(حلو الكلام).. خارطة طريق لمبدعي بلادي بقلم: عبدالغني كرم الله        استمع، دوما، بعمق، بل أستمتع، بقيام ليل مبارك،  لمسرات الإستماع، حين أصغي، لإذاعة "البيت السوداني"، في لقاءات كثر، أدارتها بحكنة بالغة، وموهبة فطرية، العزيزة لمياء متوكل، في برنامجها الشهير "حلو الكلام"، في الحادية عشر من ليلة كل سبت.

تلكم الليلة، التي تغني بها ابن البادية (عشية السبت)، كأنه يعرف سر تلكم السهرة الطيبة، قبل خلقها بعقود، لم لا؟ فالله أعلم بالسرائر، ولكن لم يبكي المساء عشية السبت، بل طال مبدعي بلادي، ونبض قلبهم العظيم، ونور عقولهم الوضيئة، حيثما كانوا، في ليلة ضحك المساء فيها، وابتسم بألف نجم تزخرف قبته الشاعرية.

       أتعجب، بفرح جاد، بأي موهبة، تدير رسن هذا اللقاءات، لتخوم الفرح الحقيقي؟ وكيف ترسل نور اسئلتها، لفجاج في خاطر الضيف، لا أظن أن هناك شمس طالتها من قبل؟ وأحسب هذ نعمة الجدل المبارك، والقريحة الحية، والحب لما يقال (ألم يقل شيخنا: المحبة تفتح البصيرة؟) فتوغلت بصيرتها، وببساطة، إلى بذر الخواطر، في أعماق بئر نفس المحاور.

       اسئلة ودودة، تثيرها فيني، حكاياتها في (حلو الكلام) وأي ملكة قدت فيها، وأي مثابرة، وطموح علق في سقف حلمها الأسمر، وأي جهد تبذله، في صنع ذلك الحوار، وإدارة دفته، كربان ماهر، في حواشي ممبدع، تشكل عبره جهده، وتراثه، ومزاجه، فتحس بمبدع في مرآة مبدع، مرآة صقيلة، يرى فيها نفس، فتطب كلماته، ويسوح فرحا، كأنه طفل يكتشف مجاهيل نفسه.

        كعادتها، في إعطاء الضيف بعض رقتها، وفهمها، وتوقيرها لما يقول، حين تكرمه “بالإصغاء إليه“، ذلكم الإصغاء الأعمق من “الاستماع”، حيث تكون الجوارح كلها، في حال تتمثل ما يقال، وتحاور ما يقال، وتلمس الحروف المنطوقة، كما يلمس الكفيف لغة برايل، وتستل منه، من نبع مشاعره وبحيرة وعيه القديم، الكثير، وأظن نعمة، بل فن “الإصغاء”، تعني فما تعني “عندك شئ، هام فقله“، وهنا مربط الفرس، لخلق حوار ذكي، مخضرم.

        للحق كل نفس بشرية تنطوي على سر” “أي نفس”، فيها أنطوى العالم الأكبر”، وقد نحسبها “جرم صغير”، كما صرح سلطان المعرفة، ابن العربي، وأصدقه، ولكن كيف نجد “المحاور السقراطي”، المؤمن بالتوليد، (من مخاض أي تجربة بشرية) المثير، المنير الخطر، كل فرد هو “حكاية بليغة”، ناهيك عن المبدعين، ويأتي التحدي في تحفيز (الكامن فيك)، كي يندلق في لبوس كلمات، ولسان يترجم ثراء فرد (نفخ فيه الروح الإلهي)، كبوق لا يكف عن الغناء، جاهده سبره بعميق الجدل.

       لقد من الله علينا، بها، ومن الله، على ليماء  بتلكم الشيمة الطيبة، (توليد الأجنة منك، وقد تجهلها أنت نفسك)، قابلة عظيمة، تستلها برفق، فنحمد الله لها، ولنا، بفرحة ميلاد فكرة، أو خاطرة، أو ذكرى (وهي أكرم الميلادات)، وكم تزخرف البال، بلقاءات طيبة، عرفتنا على عقول لنا، طيبة الفكر، وعلى قلوب، جائشة العاطفة، تغمرك بسكينتها، ولهذا خلق الإبداع، أن يخصب الحياة، وأن يندلق في الأثير الرخو، بدلا عن الغبار، وصراخ المدافع، وأنين المرضى، فصار الأثير عذبا، باشعار، وقصائد، وتجارب، وسير ذاتية، وحكايات، لعقول مبدعة، تضئ الليل كالنجوم، والقمر.

       كعادتها، أيضا، في رمي سنارتها في بحر عظيم، من مبدعي بلادي، تشعبت بهم دروب الحياة، واصقاع الأرض، وأحسب أننا أكثر الشعوب التي لا تعرف بعضها (وما الثورات الاقليمية، في الهامش) إلا تجلي لهذا الشأن المحزن، فمن تجهله، تبغضه، أو تهابه، وهو في حقيقته أصدق صديق لك، ولكنه الجهل، وثمنه العظيم، المؤذي.

       مثل هذا البرنامج، يسلط الضوء على رحابة عقول، عاشت بين الجبال في الانقسنا، وفي تلاثغ أمواج البحر الأحمر، وبين زئير العقول في غاب الفكر، وفي بطحاء البطانة،  على امتدد جمال بلادي المجهولة، فتخلق إخاء بين أخوة، فرقت بينهم المسافة، والإهمال، والجهل، فجاء حلو الكلام، بخيوط من فرح، خاط تلكم الثقوب، ورتق تلكم الجراح، والتجاهل (فمن جهل العزيز لا يعزه)، وما أعز بلادي، لو كان يعلمون، ولأول مرة، يضع السراج فوق المائدة، عبر حلو الكلام (ولا يوضع، بل يدس تحت السرير)، فنحرم من فوانيس عقول طيبة، تضئ حياتنا، وتخصبها.

       تعودنا صوتها، في الفجر، مع تغريد الطيور، وهي تحلق بتوكلها الصوفي في طلب الرزق، مشرعة أجنحتها الملونة في سماء بلدي، كما تعودنا صوتها في الضحى، مع صوت الطباشير وهي تحك جلد السبورة، كي ترسم  غد جميل في عقول الأطفال وقلوبهم،، وتعودنا صوتها في الليل، حين تفرش ملاءة النجوم حول عرش بلادي، قبة من جمال، وتحكي النجوم (نجوم السماء، ونجوم مبدعي، ومبدعات بلادي)، قصة وطن قديم، معتق، طيب المعشر، فالبرنامج (أي حلو الكلام)، يبث كالغيم، والضوء، في الحادية عشر، فتؤنسك كشهرزاد، كفاطمة المسحة، أيا كنت (راجل المسيد، لحاق بعيد)، في قرية  كنت، أو في الطابق العاشر، أو عنبر مستشفى، يصلك غرفها، عبر الأثير، وتسكرك بالخمر الحلال.

       تدخل البيوت، كما يدخل النسيم، مرحبا به، دون أذن، أو نقر باب، أليس النسيم أهلا؟ وخالا، وعما، وأما؟  تفرد في الدار أجنحة الفهم، والوعي،  وحال البلاد، ومآلها الطيب، حتى تزخرفت ذاكراتي بلقاءات كثر، عن الجنوب، عن عادات الهندندوة، عن قصة الرحيل الحزين لأهل حلفا، وللحق شعرت بأني قادر على كتابة تلكم القصة من خيالي، بما أثاره فيني المتحدث (بل لو نشر ذلك اللقاء في كتيب)، لفاق “الشبندورة”، تلكم الكتاب الوثيقة، عن ترحيل النوبة عن تخوم قراها وأُثارهم في صعيد مصر، بعيدا عن جنوب أسوان (حيث الموج طغى على الصحراء والمعابد، والآثار، والذكريات الحميمية، ودفن تحته القبور، اولئك الأحبة والجيران في باطن الأرض، كالجذور لشجرة الحياة، يرسلون ملامحهم في حفيد، ويعتد بمكارهم القصيد والخيال.

       أحسب، بل على يقين، أن  من تجري معه اللقاء، يشعر بأريحية، وبأنه يود أن يعترف بأدق اسراره، وهمومه، (مثل القديس قسطنين، أو بابكر بدري في كتابة حياتي)، لها تلكم “الملكة”، كأنك وحدك، وستبوح لنفسك، دون (مقص يقطع حبل تفكيرك، ويشتت أندلاق الخاطر العفوي فيك، فكل خاطرة تمسك بيد الأخرى فيك، حتى تتوغل “أنت نفسك”، فيك بشكل مثير وغريب، وتتعجب، من حديثك، وعمقه، وبساطته، وصدقه “أهذا أنا”)، عكس مذيعات كثر، يكدن لا يتابعن حديثك (بل مشغولات بقراءة السؤال التالي)، أو أظهار أنهن “عارفات” أو يتمادى الغرور بأنهن أذكى منك، وأروع، كشأن المذيع المغرور، فتصبح هي “بمكر، المذيعة”، بما يوحي بأنها عالمة، وفاهمة، ويضيع اللقاء، وتلكم (المقص، الذي قطع حبلك السري، بما يمور في دخيتلك). فيضيع ألق اللقاء، ولا يأتي بجديد، كشأن بعض مديري الحواري، كأننا ياسعد، لا رحنا، ولا جينا.

       لكن، ليماء شأن آخر، أظن تلكم سر بقاء، وتألق (حلو الحلام). أحسستها، في كل اللقاءات التي أجرتها، فهي تحثك (بل تحندكك)، كي يسيل لعاب فكرك، وشهوة استرسالك الخيالي، دونما ضفاف، بأريحيتها، ببسمتها، بتذوقها “المرسوم على اساريرها)، كل حرف تقوله، (أكرم محدثك بالإصغاء إليه)، وهي بلاشك تحترمك جدا
        بطول السماع، صارت أختا لنا، مثل علوية، ومحاسن، يهب، تألف أذنك صوتها  المعتق، الشهير، النقي، الملئ بالسمرة المحببة، المسربل بالحنين، والفطرة،  فصار للحوش بريق، وللأوض الطينية دفء وعطـر سوداني اصيل، تصغي له، في صحوها، وحلمها، كأنه صوت يتسلل من برندة الجيران، أو راكوبة الدار البعيدة، وليس من أثير أمدرمان، أو من مذياع على طربيزة خشبية، قرب الزير، ونقاطه الموزونه، صوت أخت، تكنس الدار، أو تعلق المشابك، وهي تتونس معك، ليس إلا.

       تسمع لغط الدار، حين يبث (حلو الكلام)، كل بطريقته، (يالله) وفيهم من يهز رأسه  (ياخي البت روعة والله)، وفيهم الحبوبة التي تقول (الله يخليك يابتي، دعاء من قلب طيب، مستجاب)، أليس هذا  هو التأمين الحقيقي، لعجوز تتوكل على الله، وعلى أغاني تحبها، تتخلل البرنامج، أو ذكريات ضيف جرت بها لطفولتها، أي الحبوبة المستعمة.

في فترة وجيزة صارت (حتى أغاني البرنامج، ناهيك عن المتحدث والمضيفة) موضع أعجاب، بعد أن كان الناس، قبلها يتحسرون على ماض الأغنية، والتراث السوداني، فأغلب فتيات التسعينات، صرن يرددن أغاني لبنان، وسوريا ومصر،والخليج، عبر فضائيات مغرية، تسوق الأغنية بالزي، والخصر، والساق الملساء، قبل “الأذن”، حتى أصابنا خوف، من أستلاب (شرقي)، وليس غربي، فنثرت في سماء السودان الطيبة، العريقة، أغاني سرور، والكاشف، وعثمان حسين، وحواء الطقطاقة، والساحرة الفلاتية، والعملاق وردي، وحياتهم، وسيرتهم، فكان ما كان، من ثقة  أعادت لماضينا العريق بعض حقه، ومن وجدان يصر على التوغل. على الغد الخلاق، ولكن (من لا ماض له، لا مستقبل له)، فالحاضر هو تفاعل الماضي مع المستقبل،  ومع مرور السنين، صار “حلو الكلام”، مدرسة معتقة، مفتوحة على كل الثقافات التي تزخرف اديم بلدي وسمائه الرحبة.
        هذه حكاية، عن فتاة، سودانية، نموذج للمرأة الطموحة، في ذلكم البيت، “البيت السوداني أف أم 100″، الفتاة السمراء، التي تفرش البيت وتزخرفه، وتبخره بصوتها، وتدعو الوطن بأسره “تفضلوا”، وتقدم لهم أشهى المأكولات الروحية، والفكرية، بطيب خاطر، وكرم محيا، يجعل من كل ضيف بطلا، وموضع حب في (حلو الكلام)، وتولد الاسئلة من حديث الضيف، بفطرة صافية، وتستل منه أجوبة بارعة، كما تستل الطبيعة، براعم الزهور الجميلة،  من البذور الصغيرة، المدفونة في أديم الحقول، هذه هي لمياء متوكل، فتاة مبدعة من فتيات بلادي العظيمة، تزخرف الأثير دوما، بعطاء رسالي مبارك، من أجل بلاد منورة بشموس العقول، وضياء القلوب.