عبد الغني كرم الله           بساطة الحكاية، وعمقها، وحكمتها، تغريك بالمتعة والتأمل، في حياتها، حياة كائن "دائري"، قرص، كالقمر، كالوقت وهو يدور حولنا، كالنهد، يسبي، ويرضع (ألف تأويل)،  وهي (أي بطلتنا السيدة خمسين)، أقرب إليك من حبل الوريد، أنها "في جيبك عند صدرك"، ألهذا يخاط الجيب عند الصدر؟

ثروة حب بين الضلوع، وعلى الجيب ثروة؟ جيران هما، أو قد تكون “بطلتنا”، مدسوسة في ظلمة مطبقة الجلد فوق عنق حبوبتك، أو في جيب قميص الدبلاب على جنبك، أنها حكاية، و قصة حياة (خمسين قرش)، حديدية (بالأدق من النحاس والالمونيوم)، ولكنا دوما ننسب القوة للحديد، عضلات تبش، عضلات حديد.

          تبدو رحلتها الصامتة، كأبن بطوطة، من درج دكان، بقالة، أظنها، كانت نائمة فيه، بعد أن حامت طويلا في المدينة (بسبب غرائز الناس، ورغائبهم،  وحبهم لاشياء وأشياء)، هكذا قدر لها، أن تمضي كالريح، كسهم، لا تعرف الثبات، دوما تحج، من جيب لجيب، سنة الحاجة لدى بني آدم، تحطم فوارق الطبقات، (يسرح طرفي، وما أجمل الأفلام التي تكملها بخيالك)، قد تسكن جيب امرأة ثرية، ثم تحج ليد طفل يتعرق يسعى حثيثا (وتلكم الثروة بين يديه)، كي يقطع الشارع حذرا (منفذا توصيات حبوبته “عاين يمين شمال”)، وهي تخرج من مطبقتها الجلدية (الخمسين)،  كي يشتري بها حلاوة حربة، أو لكوم، هذه بتلكم، للتاجر والطفل، حلاوة ب (خمسين)، كلاهما محبوب، الحلوة والقروش، تحممت الخمسين بعرق الطفل، أيما حمام، حتى برزت شلوخها النحاسية، من وعثاء سفر يومي، كتبته عليها أقدار الناس، ونزواتهم، ورغباتهم، هاهي تفدي الطفل، بحلوة، وترقد هي في سجن “الدرج”، راضية بقدرها، ويجري طرفها، وهي سجينة، تحن للترحال، لقدرها، (لبسمة الطفل، والحلوى في تجويف فمه)، فتشعر بالرضى، أيتها (الخمسين) الباسلة، شكرا لك، شكرا (“لمرسال” الطفل)، ولمرسال الطفل للدكان، ولمرسال إبراهيم.

          سرحت بعيدا، بعيدا، مع (خيال مرسال)، هل تصدقوا، تذكرت قصتي (آلام ظهر حادة)، بطلها الحذاء، كيف قيض لنا، ونحن لا نتعارف (حينها)، أن نفكر بذات الأسلوب؟ عجبى للحياة، ما تعارف منها ألتف، وأصدق أن (الخمسين، والحذاء)، هما سبب صداقتنا لاحقا (من يكذب أسرار القدر؟) من؟ حذائي الذي جاب الأفاق، مع (السيدة الخمسين)، هما أخوة، تعارفا قبلنا، ثم آخت بيننا، لاحقا، تلكم العلاقة بينهما، ولم لا؟ ألم تكن نار موسى، سببا في استدراجه لله؟ وصار كليمه، وموضع حضرته، ما أعجب سنة الأقدار (الفيلم الأكبر، والأعمق، والأغمض)، فيلم الحياة برمتها.

          عجبني حيادها (أي الخمسين)، تتفرج فقط على مصيرها، وسعرها، قد تكون ثمن شراء كوب شاي، أو سجارة، أو تتم سعر “قزازة ويسكي”، حياد خلاق، أظن ضميرها فيه سعه، وفهم (لغرائز، تغيب في الأحشاء، وتحرك الناس كالدمى، لشراء هذا، وابتياع تلك)، أي تلكم الغرائز المدسوسة فينا، تحركنا “كالدمى والارجوز”، وهي كامنة كالنار في الحجر، وما أكثر الأديدي الخفية التي تحرك بخيوطها اللامرئية، حياتنا، ونحسبها (منا)..

          تختفي بطلتنا حينا، كأنها سمكة ماكرة، في قاع الجيوب، ثم تظهر في حافلة “هايس”، حشرها طالب في أذنه، طبلة الأذن مزينة بخمسين قرش، كأنه يصغي لأغنياتها، لمصيرها الراحل دوما كالدهر، تشتكي هوانها، وأدوارها التي تعلبها، وترسمها لها الاكف والأنامل،  قربه شاب يسمع في هيدفون، وهو يسمع وقع رحلتها الصامت في الغرائز، في حاجات الناس التي لا تنقضي، شراء، ثم جوع، ثم شراء، ملابس ثم تعري، ثم شراء، رحلة في قلب مدينة، برسولة دائرية، “خمسين” تشتري (بروحها للمسيحي، والمسلم، واللاديني)، ذات الشي، أي حياد خلاق هذا؟ لا رغبة تفسده، أو رهبة تمجه..

          القاعة كلها تتابع مصير الخمسين؟ إلى أين أيتها الريح الحديدية؟ الكهنة لا يدرون مصيرك اليومي، نتلصص على دقائق الفيلم، كي نعرف رحلتها الغامضة، الموحية، في أي جيب؟ في أي درج؟ في أي شنطة؟ أو كف ستقضي بقية يومك (أيتها السيدة الخمسين؟؟).

          أين وقع خطوتك المقبلة؟ أيتها الخمسين؟ كيف تشمين بلا أرجل، مكورة كقمر حديدي في الجيوب، تضيئن مثله، وتسعدين أناس، الكمساري يسعد بك، مثل الطالبة، مثل الطفل، وأنت كما أنت، دائرية، كالزمن، كساقية الحياة، أين أنت الآن؟ في جيب عجوز؟ أم في صيدلية، تبحثين هناك عن دواء سعال؟ أو ملاريا؟ متى تكفي عن الطوفان؟ حين يأتي يسوع؟ ويكف الناس عن الشراء؟ والحاجة؟ ويكثر (المال حتى لا يقبله أحد)، كم تمت مقايضتك بأشياء دونك، ولا تبكين، قدرك أن تحجي من جيب لحجيب، من نزوة سكر، لإشتهاء سجار، لملل رجل يمتضي الرقشة، أو طالبة تحج للجامعة، أو جيب يتيم يفرح بك.

          أخيرا، وجدت (خلوة صغيرة، في درج خشبي، مع جنيهات ورقية)، في كافتريا جامعة السودان، شرعت تحكي للجنيه الورقي، همها، وغمها، والأيدي الحارة، الساخنة، من الجيونتي التي تكوي وجهها الدائري، ولكن قبل أن تكمل بوحها، شاء قدرها أن تكون في كف فتاة ثرية، ألتقطها صاحب الكافتريا دون كل (الخمسينات) التي معها، وفوقها وجنبها، ووضعها على كف ناعمة، ما اسعدها، (أستكانت قليلا من وعثاء السجن الخشبي “الدرج”، ستكون في شنطة جميلة، قربها موبايل به ألف صورة للحبيب، ومناديل، وأسرار، وعطور، وستنام اليوم في قصر بهيج)، ولكن، هاهو زجاج السيارة ينزل، وتمتد يد غبشاء، (واجهي قدرك أيتها الخمسين)، وتخرج الخمسين من جنة السيارة، لجهنم كف غبشاء، خشنة، شحاد مسكين..

          لكن، ويالها من (خمسين بسيطة)، شعرت بنفسها، وفي يده، بأنها (أكثر من ثروة قارون)، أنها يحتاجها، (وليس تمامة عدد لشراء سجار، أو قهوة، أو سندوتش)، فكثيرا ما كانت تحشر مع أوراق أكبر منها ثمنا، (تمامة عدد)، ولكن في يد شحاذ بسيط، يفترش الكرتون (صارت أغلى، وأحلى)،  مثل الشلن القديم، الذي رماه متدين في القدس القديمة، على مرمى من عين المسيح، وحين ضحك الناس عليه، أي الرجل المسكين وهو يرمي الشلن في الهيكل، قربانا لله، قال لهم المسيح (والذي نفسي بيده هو أكرمكم جميعا، أنتم اعطتيم من فضول مالكم، وهو أعطى من حاجته) فكانت الخمسين، عند الشحاذ، في نفاسه تلكم الشلن في قرعة الهكيل، عند الله، والمسيح، والشحاذ.

          ظلت (الخمسين)، نزيلة في جيب يعزها، ويقدرها حق قدرها.

          تعجبت بعد نهاية الفيلم، من “كثرة المشاركين في انتاج الفيلم”، من تصوير، ومكياج، وصوت، وديكور،  وبأن الخمس دقائق مع الخمسين البطلة، صنعت من فريق كبير، على رأسهم الموهوب جدا، إبراهيم مرسال.

          شكرا للخمسين، كنت قربانا لنا، في طفولتنا، بل حياتنا كلها، وأنت في لبوس كتاب، أو حلوة، أو قرص اسبرين، كالحرباء، كالأكسير، لا استحالة في قلبك الدائري، كالقمر، كالشمس، كدوران الأرض، تلكم الخمسين الترابية.

          شكرا لمرسال الطفل..

          وشكرا لمرسال إبراهيم، هذا شاب ذكي، ماكر، محب للحياة، ضال، وكم أحب الذكاء، أنها الولاية، أن تخصب حياة الناس بالفن، والجمال والأسئلة.

وشكرا للخمسة دقائق، والfifty  ، ولمهرجان السنيما المستقلة، شكرا..

عبدالغني كرم الله