د-عبدالسلام نورالدين  المحتويات: 1- الغذاء  الايديولوجي المناسب  لضحايا النخب 2- أنتحار نخبة  "عانة"  و"تكريت"  في بلاد ما بين السيفين  3- الانتحار على طريقة الجبهة الاسلامية القومية 4- جسد الملك كسفرو على  جبال أم كردوس 5- ولكن ما وراءك يا عصام ؟

1 الغذاء  الايديولوجي المناسب  لضحايا النخب

تقدم الاحزاب السياسية والدول والأمم أحياناً  على الانتحار تماماً كما يقدم الافراد عبر الثقافات على شنق انفسهم لاسباب شخصية صرفة.

تقدم المانيا النازية مثاً لا مفزعا  على إقدام دولة  صناعية كبرى على الانتحار ، إذ  عن لها أن تضع  كل اوربا واسواقها في العالم تحت اقدامها بقوة السلاح  فعثرت  على نفسها وفي وقت غير مناسب في ذات المقام الذي  اعدته لخصومها من الشرق والغرب ، ولم يجد القائد “المفدى”  ادولف هتلر(9 188 -1945  ) تعبيراً  اكثر بلاغة لانتحار آمال امته ودولته كما نبتت واعشوشبت في  تصورات دماغه  من انتحاره شخصيا بعد ان اطلق النار   على حبيبته  ايفا  أنا براون  ( 1912.-1945)التي كما  قيل ايضا   قد تجرعت  بكامل عقلها ورضاها السم الزعاف

لقد كانت مقاصد  المانيا  النازية بعد ان عجزت أن تعثر لها على موضع قدم في المستعمرات التي حازت عليها قبل الحرب العالمية الاولى  والثانية (1914 -1918  -1938 -1945   ) الامبراطورية الهنغارية النمساوية -روسيا القيصرية  ثم  بريطانيا العظمى  -فرنسا -بلجيكا -هولندا والبرتغال أن تضع كل دول “الحلفاء” كصيد  في جوف فرا “المحور”  لتنتقل اليها مستعمراتها بالتبعية والوراثة القهرية  ومهما يكن من امر فقد كان ذلك نزاع الافيال الراسمالية الكبرى الى النصف الاول من القرن العشرين لاحتكار اسواق العالم الذي ازهق في  سبيل  ذلك ما يقارب  63,185,500  مليونا من الارواح البشرية .

اما  القتلى في السودان واليمن والعراق  وسوريا  والكنغو  ورواندا وبورندي في دولة ما بعد الاستعمار  فهم في نهاية المطاف  ضحايا  شهوات  وطموحات واحلام  شرائح وفئا ت النخب التي خلقها وسواها  الامبريالي “بروكست”    على حجم السر ير الذي فصله لها  بفاسه ومنشاره  وسيفه   في  تلك البلاد ذات التشكل الاكروباتي العجائبي  الممسوخ وكان طبيعيا  أن لا تعي الا برغائب نفسها   حيث تلتقي في ذات الشخصية الواحدة  والشريحة الواحدة والفئة الواحدة  العرقية والاثنية والطائفية والجهوية  والطبقية  ويفيض من عقلها  على طرائق الافلاطونية المحدثة الاصولية السلفية والصوفية والقومية واشتات اخرى من مرقعات الافكار  تتجلى بالتقطير أو الانسياب أو بالتدريج أو كل ذلك دفعة واحدة  وفقا لمعارج مطالب   النخبة  في الزمان و المكان فيكون لها في كل حادث حديث وفي كل مقام مقال  وفي كل منعرج شريعة  وتقطع الطريق  لضروراتها  التي تبيح لها كل المحظورات على كل  مالا يفضي الى تمكينها وهيمنتها  أما تجسدات الثمن الباهظ  في المهج  والدمار الشامل للاوطان  فيدفعه غيرها من ناقديها المدنيين الى جانب  القبائل والمناطق  والطوائف  ومعتنقي الاديان  التي  انسلت منها تلك النخب  التي تستعذب ان تتغنى   حينما تخلو لنفسها باهزوجتها الفضلى : وما نحن  منهم بالعيش فيهم  ولكن معدن الذهب الرغام.

الحقيق  بالتأمل أن  لتلك النخب   ايضا ثوابت لا تتخلى عنها  وعلى رأس قائمتها البقاء على كرسي الحكم حتى يقضى اللة أو الوسواس  الخناس الذي يوسوس في صدورها بالخلود  امرا كان مفعولا , ومن ثوابتها ايضا   التمكن والتمكين من الثروة القومية والاستئثار بتدوير مفاتيح  دولاب الدولة أما الدين أوالهوية  اوالقومية أو تطبيق الاسلام  أو العدالة الاجتماعية  فهي متغيرات عابرات وفسيفسائيات  من ازياء ومراكب  ومنازل طارئة أو عارضة   طبقا لمقتضى الحال الذي  يفرض عليها كنخب  أن تقدم  لضحاياها “من الرعية”  الطعم  الغوغائي الذي يناسب مزاجها ليسهل عليها  التوجة  بكامل الرضا  شطر مصيرها المحتوم .

2-

أنتحار نخبة  “عانة”  و”تكريت”  في بلاد ما بين السيفين

يجسد عراق صدام حسين نموذجاً لا يشق له غبار في  الانتحار على الطريقة  الطائفية العشائرية  لنخبة دولة امتلكت كل آليات النهوض والاقلاع الاقتصادي والاجتماعي ومع ذلك فضلت  خضوعا لجيناتها  الصفوية ان تنتحر بصورة فاجعه امام الجميع إذ  كان خيارها المجنون  “كنخبة عربية رائدة  ذات رسالة سيادية خالدة” لا تحيد عنها اما ان يكون لها  الصدر في ذلك الجزء  من الشرق الاوسط   أو القبر   فوثب عراق صدام حسين التكريتي في الثاني من اغسطس 1990 علي الكويت  بغية تزويد  محركات الته الحربية  بمحروقاتها  الوافرة  ونسي صدام في جنوح الوثوب أنها ابنة عمه وحامي حمى بوابتها الشرقية كما قد ظل يوقع على طبلة اذن العرب من الماء الى الماء  وكانت تلك بداية نهاية عراق  صدام حسين التكريتي الذي احترق في نيران طموحاته التي اشعلها بمحروقات الكويت.

-3-

الانتحار على طريقة الجبهة الاسلامية القومية

تقدم الجبهة الاسلامية القومية في السودان طرازا  اخوانيا   فريداً في الانتحار على  طريقة  الخرافات والاساطير  في افريقيا جنوب الصحراء ،  اذ  كانت الجبهة تسير   بخطى  صاعدة بعد انتخابات 1986 العامة واضحت لها القوة   الجماهيرية الثالثة بعد الاتحاد الديمقراطي وحزب الأمة وبصورة مفاجئة تخلت في لحظة انتحارية غير متوقعه عن كل اطروحاتها الدينية والسياسية والماثورات  التي لم تتوقف عن اللهج  بها منذ نشأتها  لاكثر من اربعين عاما من الزمان  ( إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ[الرعد:11]  وقلبت ظهر المجن لنفسها  بانقلاب عسكري( 1989،)  وبذلك قد قفزت  بمحض اختيارها  الحر  الذي  نعتته بالحضاري على ظهر الخرتيت المخشوشن واوثقت كل مفاصلها على ظهره بحبل من مسد  حتي لا تسقط والخرتيت يعدو بسرعته الجنونية ضارباً بها عرض جذوع الاشجار الكبيرة والصخور الناتئه مخترقاً بها الاحراش والادغال والمستنقعات ولم يبق امام الجبهة الاسلامية القومية الا ان تشاهد  تشققات لحمها وعظمها تساقط جذاذاً خلفها وامامها في كل رمحة وقفزة للخرتيت اما دمها القاني الذي خضب جسد الكركدن جميعه وتفصد وسال بين عينيه فلم يزده إلا جموحا واستفزازاً وتوحشاً وقفزاً  ودخولاً بها شتى ضروب  المهالك.

4 –

جسد الملك كسفرو على  جبال أم كردوس

هل خطر لاشد خصوم الجبهة الاسلامية بغضاً انها تنتحر  على نفس الطريقة الخرافية  التي تناثر بها جسد ملك  الداجو “كسفرو”  على صخور جبال “أم كردوس”  في النصف الشرقي من دارفور التي من غرائب تكرار المصادفات وعجائب تداخل  الوقائع مع الاساطير في السودان  كادت أن تكون ايضا المقبرة التي تضم الاشلاء المتناثرة لرفات الحركة   الاسلامية الانقاذية  في ذلك الجزء من افريقيا جنوب الصحراء؟ .

يبدو ان الفارق  الجدير بالاعتبار بين ملك الداجو كسفرو  والجبهة الاسلامية القومية ان الاخيرة قد اختارت تفتيت بدنها لحماً على وضم بنفسها خضوعا لعقلها الذي مكر بها مكرا كبارا   اما الاول فقد تم القبض عليه من عقله  المستبد الفاسد فهلك  غير مأسوف  عليه.

-5-

ولكن ما وراءك يا عصام

السؤال : ما وراء كل هذه الاكروبات  التي  من نتائجها  خراب  العمران  واعمار المقابر ؟ هل هو جشع النخبة  وهوسها المرضي غير المحدود  بالهيمنة  على كل ما تقع عليه عيناها ويداها   يفجر فيها  الحافز الذي  يدفع مكر عقلها

لتفصيل الاديان والثقافات والقوميات على حجم سرير” بروكست” الضيق المحدود  الذي كتب عليها ان لاتفارقه ابدا  ثم تمضي قدما لتفصيل الاوطان التي الت اليها  بقوة  التامر على قدر تشخصات  طموحاتها  ورعونة شهواتها  فتنصب نفسها سائسا  ويستبد بها مجون الاستهزاء والعدمية   أن تجعل من القبائل والاقاليم  والطوائف جيادا  لجر عربة الايدولوجيا والاديان التي تمتطيها  وسائلا وطعما لصيدها  لتبلغ بها مرادها وغايتها( -التمكين من الثروة والسلطة  والبقاء على مقعد القيادة  الى ان  تلفظ انفاسها )  حتى اذا كان الثمن  ان يتجاوز عدد الضحايا ارقام العدد اللانهائي  وان يتساقط كل الوطن صريعا امامها وان تتلاشى الى الابد الاديان والقوميات التي تتحدث عنها كثيرا بنبر يبدو للسامعين مقدسا.

**

د-عبدالسلام نورالدين

abdelsalamhamad@yahoo.co.uk