خط الاستواء  عبد الله الشيخ الحكمة التي يؤمن بها محمد الحسن تاجر الخُدرة في كمبو المحالج ، هي إنو الحكومة ما بتنقدر والدنيا ما بتتلحق، لكنه يتمسك بالصمود في وجه محن الزمان، ويضيف من عنده عبارة واحدة كدليل على ذلك الإصرار قائلاً:ــ  " صحي الدنيا ما بتتلحق، والحكومة ما بتنقدر، لكن بنكابسا "..!

 يبدأ محمد الحسن يومه في السوق، يبيع الخُدرة، حتى إذا دقت ساعة العاشرة لملم ” الحصالة ” ، وقال لابنه عطية، الذي هو أشهر فاقد تربوي في ولاية الجزيرة :ــ ” يا سجم، أنا مشيت ، قبل ما تجي أمك المنعولة دي وتقول دايرة العداد.. يا سجم الرماد ، بيع باقي الخُدرة دي،  ومَصْرِفْ أُمك  لحدي ما نشوف بكرة حيحصل شنو فى البلد دي “..!

هناك ، في ” بيت الزينة ” ، يتقرفص محمد الحسن، يَفْطُر  بــ ” الجردل والقَطَّاع “، بعد أن يكيل عاطر الثناء على ست البيت وعازفاً لحنه القرمزي على ذاك المذاق .. يقول لها مراراً وتكراراً : ــ ” أمان الله.. إنتى أهلك لو ما سموك الزينة، ما كان حيلقوا ليكى إسم “..!  

ثم أنه بين الفينة والأُخرى يعيد حكمته الشهيرة ” الدنيا ما بتتلحق ، والحكومة ما بتنقدر ، لكن بنكابسا “..!

بهذه الطريقة فى معافرة الحياة،  تمكن ود الحسن من تشكيل قاعدة جماهيرية كبيرة في بيت الزينة ، و بالرغم من أنه يعيد ذات الحكايات كل يوم، إلا أنّ جماهيره في بيت الزينة كانت تستعذب تكرار الحكايات التى تلبس كل يوم في ثوباً جديداً من ” نكهة العيش الفاير” ..!  كان ود الحسن، قبل أن يتمجلس، يمسح وجوه الحضور ليرى ما إذا كان بين الجمع غريب، أو أي ” لَغَمْ ، من الألغام  الوطنية ” ،  ليبدأ حكاية كل يوم في صيغة  تستوعب تطورات الاحداث السياسية الجارية.. انها حكاية واحدة يقولها ألف مرة بلغة  متجددة.. كان يتكئ على شِعبة بيت الزينة ويقول:ــ ” حكومة نميري كانت بتسوي حاجاتا عينك عينك ،،  أنا شفتهم نشفوا البلد من ريحة الشيئ البشربوهو.. لكن ديل..؟ أنا ما عارف ديل دايرين مننا شنو..؟  ياخي ديل شايلين الحاجات في عرباتهم الحايمة دي ، يكركعوا ساااااي والناس عطشانين “..!؟

 ويخرج ود الحسن من مثل هذه الحكاية إلى حكاية أخرى فيقول: ــ ”  زمن نميري،  أنا وحماري ده شاهد على الحاصل .. أنا كنت بقسم الحصالة للمرا.. هسي بقيت أجيب معاي الحصالة كلها وما بتكفيني حق فكة الريق “..!

 ويخرج ود الحسن بالمقارنة بين الماضي والحاضر ، فيقول مستشهداً بحماره :ــ ” زمن نميري ، أنا وحماري ده شاهد،، مافي يوم من ذات الأيام وقعنا أو وِحلنا في الطين.. كان الدرب مفتوح عديل.. الناس ديل متخصصين سدود وكباري والواحد ما قادر يمشي مشوار واحد فى الشارع العام “..!  

وهكذا يذهب محمد الحسن الى تفنيد المشروع الحضاري بنداً بنداً، و في جلسة واحدة..! ويؤكد في نهاية المرافعة أن ” القصة دي نهايتها قريبة جداً “..!  يقول ود الحسن :ــ ” الناس ديل انتهوا خلاص ، الناس ديل مستقبلهم زي مستقبل ولدي عطية دا “..! و يدعو ود الحسن جماهيره من داخل بيت الزينة إلى مشاركته هذا الرأي متسائلاً :ـ ” تعرفوا حاجة اسمها الفاقد التربوي “..! هكذا يمضي يوم ود الحسن.. و في عصراً متأخر يخرج محمد الحسن من بيت الزينة آخذاً طريقة ناحية اليسار ، منحدراً على جانب الكنار، فيدخل إلى بيته ، فتستقبله زوجته بالموال المعروف..! هذا باختصار هو يوم ود الحسن، يبدأ  فى الضحى ببيع الخدرة، و ينتهي فى المقيل بسرد حكايات مايو في آخر الزمان ، ويختتم يومه مكتفياً بالاشارة الى ابنه عطية ، ” الفاقد التربوي “،،  وبين هذا وذاك يردد :ــ ” الحكومة ما بتنقدر، و الدنيا ما بتتلحق، لكن بنكابسا “..!

 في يوم من ذات الايام دخل على بيت الزينة زائر غريب ، يبدو أنه أحد الألغام ” الوطنية ” ، جلس ذلك  ” اللَغَمْ ” واستمع إلى مرافعات محمد الحسن ضد المشروع الحضاري منذ العاشرة وحتى زوال الشمس عن كبد السماء…. وقبل أن يصل ود الحسن إلى ختام الحلقة باشارته الى  ” الفاقد التربوي ”  داهمه الزائر الغريب بسؤال: ــ ” أنت يا محمد الحسن طوالي كدي ” ..؟ رد ود الحسن على السؤال المفاجئ قائلاً : ــ ”  نحن طوالى مدورين كده..  و نحن عارفين الحكومة ما بتنقدر، لكن بنكابسا بنكابسا “..!

 أردف الزائر الغريب سؤاله لود الحسن بسؤال آخر : ــ ” تكابسا كيف وأنت راكب فيل “..؟؟  هنا ــ فقط ــ خرج ود الحسن على سيناريو حكاياته الشفيفة وقال للزائر الغريب بعد أن أسند ظهره للحائط : ــ ” شوف يا زول هووي، أنا راكب فيل بقروش حلال ، مش بي قروش …… ” ..!!