وائل عادل "الاستقرار"... مفهوم مهم يسعى الجميع إلى تحقيقه، فمن ذا الذي لا يريد أن يعيش مستقراً، وهو مطلب الأشخاص والمؤسسات والدول على الدوام، ويٌذكر دائماً في مقابل "الفوضى"، لكنه يستخدم أحياناً ليكون أحد أذرع الخديعة التي تحول دون حدوث هذا الاستقرار.

تستخدم عبارة “زعزعة الاستقرار” للتخويف من أي تغيير جديد، وبالفعل… التغيير يزعزع الاستقرار، استقرار الشيء الذي تم تغييره، بل قد يأتي عليه تماماً، لكن التغيير يأتي بأوضاع جديدة ليقرها.

 

الاستقرار الذي يخيفون الناس من زعزعته هو استقرار الظلم والديكتاتورية، هو استقرار العلاقة بين الحاكم والمحكوم على نحو فاسد، هو استقرار قيم العدل والحرية هناك بعيداً… أبعد ما يكون عن دولنا… لأن دولنا تبحث عن الاستقرار.. استقرار الفقير فلا يغتني، واستقرار رصيد الغني الفاسد فلا يحاسب، واستقرار السوط في يد الجلاد، واستقرار ظهر المجلود أسفل السوط!!

 

كذلك تأتي خديعة الاستقرار بالتلويح بالتدخل الأجنبي، فالعالم الشرير لن يتركنا وسيحوم بأرواحه في بلادنا، وكأن بلادنا ليست مسكونة بتلك العفاريت، زعزعة الاستقرار ستجلب الفوضى… إذن فليقدم استقرار الديكتاتور، وليقم ببعض الإصلاحات الشكلية، ليستقر فوق العرش، ويستقر الشعب تحته!! وما أروع الاستقرار!!

 

كما تأتي خديعة الاستقرار من القول الذي يبدو وجيهاً وعبقرياً، ذلك القول المنادي بالنظر للمشروع الكلي للأمة، فالمشروع الحضاري سيجهض لأن من تقيمه وتدعمه ديكتاتوريات ذرية بعضها من بعض، وعلى الشعوب أن تتحمل الظلم والحرمان، وتساوم على درجة الحرية، أي على النسبة التي تريد أن تتحقق بها إنسانيتها، نعم يكفي هذا الشعب 10% إنسان، فهو لا يحتاج إلى ثورة لأننا نريده مستقراً كي يدفع للمشروع أموالاً على حساب كرامته، وهذا يكفيه أن يعيش نصف إنسان، تكفيه 50% حرية لأنه يدعم المشروع الحضاري، وليكمل الباقي بأن يكون خروفاً أو ديكاً أو بطة أو قرداً، له كامل الحرية في أي صنف من الحيوانات يكمل به شخصيته.. لكن حذار أن يتشبه بالشعوب الحرة التي ثارت، فهؤلاء وضعهم مختلف… ترى… هل يُعقل أن تكون أدوات التحرير والاديان النبيلة هي ذاتها أدوات التذرع بإبقاء الاستبداد؟!

 

عن أي حضارة يتحدثون؟! وهل من يساومون على حق الإنسان في الكرامة والعدالة الكاملة يعلمون ابتداء ماذا يعني “إنسان”؟! أو يعون أسباب قيام الثورات الحالية التي أعاد الإنسان فيها تعريف نفسه؟!

 

لا يوجد استقرار إلا عندما يستقر الناس بشراً أسوياء، فالمدارس والمطاعم والشوارع مصممة لخدمة الإنسان، هل يُعقل أن يفتقد الناس استقرار الخدمات ولا يفتقدون أنفسهم؟! هذه الخدمات صممت لخدمة الإنسان، فماذا لو ضاع الإنسان؟!

 

لا عذر لشعب يرضى أن تمتهن آدميته أو يساوم على حقوقه الكاملة كإنسان، وإن خوفوك بالفوضى فاعلم أن الفوضى متحققة، وأنهم هم من صنعوها حين قلبوا الموازين، لست أنت من صنع المظالم التي زعزعت استقرار أوضاع هم من أوجدوها، إن كنت لا تشعر أنك تعيش في فوضى وتخشى من ضياع الاستقرار فانظر في المرآة..

وانظر كم تركوا لك من بقايا الإنسان… اختبر قدرتك على الكلام، على التفكير، على البوح بما تحس أمام ملأ كبير دون أن تلتفت… اختبر قدرتك على الهتاف بما تؤمن به… هل شعرت الآن بالاستقرار؟! انظر مرة أخرى، حينها ستعلم لماذا لا تشعر بالفوضى وتتوهم أنك مستقر!! لأنك بقايا إنسان… وآن أن تستعيد ما سلبوه منك!!

 

ليست الشعوب في خيار بين الاستبداد والفوضى، لأن بإمكانها أن تفوز بالحرية، كما أنها ليست في خيار بين دعم مشروع ديني او مقاوم  أو الاستبداد لأن من رضي أن يعيش نصف إنسان أو ربعه بحاجة إلى من يدعمه هو!! وتحرير الأوطان من المستبد لا يقل أهمية عن تحريرها من المحتل، فكلاهما يغتال الإنسان.