اماني ابوسليم عد الي الوراء و انظر الي السودان حتي نهاية الثمانينات، كنا كشعب نعرف ما نتطلع اليه و ما نتمناه لأنفسنا و بلادنا. فجأة اصبحنا لا نعرف، اُخذنا علي حين غرة، فتاه منَا طموحنا. و كنا و منذ ايام الاستعمار نعرف ما نريد، نمر فوق الحواجز و نحطم العقبات، و لكن حدث الذهول،

و استغل الاحباط الظرف و جاب في ودياننا، تهنا عمَا كنا نطمح اليه، و استفادوا من ذهولنا و احباطنا، فماذا فعلوا:

غيَروا المعالم في انحاء البلاد و تاريخها، صبغوا الرموز بصبغتهم ، جعلوا رائحتهم تطغي علي رائحتنا ، و كلما ظننا انَا نسير الي الهدف نكتشف انَا تهنا عنه لأن معْلما قد اختفي و جديد مزيف كان قد لاح. كنا نعرف بعضنا من علي البعد، تعَرفُنا رائحتنا، فطغت رائحتهم فتهنا عن بعضنا. في توهاننا نزفنا بشرا، من هاجر الي الخارج للبحث عن فرص احسن، و من هاجر في الداخل الي لا شئ. نزفنا الهاربين الذين تحدثنا عنهم سابقا، و هم علي الاقل لا زالوا يتوخون الحلال من الحرام و ان فضلوا الانسحاب من الحياة العامة، و لكن انظر الي نوع اَخر، جعلنا ننزف بشرا و نخسر وزننا قيَما و يكبر جرحنا ملتهبا.

في تعمدهم ان نتوه و لا نحقق طموحنا، وسوسوا لبعض منَا، و زينوا لهم الفساد والنهب من المال العام و للتشجيع و نشر الفساد عطلوا دولاب المحاسبة في مواجهة المفسدين. منَا للاسف من ضعف و تلطخت يداه بوحل الكسب الحرام، نوع منتشر كما الامراض، تجده ليخفي يده الملطخة، يمثل علي نفسه قبلنا، نوع بغيض و لكنه تائه.انقسم الناس في المرافق الحكومية و مستحدثاتها من الشركات الخاصة الي (ابوالقاسم) و (عامل نايم) و قبل ان يفتح الباقون افواههم كانوا في الشارع. من هذا النوع من غرق في الوحل و صعب ان يشعر بما هو فيه، و منهم من لا زال يحن للجماعة و الطموحات القديمة، يحن للصدق و للحلال، تجده متنازعا يحكي عن الفساد بصوت منخفض و يخشي ان يعلِي منه، لأن الشيطان في كل خطوة من اغوائه كان يتأكد ان صاحبنا كان يبني بيته من زجاج.

نزيد نزفا كل يوم، الصحف تطالعنا باخبار غريبة عنَا، جرائم، مخدرات، اغتصاب، الفاظ غريبة، فنتلفت متسائلين، هل هذه الاخبار عنَا، ما الذي حدث لنا. حتي حين نفرح نسمع غناءنا و نندهش، هل هذا غناؤنا.

استطاعوا ان يشتتوا جَمعتنا، بتنا فريقا تاه عن بعضه و عن تاريخه في الملاعب، عن قدوته و كبار قادته، لا كابتن و لا مدرب، لا تمرين، لا خطة، لا هدف، هل لمثل هذا الفريق ان ينجح في مباراة. هل ما وصلنا اليه كان صدفة؟ ام كان متعمدا، كلما ضعفنا كلما زادوا في تمكين انفسهم، فالمرض لا ينتشر الَا في الجسم الضعيف فتعمدوا ان ( يمرضونا)، و لا يُتحكم في مصيره الَا اذا أفرِغ من كل امكانية للمقاومة، واذ كنا نقاوم بكرامتنا و عزتنا و وحدتنا و عقلانيتنا في الصعاب، توهونا عنهم، و جعلونا ننظر الي السودان علي انه جحيم، بلد طارد، لا يسعنا العيش فيه، نحس فيه بالمهانة و الذل و العوز و الحاجة، نصغر حين تكبر الدول الاخري، عمونا عن الوطنية، جعلونا لا نثق في انفسنا، و حين نلعن، نلعن بلادنا. كم نجحوا في ذلك، كم ضحكوا منَا و سخروا و نحن نسير بارجلنا الي المصير الذي رسموه لنا، ان نُقتلع من جذورنا و تاريخنا و قيَمنا و وطنيتنا و ان نزرع او الاصح ندفن في التربة التي ارادوها لنا. كم تنازلنا عن عافيتنا لصالحهم، كم هدفا احرزنا لصالحهم في مرمانا.

علينا ان نبحث عن بعضنا، ان نعرف المعالم الجديدة التي ستُجَمعنا، ان نعرف انه اصبحت لنا رائحة جديدة، اقوي من التي تبخر جلها لأن التجارب تقويَ ان وعيناها و لأن اجيالا واعدة قد سرت في دمائنا. الطريق الي الهدف العام، و استعادة الطموح، و الجدية في النضال من اجل بلد احسن و اوضاع اعدل يبدأ بمراجعة انفسنا، من بقوا و من تاهوا او هربوا او تلطخوا. و اعتقد ان الطريق يبدأ بأن نتوقف عن رفض الحال فقط، فما يدفع للامام ليس الرفض و انما رسم ما نريد و العمل علي تحقيق ما نعزم ان نكونه في المستقبل. علينا ان ننسي الاشكال القديمة و الاطروحات التي بلت في العمل العام و التنظيم و بناء المجتمع فالمعالم الجديدة و ما زدناه من خبرة بعد تجربة التوهان و تلاحق الاجيال و المعارف الحديثة، يفتح طريقا لطموحات جديدة و اَمال ممكن تحقيقها، و الثروة التي يجب استعادتها اولا ليست ثروات الارض التي مكَنوا لانفسهم بها ماديا، بل هي الثروة الأغلي، قيَمنا و اخلاقنا و ثقتنا في انفسنا و روحنا السودانية التي ساعدنا علي اضعافها، ان اعدناها، عادت في معيتها الثروات الاخري. بالمناسبة من لطف الله انَا تهنا و التوهان غير الضياع.

يصبح السؤال: كيف نغذي الطموح، و كيف نمشي للاهداف، و الأهم كيف نكتشف مقدراتنا علي فعل ذلك.