل ان السيد الرئيس إنما يتحدث عن المستقبل، ويطالب بما ذكر في مقبل الأيام، فهذا لا يجوز قبل الإعتراف بأخطاء الماضي، والإعتذار عنها، ومحاسبة من إرتكب جريمة في حق الشعب، ولو كان من الاقربين !!

  يقول السيد الرئيس( إنما نطلبه اليوم من السودانيين، منظمين أو غير منظمين، هو عمل غيرُ سهل، ولكنه لا يمكن أن يوصف بأنه غيرُ منصف، لأن المؤتمر يبدأ فيه بنفسه أولاً، ماتستوجبه هذه الوثبة، من نهيٍ أو إيجاب، يتوجه الأمر بهما إلي المؤتمر الوطني قبل أية طائفة أخرى) الحقيقة إنما يطلبه الرئيس من السودانيين غير منصف، لأنه يساوي بينهم وبين أعضاء المؤتمر الوطني، وهم ليسوا سواء !! فمن من قيادات حزبك أيها الرئيس، يمكن ان يعتبر فقير كسائر الشعب السوداني ؟! من منهم بات يوماً دون عشاء ؟! من منهم لا يملك عمارة وأموال في داخل البلاد وخارجها ؟! وإذا طلبت من الشعب ما تطلبه من هؤلاء في “الوثبة” فإن ذلك هو عين عدم الإنصاف!!

كيف يريد الرئيس أن يحقق هذه “الوثبة” ؟! (… بفكر صادق، غير منتحل أو مستوهب من الاباعد أو موروث عن كلالةٍ، أو مستلهم من غير عين الولاء للوطن) وإذا كان فكر الرئيس وحزبه هو فكر الأخوان المسلمين، فهو مستوهب من المصريين، وليس فكراً وطنياً .. وهو موروث عن كلالة، لأنه سقط الآن في بلده الأم، وعزله المصريون عن حياتهم، وصنفوا أهله كإرهابيين. وفكر الاخوان المسلمين ليس فيه ولاء للوطن، ولا يعترف أصلاً بالاوطان، ولا بالحدود بين الدول، ويقدم الولاء الديني للتنظيم على الولاء للوطن، والأرض كلها مقسمة فيه الى دار حرب ودار إسلام. وهذا ما جعل الأخوان المسلمين العرب يقاتلون في افغانستان، ويقاتلون الآن ومعهم الأخوان الافغان في سوريا، وهو نفسه ما جعل حكومة الرئيس البشير، تسعى لإغتيال الرئيس الاسبق حسني مبارك، ولا تعتبر ذلك شأناً يعني دولة أخرى.

 وعن الغلاء، المشكلة الكبرى، التي يعاني منها الشعب، قال السيد الرئيس ( الضيق بالمعيشة هذه المرة، ليس حنيناً إلى ماضٍ بسيطٍ سهل، ولكنه تطلع إلى الأحسن، إذ أنه بدون الإدعاء أنْ ليس في السودان فقرٌ، إلا أن فقر المجتمع السوداني بالمقياس المطلق، ليس أشد من فقر الماضي، ولكنه بمقياس مستوى المعيشة الراهن والمأمول أظهر، ولو تأملنا في هذه الجزئية، فأن هذا الضيق، الضيق بمستوى المعيشة لا ضيق المعيشة، لهو فرصة كبرى، مفتاح إغتنامها، هو العمل والسعي الجاد، وعلى الدولة دور في جعل سبيليهما ممكنتين). هذا ما قاله السيد الرئيس، ولكن الشعب كان ينتظر ان يسمع عن أسباب ضيق المعيشة والمعاناة التي يعيشها .. ولماذا يعاني الفقر والجوع ويعاني أعضاء قيادات حزب الرئيس التخمة ؟! ولماذا لم يتعرض السيد الرئيس للفساد وهو سبب اساسي من اسباب أفقار الشعب وتضييق معيشتهم ؟! وإذا بلغ الفساد أن يتهم المراجع العام وزير المالية بالتزوير، ثم يظل كل منهما في منصبه، فماذا ينتظر الشعب من مثل هذه الحكومة ؟! لقد كان الشعب يتوقع من الرئيس أن يبدأ بنفسه، ثم بأهله، ثم بحزبه، فيرد الأموال التي نهبت بالفساد الى الشعب .. كان واجب الصدق، والمرؤة، يقضي بأن يقرر الرئيس، إنه إسهاماً منه في المساعدة في تقليل معاناة الشعب، سيرد على الشعب، أموال شركات أخوانه، التي لم ينشؤها، إلا بعد أن أصبح رئيساً!! كما يرد أموال النافذين في حزبه، وحكومته، ويطالبهم بإرجاعها من الخارج، وبيع العقارات التي اشتروها في مليزيا وفي دول الخليج وإعادة اموالها للخزينة العامة .. ثم ويعلن الحرب على الفساد والمفسدين، ويبدأ بأهل بيته، قبل أن يطالب الشعب الكادح بالمزيد من العمل، ليزيد الانتاج، فتتلقفه مرة اخرى بئر الفساد !! إن ما نطالب به الرئيس أمر شاق لا يقدر عليه إلا افذاذ الرجال، ولكنه سبيله الوحيد للخلاص أمام الله ثم أمام شعبه .. ومن الذي كان يدعي أنه ليس في السودان فقر، ويطلب منه الرئيس في عبارته السالفة ان يكف عن هذا الإدعاء غير قيادات حزبه وحكومته ؟! يقول الخطاب (إن فقر المجتمع السوداني بالمقياس المطلق، ليس أشد من فقر الماضي) من الفيلسوف، الذي كتب للرئيس، هذا الخطاب العجيب ؟! فليس هناك مقياس مطلق، وإنما كل قياس هو بالضرورة نسبي، لما يقاس إليه !! وبهذا القياس النسبي، فإن وضع السودان اليوم، أسوأ مما كان عليه بالأمس. فهل يعلم السيد الرئيس، أن هنالك مطاعم في الأسواق الشعبية في أمدرمان والحاج يوسف ومايو تبيع للمواطنين وجبة ” كسرة بالماء” بدون سكر أو ملح ؟! هل يعلم أن بعض بائعات الشاي، يبعن الآن الأدوية، بالحبة الواحدة، لأن المواطن لا يستطيع شراء كورس الملاريا، أو المضاد الحيوي من الصيدلية ؟! هل يعلم أن الطالبات في الداخليات، لا يستطعن شراء أصبع المعجون، ويتفقن مع صاحب البقالة القريبة على شراء ” عصرة” معجون كل يوم ؟! هل يعلم أن أكلة ” زمني الخائن”، وهي عبار عن حبات من ” البليلة”، يعوض بها الناس عجزهم عن شراء الفول، لم تعد متوفرة ؟! كم من العفة وحسن الخلق يمكن ان يضيعها مثل هذا الفقر؟! بالرغم من هذا الوضع المحزن، يشتري أحد أعضاء حزبك وحكومتك، قصراً بمليون دولار ويأخذ زوجاته الأربعة ليتفرجوا عليه !! إن هذا الشعب، لو خرج شاهراً سلاحه، وقاتلكم دون أمواله، التي نهبتموها منه، حتى لا يهلك جوعاً ومرضاً، لجاز له ذلك.

 يقول السيد الرئيس (فأن هذا الضيق، الضيق بمستوى المعيشة لا ضيق المعيشة، لهو فرصة كبرى، مفتاح إغتنامها، هو العمل والسعي الجاد، وعلى الدولة دور في جعل سبيليهما ممكنتين) إن مثل هذا التنطع، والتكلف، والتلاعب بالالفاظ، هو الذي جعل الخطاب يقابل بالرفض من عامة الشعب .. فما هو الفرق بين الضيق بمستوى المعيشة، وضيق المعيشة ؟! أليس ضيق المعيشة يعني الضيق بمستواها ؟! وكيف يكون ضيق المعيشة فرصة، يتم اغتنامها بالعمل، ما دامت مقومات العمل نفسها غير متوفرة ؟! أين البنية التحتية للمشاريع الزراعية ؟؟ أين قنوات الري لمشروع الجزيرة ؟؟ من الذي دمرها ومن الذي باع المشروع نفسه ؟؟ من الذي احضر التقاوي الفاسدة ولماذا لم يحاكم؟؟ أين مدخلات الإنتاج للصناعة ؟؟ ولماذا كل المصانع الكبرى معطلة أو متعثرة في ديونها ؟؟ وإذا كان الخريج عاطل والعامل لا يكفي مرتبه ليوصله الى مكان عمله، والمزارع لا توفر له الدولة الأرض والقرض، فكيف تريد منهم المزيد من العمل والسعي الجاد ؟؟

إن “الوثبة” التي يجب ان نهيئ لها أنفسنا، لها متطلبات ذكرها السيد الرئيس، هي ( أولاً : السلام مبدأ عقدياً فكرياً إيمانياً وطنياً واقعياً …. ثانياً المجتمع السياسي الحر الذي يحتكم لحكم المشروطية متصرفاً في شأن الوطن بحرية ومشاورة للناس … داعياً لحقوق الجميع بالسوية … ثالثاً الخروج بالمجتمع السوداني من ضعف الفقر الى افق إعلاء القوة المستطاعة. رابعاً : انعاش الهوية السودانية التاريخية التي تعيش التاريخ تحترم ابعاضها وتتوحد بهم ) وقبل مناقشة تفاصيل هذه المسائل، لابد من الإشارة، مرة أخرى، الى اللغة العجيبة التي كتب بها هذا الخطاب .. فما معنى ” المشروطية”، التي يحتكم إليها المجتمع السياسي الحر؟ فإن كان المقصود بها ” الشروط”، فلا قيمة لذكرها، دون تحديد ما هي تلك الشروط .. لأنها قد تكون قوانين مصادرة للحرية نفسها، فتأخذ بالشمال ما أعطت باليمين. ثم كيف تنعش الهوية ؟؟ وما هي الهوية السودانية، التي يجب ان نحترمها حسب رأي الرئيس وحزبه ؟؟ ولماذا التاريخية ؟؟ أليس لنا هوية حاضرة أم ان الهوية الحاضرة لا تحتاج الى إنعاش ؟؟ ووصف الهوية التاريخية، بأنها التي تعيش التاريخ، أليس هو تفسير الماء بعد الجهد بالماء ؟؟ ثم ما معنى كلمة ” ابعاضها” هنا ؟؟ فإن كانت جمع “بعض” فإن كل هذه الأجزاء المذكورة، لم تبلغ الكل، وإلا لقال تحترم ذاتها وتتوحد بها .. فإذا كانت هذه الأجزاء لم تبلغ الكل، فهي إذاً بعض، فلماذا لم يقل تحترم بعضها وتتوحد به ؟؟

لقد جاء الرئيس الى الحكم بانقلاب في يونيو 1989م، ومنذ ذلك التاريخ، استمر في حرب مع المواطنيين السودانيين الجنوبيين حتى عام 2005م. وقبل ان تتوقف حرب الجنوب، تماماً، إندلعت الحرب في دارفور.. فقام النظام بتصعيدها، وسلح مليشيات الجنجويد، وفاقم من الصراع، ولا تزال الحركات المسلحة، التي ولدها القهر والغبن، تشعل دارفور مواجهة للقوات الحكومية. ثم إن النظام بعد انفصال الجنوب، أشعل الحرب في جنوب كردفان، وفي النيل الأزرق، ولا زال يضرب المواطنين العزل بطائرات الأنتينوف، قبل خطاب الرئيس وبعده، فيدمر القرى ويقتل الشيوخ والنساء والأطفال. وكان حصاد هذه الحروب الجائرة، مئات الآلاف من القتلى، واضعافهم والجرحى، ومئات النساء المغتصبات، وملايين اللاجئين والنازحين، الذين تحولوا في المدن الكبيرة الى مشردين، ومتسولين !! فإذا قال الرئيس بعد كل هذا ان السلام عنده (مبدأ عقدياً فكرياً إيمانياً وطنياً واقعياً) فمن الذي يصدقه ؟! ولو كان الرئيس جاداً، ولو كان لديه أدنى احترام لشعبه، أو لزعاماته الحزبية والسياسية، لأعلن على الأقل وقف اطلاق النار من جانب الحكومة، وفتح الباب للإغاثة للمتضررين من الحرب في جنوب كردفان والنيل الازرق، ولأعلن التفاوض مع الجبهة الثورية، لتحقيق السلام دون شروط مسبقة.

                                       د. عمر القراي