د .زهير السراج * مرة أخرى اجد نفسى اعود الى الخطاب اللغز لعمر البشير رئيس حزب المؤتمر الوطنى الذى لم يحمل فى طياته سوى احلام مراهقة سياسية رغم كل السنوات التى حكم فيها الحزب المسمى بالمؤتمر الوطنى الذى جثم على صدر الشعب طيلة ربع قرن من الزمان،.

نهب فيها ثروات البلاد وبدد وحدتها واهدر أمنها  وأضاع ثرواتها ودمر مشاريعها القومية الكبرى وعاث فيها فسادا وإفسادا .. ورغم كل ذلك لا يزال يتمتع بحماس كبير للحكم والمزيد من التخريب

* لا يعنينى الخطاب فى شئ، ولا تعليق لى عليه وتكفى عشرات الالاف من التعليقات الساخرة للسودانيين وغيرهم فى مختلف بقاع الارض لوصف مدى هزالته وتعاسته  !!

* ما يهمنى هو السقطة الكبيرة لعدد من كبار الكتاب الصحفيين الذين شرعوا أقلامهم لتسطير توقعاتهم التى سيحملها الخطاب وتسويقها لجماهيرهم بناءا على خديعة كبرى من بعض قادة حزب المؤتمر الوطنى او من يعتقدون (او يعتقدهم البعض) انهم قادة فى الحزب الحاكم الذين يفترض ان يكونوا على دراية بما يحدث داخل اروقة الحكم او على الاقل بما يحدث داخل الحزب وما سيحمله خطاب رئيسه من معلومات باعتباره خطاب الحزب للامة والدليل ان الخطاب ألقى على جماهير الشعب تحت لافتة الحزب وليس لافتة رئاسة الجمهورية ، ثم اتضح انهم لا يعلمون شيئا وانهم مجرد قطع اكسسوار حزبية يضعها البشير فى المكان الذى يحب وقتما يحب والدليل على ذلك ان كثيرين من هؤلاء القادة خرجوا على الناس قبل إلقاء الخطاب بالزعم انه سيحمل مفاجئات مهمة وكبيرة وهيئوا الرأى العام لذلك، ثم اتضح ان كل ما زعموه هراء فى هراء مما يؤكد انهم بعيدون تماما عن موقع الحدث الذى يسيطر عليه شخص واحد فقط هو البشير وان الباقين مجرد ديكورات او بالأحرى قطع اكسسوارات فقط، وليس أكثر من ذلك.

* اما الكُتاب الذين انخدعوا بالاحاديث المنمقة لمن يعتقدون انهم قادة او من يعتقدهم الناس كذلك، فقد شرع بعضهم يتوقع ويسوّق ان الرئيس سوف يستقيل ويولى من يحكم نيابة عنه حتى موعد الانتخابات القادمة، والبعض الآخر يقول ان الرئيس سوف يحل الحكومة ويكون حكومة قومية انتقالية، وفئة ثالثة يتزعمها كاتب اخوانى تقول ان البشير سيعلن عن حل المجلس الانتقالى وتكوين لجنة لكتابة الدستور .. الى آخر هذه الترهات التى تدل على ان هؤلاء الذين يخرجون علينا كل صباح بتحليلاتهم وتوقعاتهم وآرائهم التى يتهافت عليها القراء ليسوا سوى عشاق حالمين ومراهقين صغار فى عالم الكتابة الصحفية وليسوا كما يعتقدون انفسهم او المخدوعون فيهم ..! 

* لقد كنت استغرب عندما اقرأ تلك التحليلات واقول لنفسى، ولقد قلت ذلك باختصار فى مقال سابق، كيف يتوقع صحفى ذو خبرة محدودة وليس كبيرة ان يسعى البشير لوضع حلول لمشاكل البلاد السياسية والاقتصادية بجميع  انواعها بينما هو يقوم بتشكيل حكومة جديدة ذات طابع امنى وعسكرى بحت قبل اسابيع قليلة، ويلجأ الى حل سهل لحل الازمة الاقتصادية الطاحنة التى تضرب البلاد او ما يعتقد انه الحل وهو زيادة العبأ على الجماهير المغلوبة بزيادة الاسعار، ويقوم بتصعيد الحرب واستخدام مرتزقة اجانب من دولتى النيجر ومالى لمحاولة حسم، او ما كان يحلم به، التمرد فى كردفان ودارفور فتلقى مرتزقته هزائم ضخمة وتحولوا الى عصابات نهب مسلح فى مناطق الحروب تزيد معاناة المدنيين العزل فى تلك البقاع العزيزة من الوطن، ويغلق الصحف ويكمم الافواه ويفرض الشروط الصعبة والمجحفة لاعادة اصدارها واطلاق سراح الاقلام الموقوفة واحدها قلم صاحب هذا المقال الذى اشترط جهاز الامن على صحيفته (الجريدة) ان يتوقف الكاتب عن الكتابة فى المواقع الالكترونية كأحد الشروط لاطلاق سراح قلمه والسماح له بالعودة للكتابة فى الصحف السودانية مرة أخرى، وعندما رفض الكاتب ونشرت الصحيفة فى نفس الوقت بعض التحقيقات عن الفساد كانت العقوبة اغلاق الصحيفة نفسها فى صبيحة نفس اليوم الذى كان البشير سيلقى الخطاب فى امسيته 

* كيف كان من الممكن وسط  كل هذه الاجواء القاتمة والسياسات والاجراءات القمعية والتعسفية واستمرار موجات الفساد العاتية فى البلد ان يتوقع صحفى مبتدئ دعك من صحفى خبير قضى سنوات طويلة فى العمل الصحفى، ان يقوم الرئيس بالاستقالة خاصة مع مطاردة المحكمة الجنائية له مما يعنى انه سيضع نفسه فى العراء بدون غطاء من مطاردة المحكمة، او  يقوم بتشكيل حكومة قومية او يكوّن لجنة من خصوم سياسيين لكتابة الدستور بينما هو يفرض المزيد من القيود على الحريات السياسية والصحفية ويغلق المنابر الصحفية ويضيق الخناق على المنابر السياسية ويقوم بتشكيل حكومة ذات طابع امنى وعسكرى لاحكام قبضته على السلطة فى البلاد ؟! 

* لقد ثبت بما لا يدع مجالا للشك ان السقوط المدوى الأخير لم يكن من نصيب المؤتمر الوطنى فقط، او قادته الواهمين بأنهم اصحاب سلطة، ولكنه كان سقوطا كبيرا لكل من كان يظن نفسه كاتبا صحفيا او محللا سياسيا خطيرا يلم ببواطن الامور ويعرف كيف يطرح ويجمع ويخرج على الناس بتحليلاته الخطيرة التى لا تساوى ما كتبت به من حبر رخيص ..!! 

* ببساطة شديدة وبدون تحليلات وتوقعات ووجع راس .. البلد يحكمها ويتحكم فيها شخص واحد فقط، وهو لن يتخلى ابدا عن السلطة فى يوم من الايام، ومن يشكك فى ذلك عليه ان يعيد حساباته بناءا على المعطيات الموجودة على ارض الواقع وليس بالاعتماد على الآمال والاحلام.

* اما الباقون سواء كانوا قادة فى حزب المؤتمر الوطنى او فى احزاب اخرى او سياسيين او كتاب صحفيين من شاكلة الذين كانوا يسوقون الاحلام والتوقعات والمفاجئات فهم مجرد كومبارس لا حول لهم ولا قوة ولا يفقهون شيئا والدليل هو المفاجأة التى روجوا لها او انتظروها فخاب ظنهم .. لو كنت احد هؤلاء لما خرجت على الناس برأى او خبر او تحليل بعد ذلك اليوم، ولكن ليس غريبا ان يستمروا فى اماكنهم ويتشبثون بها ككل انتهازى آخر فى بلدنا .. فالسيف عند جبانه والمال عند سارقه وبخيله  !!