يعاني سكان مدينة الأبيض وبشكل متكرر من اعتداءات مروعة على أرواحهم وأعراضهم  وممتلكاتهم، تقوم بها مليشيا الجنجويد، وقد كثرت هذه الاعتداءات في الآونة الأخيرة بسبب انسحاب هذه المليشيات بعد هزيمتها في معارك بجنوب كردفان،

فجاءت الى شمال كردفان ورفضت تسليم أسلحتها للمنطقة العسكرية وسبق ان حاصرت مدينة الأبيض قبل شهر من الآن مطالبة والي شمال كردفان أحمد هارون الممسك بملف الجنجويد بأن يدفع لأفراد المليشيا استحقاقاتهم المالية مقابل(جهادهم) في جنوب كردفان، ولأن الدفع تأخر انخرطت هذه المليشيات في ما اعتادت عليه من أعمال القتل والاغتصاب والسلب والنهب، وآخرها اقتحام احد الأسواق الطرفية بالمدينة واطلاق النار بشكل عشوائي أدي لمقتل وجرح عدد من المواطنين ثم نهب السوق بالكامل، وقد سبق هذا الحدث عدة احداث شبيهة خلال الشهر الماضي، تم فيها أيضا قتل واغتصاب ونهب. ان ما يفعله الجنجويد من فظائع ليس جديدا، فهو مواصلة لما فعلوه في دارفور متحالفين مع نظام المؤتمر الوطني، ولكن الجديد هو النمو السرطاني لمليشيات الجنجويد ونمو أطماعهم في كسب المال بالسلاح وجرأتهم على تحدي نظام المؤتمر الوطني الذي صنعهم،  بعد تأكدهم من أنه نظام ضعيف ومأزوم  ويحتاج إليهم في الدفاع عن نفسه، لذلك ستظل هذه المليشيات التي تم استيعاب بعضها في الجيش تحت مسمى (حرس الحدود) والبعض الآخر في الشرطة والبعض الآخر في الدفاع الشعبي، ستظل مشكلة أمنية خطيرة للسودان، وسوف تتفاقم مع استمرار هذا النظام في السلطة لأنه وبرغم مسئوليته المباشرة عن صناعتها لن يستطيع التحكم فيها، وسوف يخضع لابتزازها ويدفع لها ما تريد من مال الشعب السوداني الفقير، لان النظام ببساطة لن يجد احدا لخوض حروبه إلا هؤلاء المرتزقة، فالنظام  اصبح لا يثق لا في الجيش ولا في الشرطة، رغم انه عبر آلية التمكين والإحالة للصالح العام أعاد هيكلة هذه المؤسسات لصالح الحزب الحاكم، إلا انه وبسبب انقساماته الداخلية لم يعد يثق حتى في مؤسسات التمكين التي لا بد ان تكون انقسمت هي الاخرى تبعا لانقسامات أهل التمكين أنفسهم! هذا المشهد المأساوي من مشاهد الأزمة الشاملة في السودان بكل أسف لن  يجعل النظام  يعترف بأخطائه الاستراتيجية وعلى رأسها مغامرة تسليح مليشيات الجنجويد  بالشكل الفوضوي الذي تم وإطلاق يدها بلا حسيب او رقيب في المواطنين السودانيين، ومن ثم يتجه للحلول السياسية السياسية الشاملة والجذرية التي تنهي الحرب الأهلية في السودان، فبداهة ما زالت هناك نار مشتعلة في أجزاء واسعة من الوطن لا بد ان تزحف هذه النيران حتى تحرق الوطن بأسره، النظام ما زال عاجزا عن ادراك هذه البداهة،حيث طالعتنا في الشهر الماضي أنباء مضحكة مبكية عن ان والي شمال كردفان المطلوب لمحكمة الجنايات الدولية شكل لجنة لتقدير (مستحقات الجنجويد)! وأن شعار اللجنة هو (لو حي مستفيد ولو ميت شهيد)! إن الجنجويد وأمثالهم من المليشيات المسلحة معضلة كبيرة أمام السياسة السودانية بعد ان ينتزع مصير البلاد من هذا النظام، ولا بد من التفكير بعمق ومنذ الآن في كيفية التعامل معها عندما تقبل البلاد على تأسيس سلام مستدام.