خالد فضل عندما أكمل رئيس حزب المؤتمر الوطني تلاوة خطابه أمام مجموعة من أتباعه وبعض قيادات جزء من الأحزاب والقوى السياسية السودانية مساء الإثنين27ينائر2014م بقاعة الصداقة بالخرطوم, طافت على خاطري رواية لسليم بركات,

كنت قد قرأتها قبل سنوات عنوانها الإفادات التي نسيها “م م ازاد” في رحلته الى هناك أو: الريش. الشاهد أنني بالحق قد قرأت تلك الرواية مرة من أولها لآخرها فلم أفهم شيئا ثم قرأتها بالعكس من آخرها لأولها فلم يثبت منها شيء في عقلي سوى العنوان فتركتها وانصرفت عنها متهما عقلي تارة بالضمور ومتهما الرواية تارة أخرى بالغموض والإبهام حد خروجها عن قواعد الفصاحة والبلاغة في اللغة العربية. وهكذا يمكن قراءة خطاب مشير بشير(م ب) ذاك وقبلا ثمة ملاحظات شكلية ذات دلالات على المضمون.

من تلك الملاحظات تأخر دخول البشير الى القاعة وتنقل البث التلفزيوني ما بين القاعة والاستوديوهات الرئيسة لحوالي اربع مرات من ما يعني ألا أحد كان على يقين من موعد دخول الرئيس وبداية الخطاب وهذا يقود لتساؤل عما إذا كان ما تلاه البشير كان هو ذات الخطاب المفترض أم أن هناك ما تم وراء الكواليس أدى لتغيير الخطاب في اللحظات الأخيرة ؟ ولهذا تأخر الرئيس تلك الدقائق . وقد لحظ كل من تابع الخطاب أن البشير لم يكن في الحالة المعتادة التي ألفه الناس عليها طيلة ربع القرن من سيطرته على موقع الرئيس , فقد كان مضطربا لدرجة القراءة الخطأ وتكرار الأخطاء بصورة مزعجة وهو أمر غير معتاد فيه فحتى خطاباته المرتجلة المليئة بالهرجلة , البعيدة عن الحصافة والوعي قد ينتقد الناس مضمونها بالفعل ولكنه يلقيها بثبات عكس خطابه الأخير هذا، والذي يبدو أنه لم يطلع عليه الا في لحظة تلاوته، فما الذي حدث وراء الكواليس؟ كما أنه في لحظة دخول القاعة كان كمن يجبر على الدخول فلم يحيي الحضور بطريقته الحميمة التي اشتهر بها في مثل هذه اللمات , فهو أي البشير، على الصعيد الإجتماعي وتبادل التحايا، يبدو مثله مثل غالبية السودانيين في حميميتهم، ولكن في يوم الوثبة ذاك لم يكن على سجيته والله أعلم. نقطة أخرى أن الخطاب ألقي تحت لافتة المؤتمر الوطني من ما يعني أن المشير البشير قد خاطب الناس كل الناس (كما قال) بعباءة الحزب، وليس من كرسي الرئاسة، وهذا يضعف من قيمة وأهمية الخطاب حتى إذا كان مفهوما وواضحا وصريحا في مخاطبة القضايا الأساسية للشعب , فهناك اختلاف اصلا حول حزب المؤتمر الوطني منذ نشأته إذ هو حزب صنعته السلطة وبقاؤه مرهون ببقائها إسوة بالإتحاد الإشتراكي المايوي والوطني الديمقراطي المصري الذي تلاشى بزوال سلطة مبارك , بل حتى الاسم نفسه تم اغتصابه من حزب طبيعي آخر كان يحمل ذات الاسم على أيام آخر حقبة ديمقراطية تعددية شهدها السودان وانهاها انقلاب البشير الترابي في 1989م. كذلك من الملاحظات أن الوجوه السياسية التي تم دعوتها يمكن الزعم باطمئنان أنها تمثل السودان القديم أي سودان الهيمنة العربية الاسلامية, فجميع الحضور كانوا يمثلون ذات المشروع باستثناء د. منصور خالد الذي انتمى الى مشروع السودان الجديد، وبذل جهدا فكريا وسياسيا معتبرا في الذود عنه, وخلاصة ذلك المشروع هو ضرورة بناء السودان على أرضية حقائق التاريخ والسكان وليس على إنتحال أو إدعاء لاحق، أي بناء السودان على أسس المواطنة بكامل حقوقها وتحرير المفاهيم من عقد الاستعلاء وأوهام التفوق وامتلاك الحق الأزلي مع غمط حقوق الآخر في أن يكون آخرا في العرق والمعتقد والثقافة .

لماذا قلنا أن الخطاب جاء غامضا ؟ ولماذا يمكن اعتبار خلاصته (نطة) وليس وثبة كما زعم الخطاب . فقد حمل الخطاب أربعة عناوين هي السلام والحياة السياسية والوضع الاقتصادي والهوية الوطنية. وفي كل محور من هذه المحاور لم يقدم الخطاب الإفادات الواضحة والدقيقة حولها . ورغم أن هذه الأجندة أو المحاور هي ما ظلت تشكل بالفعل أهم نقاط الخلاف والصراع السوداني بل هي المحاور التي دارت حولها الحروب الأهلية الطاحنة وفقدت بسببها ملايين الأرواح السودانية وعذب لأجلها ملايين البشر مباشرة أو بصورة غير مباشرة , وانهار بنيان البلاد وتماسكها الجغرافي والأنساني ودمرت بنياتها التحتية على ضآلتها أساسا بموجب الصراع حول هذه الأجندة ولكن رغم ذلك لم يقدم المشير البشير جديدا حولها ولم يشف أدنى درجات التوقع حولها كأنه نسى الإفادات المهمة هناك كما فعل ( م م أزاد في رحلته الى هناك).

فالسلام الذي تحدث عنه رئيس المؤتمر الوطني في صحيفة اصلاحه الحزبي لا يتحقق الا عبر تفاوض جاد مع حملة السلاح قبل إلقاء سلاحهم إذ أن إلقاء السلاح والإنخراط في الحياة السياسية المدنية يأتي تاليا وليس سابقا كما هو مفهوم ولا يحتاج الأمر الى فهامة, فما هي مطالب من يحملون السلاح الآن لمقاومة هيمنة المؤتمر الوطني ؟ ما هو الطرح المثمر الذي قدمه المشير البشير في خطابه أمام الحضور من كاره الثقافي والإثني والعقائدي الغالب ؟ وباستثناء منصور خالد لقلنا كاره الفكري على اختلاف اللافتات السياسية التي يرفعها المدعوون فقد اختفى عن مشهد الحاضرين مثلا الحزب الشيوعي والناصري والبعث وحق أو ما يمكن وصفه باليسار السوداني عموما فهل يتحقق السلام عبر اصطفاف قوى الهوية العرواسلامية؟ في مواجهة تيارات الدعوة للعدالة والإنصاف لغير العرب والمسلمين كما للعرب والمسلمين المهمشين كلهم أي كيف يرجو المشير السلام والوقائع والشواهد تؤكد تمدد الحرب على أسس الهوية وما الاستعانة بالجنجويد وحرق القرى والنازحين والقتلى واللاجئين ومنحدراتهم الإثنية الا دلائل على ذلك . وما تمدد الصراع الى القبائل والمجموعات العربية المهمشة نفسها الا دليل آخر على الاستهداف لكل المهمشين ليظلوا في شغل عن مهمة الكفاح لإزالة الغبن والتهميش الذي فيه يعمهون, فما هو مشروع السلام الصادر عن المؤتمر الوطني لمخاطبة جذور الصراع ؟ وبين يدينا اتفاقية نيفاشا التي فتحت الباب أمام معالجة كافة قضايا البلاد ويمكن بتطويرها قليلا وتنفيذ بنودها المتعلقة بهيكلة الدولة السودانية وإكمال ما نصت عليه أن توفر مادة خصبة للتفاوض الوطني والحوار الجاد , أما تمني حلول السلام بخطاب مفاجأة فهذا هروب واضح و”نطة” حقيقية عن سداد ثمن الحلول الفعلية , وهناك مسألة المحاسبة عن جرائم حقيقية وليست إدعاءات غربية وصهيونية مغرضة كيف يتم تحقيق السلام بدون انجازها ؟ كيف يتحقق السلام بدعوة خجولة للحوار فهل يعقل أن يأتي عبدالواحد محمد النور ليشارك البشير في حياته السياسية المزعومة وقرى أهله محروقة ونساء دارفور مغتصبات وملايين شعبه تضمها المعسكرات وتأويها المنظمات وتغيثها الموسسات الدولية وتحرسها الفيالق الأممية؟ هل سيأتي مالك عقار عفو الخاطر وقد تم اقصاؤه عنفا ودكت دياره بما فيها المركز الثقافي الذي أسسه كوسيلة لإحقاق حقوق كل ثقافات النيل الأزرق في التعبير ؟ وهل يأتي الحلو الذي حاز على وسام الإنجاز السياسي من المشير البشير قبل بضعة أسابيع من إشعال النار في ولايته وإحراق شعرة السلام الإجتماعي بتفتيت الجبال وإستمالة من في نفسه ضعف عن المضي في سكة النضال الشاقة لتحقيق حق الناس في أن يكونوا كما يريدون وليس وفق ما يريد البشير الذي يبشر في القضارف بإنتهاء الدغمسة التي عنده هو واقع التعددية السودانية, أو ليس دعوة البشير لصعود الجبال والكراكير بالحصان والبندقية سوى دعوة إبادة وتطهير إثني ؟ فما الجديد الذي قالته المفاجأة الخطابية لرئيس المؤتمر الوطني وهو يحدث ناسه عن السلام ؟ ولأن بقية المحاور مرتبطة بالمحور الأول فسنعود في مقال لاحق (إن شاء الله) لنر إن كان هناك ما يفيد في خطة التمكين والاصطفاف الجديد ولنر إن كان هناك جديد حول الحياة السياسية الحرة وانقاذ الاقتصاد من وهدة الانهيار الراهن وعن الهوية فحدث ولا حرج .