محمّد جلال أحمد هاشم  الأحاديث قبل ابتناء الصّيغ الشّفاهيّة  (تتمّة) سنقوم بتحليل هذين النّصّين من جهتين؛ الجهة الأولى عدم تقيّد عليّ بن أبي طالب بحرفيّة لفظيّة عندما حكى هذه الواقعة مرّتين في سياقٍ واحد، وهذه هي طبيعة الأشياء عند البشر؛ فالمرء لا يتقيّد بنصّ بعينه لدى حكايته مرّة ثانية (أو ثالثة إلخ) واقعة بعينها حتّى لو كان ذلك في سياقٍ واحد، أي في نفس الوقت.

فما شددنا تحته في الاقتباسين يرينا أنّ النّصّيّة اللفظيّة لم تكن واردة لدى الصّحابة الأُول. وهذا لا نعزوه إلاّ إلى ديناميكيّة السّياق، فالنّصّيّة اللفظيّة تتحوّر وتتبدّل حتّى في مدارج السّياق الواحد، لكن ليس على حساب المعنى والدّلالة، بل محافظةً عليها وتكريساً لها. فأنت إذا حكيت واقعة مرّتين في وقتين مختلفين، تنحو بالطّبيعة إلى تأكيدها، ولكن بتنويعٍ وتجديدٍ في الألفاظ. ليس هذا فحسب، بل حتّى عندما تستعرض واقعةً مرّتين في وقتٍ واحد، أي بلا انقطاع زمني، فإنّك تنحو إلى تجديد العبارة والكلمة. هذا ما كان يحدث وما لا يزال يحدث إلى يومنا هذا وإلى يوم الدّين. ولكن عندما تتبلور متواترات الإفادات النّبويّة فتبتني لها حدوداً حكويّة، يتلمّسُها النّاس، أوّل ما يتلمّسون فيها، ومن ثمّ يجعلونها المحتكم من حيث اعتماد النّصّ من عدمه. وهذا هو البناء الفورميوليكي الذي نَبِهَ له ــــ فيمن نَبِه ــــ واضعو ومختلقو الأحاديث النّبويّة. ثمّ إنّ هذا الابتناء الفورميوليكي للأحاديث قد تبلور بدفعٍ قويّ من تيّار الأيديولوجيا الاجتماعيّة الآخذة برقاب الأحداث آنئذٍ، فتحوّلت بالتّالي إلى جنس فولكلوري كأيٍّ من الأجناس الفولكلوريّة الأخرى في جملة علاقات السّلطة.

أمّا الوجه الثّاني الذي سوف نقوم بتحليل النّصّ من خلاله، فهو النّظر في الإضافات التي أدخلها المؤلّف في متن النّصّ، وهي هنا ــــ تحديداً ــــ مقولة «صلّى الله عليه وسلّم»، التي من الواضح أنّه أدخلها جرياً مع عادة المسلمين المتأخّرين في توقيرهم للنّبيّ. وقد تنبّه المحقّق لهذا، فقام بوضع هذه الإضافات بين شارطتين، تمييزاً عن النّصّ الأصلي المحال إلى عليّ بن أبي طالب. ولعلّ من نافلة القول الإشارة إلى أنّ هذه القصّة قد وردت بعدّة روايات، وبتفاصيل مختلفة. من ذلك الرّواية الآتية: «دعا الرّسول عليّ بن أبي طالب ليكتب الصّلح، فقال: ‘اكتب بسم الله الرحمن الرحيم’، فقال سهيل بن عمرو: ‘لا أعرف هذا، ولكن اكتب: <باسمك اللهم>’، فكتبها علي. ثم قال رسول الله (ص): ‘اكتب: <هذا ما صالح عليه محمّدٌ، رسول الله، سهيل بن عمرو>’، فقال سهيل: ‘لو شهدت أنّك رسول الله، لم أقاتلك. ولكن اكتب اسمك واسم أبيك’، فقال رسول الله (ص): ‘اكتب: <هذا ما صالح عليه محمّدٌ بن عبد الله سهيلاً بن عمرو …> إلخ’». وجميع هذه الصّيغ صحيح ما دامت الدّلالة واحدة لم تتغيّر، وما دامت التّفاصيل لا تفعل شيئاً غير توكيد المعنى وتكريسه. ولكن هنا ينهض سؤال، ألا وهو: من أين لنا أن نعرف أنّ فروق الصّياغة الواردة في ذينك النّصّين المنسوبين إلى عليّ بن أبي طالب هي من اجتراح عليّ بن أبي طالب نفسه وليس من اجتراح القُصّاص؟ في الحقيقة لا يوجد فرق البتّة بين هذين الاحتمالين؛ فكيفما كان الأمر، سوف نخلص إلى أنّ القصّة الواحدة سوف يعتورها تغيير في إحداثيّات النّص بكثرة تردادها أكان ذلك التّرداد من الشّخص الأوّل (الذي صدرت عنه القصّة) أو كان من الشّخص الثّاني (الرّواي الأوّل) أو الثّالث (الرّاوي الثّاني) … إلخ.

كذلك تواتر في التّاريخ توجيه الرّسول لأصحابه بكتابة ما يصدر عنه في حال وقوفه خطيباً بين النّاس ليبيّن لهم حكماً من الأحكام. من ذلك ما أورده الخطيب البغدادي (2008: 106-7) في الرّواية الآتية:

(158) «أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمّد بن غالب الفقيه الخوارزمي، قال: قرأتُ على أبي العبّاس محمّد بن أحمد بن حمدان: حدّثكم تميم بن محمّد: حدّثنا أبو بكر بن خلاد: حدّثنا أبو سلمة بن عبد الرّحمن: حدّثنا أبو هريرة قال: لما فتح الله تعالى على رسوله (ص) مكّة، قام في النّاس فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: ‘إنّ الله ــــ تبارك وتعالى ــــ حبس عن مكّة الفيل وسلّط عليها رسولَه والمؤمنين، وإنّها لم تُحلَّ لأحدٍ كان قبلي، وإنّما أُحلّت لي ساعةً من النّهار، وإنّها لن تُحلّ لأحدٍ بعدي، فلا يُنَفّرْ صيدُها ولا يُختلى شوكُها، ولا تُحلُّ ساقطتُها إلاّ لمنشدٍ، ومن قُتل له قتيلٌ فهو بخير النّظرين: إمّا أن يُفدى، وإمّا أن يَقْتُلَ’. فقال العبّاس: ‘إلاّ الإذخرَ [عشب طيّب الرّائحة] يا رسول الله، فإنّا نجعله في قبورنا وبيوتنا’. فقال: ‘إلاّ الإذخر!’ فقام أبو شاهٍ ــــ رجل من اليمن ــــ فقال: ‘اكتبوا لي يا رسول الله!’ فقال رسول الله (ص): ‘اكتبوا لأبي شاهٍ’. قلتُ للأوزاعي: ‘ما قوله: <اكتبوا لي يا رسول الله>؟ قال: ‘هذه الخطبةَ التي سمعها من رسول الله (ص)’».

فالواضح هنا أنّ أبا شاهٍ كان يريد أن يرجع بهذا الحكم الخاصّ بمكّة لأهله باليمن حتّى يُفشيَه بينهم، ولهذا أمر النّبيّ بكتابة الخطبة له. ويكشف هذا مسألة هامّة متعلّقة بالسّياق؛ فإذا كان النّبيّ بصدد توجيه حكمٍ، ففي هذه الحالة يأتي كلامه محتدّاً بحدود معلومة، لها أوّلها وآخرها، وهذا ما ينبغي النّظر إليه على أنّه سنّة واجبة الاتّباع في حال التّسليم بها. أمّا ما عدا ذلك، فليس سوى الحديث يجري عفو الخاطر، لا يُعرف له أوّل كما لا يُعرف له آخر، إذ هو يتسلسل حال الكلام. وهذا ممّا فات على علماء الحديث عند اختلافهم حول ما يُكتب من السّنّة أو لا يكتب، وما سمح به النّبيّ وما لم يسمح به. إلاّ أنّ جميع هذا لا يرفع السّنّة إلى مكان القرآن، ولا يجوّز نسخها له إلاّ باعتبار المصلحة ورعايتها ممّا قال به الطّوفي حسبما سيأتي أدناه في الفصل السّابع. في هذه الحال، يجوز أيضاً للمصلحة أن تنسخ الحديث نفسه، بمثلما صدع به الطّوفي. وهذا قول تجاوزه دعاة الفقه السّلفي الأصولي، ومرّوا عليه مرور الكرام.

 

عودٌ على بدء

نخلص من هذا إلى أنّ خطر هذه العمليّة يكمن في أنّ الإفادات النّبويّة قد أصبحت غير سياقيّة عندما تحوّلت إلى أحاديث لها بدايتها ونهايتها. وبهذا تمّ نفيها من سياقها الطّبيعي، وربّما من أيّ سياق موحى، إذ تكون قد ابتنت لها سياقاً اصطناعيّاً يتمثّله المرء في الذّهن دون أن يقدر على تنزيله إلى أرض الواقع. وما هذا إلاّ بسبب أنّ حدود النّصّ، وفق تركيبه الصّياغوي، تنحو إلى تصوير أنّ النّبيّ كما لو كان يقطع كلامه وتجاذبه لأطراف الحديث مثله كمثل النّاس جميعاً، حال نزول أيٍّ من الأحاديث عليه. أيّ أنّه كما لو كان يقطع حديثه، منبّهاً النّاس حوله إلى أنّ هناك حديثاً في طريقه للنّزول. وبهذا يوحي السّياق الاصطناعي بقدسيّة للنّصّ تُشبه قدسيّة النّصّ القرآني وأحوال نزوله ـ لهذا استخدمنا لفظة «النّزول»، لتبيان المعنى. هذا بينما لم يكن النّبي يفعل شيئاً غير عادي؛ فهو إنّما كان يتجاذب أطراف الحديث مع أصحابه وأتباعه، يُزجي لهم النّصح عفو الخاطر دونما أيّ خصوصيّة لما يقول.

لم يكن الصّحابة الأوائل ينظرون إلى ما قاله النّبيّ بأيّ قدسيّة موازية للقرآن، أو بالنّظر إلى ما يدلي به باعتباره نصّاً يقع خارج سياق تجاذب الكلام، وإلاّ كانوا انكبّوا عليه يدوّنوه في الحال وفي اللحظة. فما حكوه، جاء بدوره عفو الخاطر، احتجاجاً بفعلٍ أو قولٍ أثروه عن النّبيّ، وسعوا إلى تدعيم وجهة نظرهم بما تذكّروه بلا أيّ تعمّل أو استدعاء، بل بتحرّج كبير. ولهذا ننظر إلى الحديث، إذا نظرنا إليه بمنهج ميشيل فوكو في حفريّات المعرفة (فوكو، 1969؛ دريفوس وريبيناو، 1983)، على أنّه شكل من أشكال الخطاب التّاريخي بما ينطوي من أساليب عمليّة لإنتاج الحقيقة والدّلالة. ففهم أيّ إفادة statement يعتمد بصورة أساسيّة على الظّروف التي حكمت تشكّلها الخطابي. وهذا ما يجعلنا نقارب مسألة الخلافات التّشريعيّة من زاوية مخالفة تماماً لما جرت عليه عادة الفقه التّقليدي. تقوم هذه المقاربة على القاعدة القائلة بنسبيّة الأشياء، فما هو صحيح، يصبح صحيحاً عندك لا على أساس مطلق، بل على أساس ظرفي قوامه قناعتك (النّسبيّة) بذلك، والعكس بالعكس، وهو ما سنتعرّض له أدناه.

 

الفقه الحداثوي وتشريع الاختلاف

لقد عرف الفقه السّلفي التّقليدي أصولاً له مرعيّة ومجرّبة، مثل القرآن، السّنّة، الإجماع، القياس، المصلحة والضّرورة إلخ. ليس الغرض من الفقه الحداثوي تقديم أصول بديلة لفقه بديل لما هو موجود بنيّة تشريع (شرعنة) الخلاف؛ إذ جلُّ ما يقصده هو تقديم فهم جديد يتعلّق بشروط تحقّق هذه الأصول من جانب (مثلاً أغلبيّة البرلمان هي الإجماع، والقياس والمصلحةُ العامّة هو ما يشتمل عليه تداول النّوّاب … إلخ)، ومن الجانب الآخر ــــ تبعاً لهذا ــــ استحداث خطاب جديد به يتمّ التّحرّر من ذلك القديم (مثلاً استخدام مصطلح «أسس» بدلاً عن مصطلح «أصول»). غالهدف من الفقه في جوهره عندنا، من حيث كونه طريقة لفهم الحياة بموجب رؤية دينيّة، هو إصلاح واقع مجموعة من النّاس بما يجعلهم قادرين على إنتاجها وصنعها دونما زعمٍ بالقدرة على إصلاح حال الأمّة أو الإنسانيّة.

ربّما يقول قائلٌ إنّ هذه الأصول في كلّيّاتها لا غبار عليها، طالما اتّفقنا على تفسير بعينه لآية بعينها في القرآن في سياق تصوّر فقهي متكامل. مثلاً كأن نسلّم بنفعيّة محتوى حديث بعينه وجعلنا ذلك أساساً للاحتكام، أو إذا سلّمنّا جميعاً بحُكميّة الحديث وفق شروط الإسناد والعدل والتّجريح. وعلى هذا فقِس على باقي أصول الفقه. أَمَا والأمر غير متّفقٍ عليه بيننا، فلا أقلّ من أن نتّفق على تنظيم هذا الخلاف بما من شأنه أن يُغني ويُثري واقعنا بحيث نُنتج ونصنع الحياة، لا أن نتعيّش على فُتات أناسٍ لا تدور في مخيّلتهم هذه القضايا التي ربّما ينظرون إليها على أنّها انصرافيّة. فتطبيق حكم بعينه لا ينبغي أن ينهض على النّصّ بقدر ما ينبغي أن ينهض على المنفعة العامّة التي يُحقّقها بمعقول النّصّ. وهنا مربط الفرس. ولهذا تجاوزنا عن مصطلح «أصول»، مفضّلين عليه مصطلح «أسس»، لا تلاعباً بالألفاظ، بل سعياً للتّحرّر من ربقة المصطلح التّاريخيّة والنّفسيّة أوّلاً، ثمّ علمنةً للدّين ثانياً.

إنّ كلَّ ما ندعو له هو تشريع التّعدّديّة الفقهيّة بالنّزول عن مصطبة اليقينيّة المذهبيّة إلى مصطبة النّسبيّة المذهبيّة. ولا يظنّنّ أحدٌ أنّنا ندعو حملة المذاهب إلى النّزول عن إيمانهم بها استرضاءً. لا! ما ندعو له، مع أكيد إيمانهم بأنّهم على حقّ طالما أنّهم يرون الأمرَ على هذا النّحو، أن يكفّوا عن إخراج الآخرين عن شرعة الحقّ إذ لم يتّبعوهم فيما ذهبوا إليه. والمدخل إلى هذا أن يكون التّفسير ترجيحاً لتأويلٍ بعينه لا تحقيقاً. وفي هذا لبس ينبغي إماطته؛ ففي داخل دائرة المذهب، يكون الإيمان بالتّفسير تحقيقاً، وإلاّ لما كان هناك إيمان. أمّا خارج دائرة المذهب، فلا مناص من التّسليم بأنّ التّعامل مع التّفسير ينبغي أن يكون ترجيحاً لتأويلٍ، لا تحقيقاً. وما نقول به، في الواقع، يقوم على قاعدة فقهيّة راسخة تذهب إلى أنّ ما يقوله الفقيه صواب يقبل الخطأ، بينما ما يقوله الفقهاء الآخرون (من وجهة نظر الفقيه المعني)، خطأٌ يقبل الصّواب.

إذن، ينبغي لجميع المسلمين أن يُقبلوا إلى كتب الفقه والتّراث الإسلامي، في صحوة إسكولاستيّة جديدة، فيقارنوا كلّ ذلك بما عليه حالُهم من ثقافة وعادات وتقاليد ذات مواضعة محلّيّة، فيأخذوا منها جميعاً ما يحقّق أصالتهم ومعاصرتهم. إذ من حقّ كلّ مجتمع أن يقوم بتفصيل وقطع ما يناسبه من قماش الدّين وفق مقاساته الخاصّة بما يحقّق دينونته لله وبما يحقّق ذاته في هذه الدّنيا بما من شأنه أن يجعله مؤهّلاً لاستشراف حياة أفضل في الحياة الدّنيا وبعد الحياة الدّنيا. من الضّروري أن يكون ابتناء هذه الرّؤية الفقهيّة قائماً على درجة معقولة من الشّمول، لا أن تكون متطايرة، متناثرة، مثلما يفعل في السّودان حسن عبدالله التّرابي بين الفينة والأخرى (راجع ذلك في الفصل الثّامن). وليس من محتكم بأنّ هذا المذهب صحيح وأنّ هذه الرّؤية راشدة، إلاّ كونها مقبولة من صاحبها، شريطة ألاّ يخرج صاحبُها من حدوده فيزعم أنّ ما وصل إليه هو الحقّ المطلق وما عداه باطل. فإشاعة حرّيّة الاعتقاد داخل دائرة الإسلام هو المدخل لإتاحة الأرضيّة المعافاة لتثاقف صحّي وبنّاء من شأنه أن تجتمع كلمة المسلمين فيما هم فيه متّفقون.

ما يسعى الفقه الحداثوي إلى تقديمه في السّودان هو تطوير للإسلام الشّعبي عبر التّنشيط الفكري للإسكولاستيّة الإسلاميّة؛ ولا يكون هذا إلاّ بمراجعة ذلك المخزون التّراثي وتناوله بالنّقد والتّحليل بروح وعقليّة منفتحة وبلا أحكام مسبّقة. قد يسأل سائل: لماذا السّودان؟ أقصر الإجابات على هذا السّؤال هو لأنّ السّودان عانى ممّا يمكن تسميته بالحيف الفقهي السّلفي الاستغلاقي عندما فُرضت رؤية حركة دينيّة بعينها على واقع إمّا لا يقبله أو غير مهيّأ له، أو أنّه (أي هذا الفقه) غير مؤهّل لحلّ مشاكل بلد مثل السّودان. ولكن الإجابة الحقّة عن هذا هو مناداتُنا بأن يتنزّل الفقه وفق واقع كلّ بلد. بالطّبع هناك مشتركات كثيرة، لكن الأوفق أن ينطلق الفقه في هذه المرحلة حسب موضعيّة الحالة التي يواجهها، ثمّ بعد ذلك يمكن للمشتركات أن تبرز في دورة جديدة. أي ألاّ ننطلق من العموميّات، بل نتركها لتتبلور لاحقاً في مشتركات، فننطلق من الخصوصيّات. فإذا نجحنا في تفصيل فقه خاص لكلّ واقع، عندها سوف تبرز المشتركات لاحقاً كعامل تكامل، طالما أنّنا قد شرّعنا (أي إضفاء المشروعيّة) لإسلاميّة كلّ هذه التّفصيلات الفقهيّة مع اختلافها وافتراقها.

هذا من جانب، من جانب آخر بخصوص سودانيّة منهجنا، نلاحظ أنّ تحالف الفقه السّلفي مع الأيديولوجيا العروبيّة فيما نطلق عليه مسمّى «الإسلاموعروبيّة»، قد أعطانا أزمة الأحاديّة الثّقافيّة والدّينيّة، ثمّ الفقهيّة تبعاً، ذلك في سبيل إدارة شئون بلد متعدّد الثّقافات والأعراق والأديان؛ أي إدارة مشروع التّعدّديّة ببرنامج الأحاديّة. بهذا تورّط السّودان في أزمات أخرى من قبيل إعادة إنتاج الهويّات السّودانوأفريقيّة في الهويّات السّودانوعروبيّة، وما تبع ذلك من مشاريع الاستيعاب الثّقافيّة والعرقيّة، وما تبعها من مركّبات نقص من قبل حملة الهويّات والعرقيّات الأفريقيّة إزاء حملة الثّقافات والعرقيّة العروبيّة. وقد انتهى كلّ هذا إلى تهديد مؤسّسة الدّولة وإمكانيّة تفكيكها وتشظّي ما كان يمكن أن يعطينا أمّة سودانيّة مستقلّة وقائمة بأمر نفسها. لذا من المهمّ الإشارة إلى أنّ الإطار المرجعي (أي الفضاء الزّماني والمكاني ــــ الزّمكان) لهذا الفقه الحداثوي هو السّودان، وليس ما عداه من أقطار. بيد أنّ هذا لا يمنع استفادة الآخرين من المقدّمات الفلسفيّة التي يقوم عليه هذا الفقه الحداثوي متى ما تبلور.

* مجتزأ من الفصل الخامس من كتابي: منهج التّحليل الثّقافي: مشروع الحداثة في السّودان