أماني أبو سليم كنت مولعة بك منذ طفولتى ، مولعة بالانسان الرقيق فيك الذى يخجل من تلك الرقة فيخفيها خلف ثورات من الغضب المزيف ، كنت من شدة خوفك علينا ...تقاوم دمعك الذى يعبر عنك اكثر من لسانك

… فتعجز أن تعبر عن مشاعر الخوف الرقيقة فتحيلها إلى ثورة من الغضب لاعناً الحال وتاركاً المكان لنضبطك فى مكان ما تمسح ما تساقط منك من دمع . كنت لحظات مرضنا تخاف أن تطل على المريض. تسأل من بعيد خاشيا أن يفضحك الدمع أمامنا لم تشهد معنا حقنة واحدة ولم تتحمل آهة واحدة كنت تهرب مسرعاً تاركاً المكان.

 كانت لى عادة أقرب إلى عاهة أيام الدراسة ، منذ الابتدائية حتى الثانوية ، كنت انسى حقيبتى المدرسية بالبيت ، لا اتذكرها إلا ونحن فى الطريق ، أو  اتركها فى المدرسة  وأعود للبيت . كنت تقوم بايصالنا للمدرسة صباحا وتعيدنا اخر النهار وكنت أنا أقوم بعملية النسيان بصورة متكررة ولا أتذكر الحقيبة اللعينة إلا اذا نبهنى أحد إخوتى . كنت تثور ثورة من الثورات المزيفة ، المحببة الى قلبى ( لانها فى النهاية تنزل على ما فيش ) فتضرب على مقود السيارة ثائرا متوعداً إننى إذا نسيتها مرة أخرى لن أعاود المدرسة من جديد وستحرمنى من كذا وكذا وانك وانك …… ولكنك تعود بنا إلى البيت لنأخذ حقيبتى اللعينة . كان الجميع يصمتون اثناء ثورتك كلنا نعرف ! انها ثورة ” وح تعدى ” كلنا نعرف إنها مقاومة مشاعرك الرقيقة وخوفك الابوى العميق ولكنى كنت مولعة بك فاستثيرك لازيد من تلك المشاعر . فكنت فى أول دقيقتين تقسم أنك لن تعود الى البيت وانك ستتركنى اليوم لعقوبة المدرسة ” وإن شاء الله يقطوعك ، وانا (ح اكلمهم) يعلقوك ويجلدوك ، فى حد ينسى شنطتو ، وطب اصلا إنت ماشة المدرسة ليه ” وفى عز هذه الثورة توجه السيارة للاتجاه المعاكس لنعود للبيت وتبدأ ومعك الاخرون في الصمت وابدأ أنا لازيد من الثورة المحببة فادعى التلعثم واقول ” ما خلاص نمشى من غيرها وخلاص كل حصة ما جبت كراسها اتجلد وخلاص ” وتتصاعد الثورة من جديد …واستزيد انا من حبك من جديد.

كنت وانا صغيرة انتهز ساعات غيابك عن البيت … فادخل فى ملابسك العريضة الواسعة  واحمل حقيبة كما تحمل وابدأ مسرحيات التقليد كانت ثوراتك المزيفة المحببة بطلة على كل المسرحيات . كنت اقلد ثورتك على فلان وثورتك من امر ما . كان اخوتى وسط ضحكهم ومرحهم يطلبون منى مواقف معينة ويذكروننى بالفاظ كنت تبتكرها اثناء الثورة  كنت اقلد جلستك وعقد اصابعك . كنت اقلد مشهد وداعك عندما تكون على سفر ثم حضورك من السفر . كنت شخصية غنية مميزة محببة ومحبوبة ويظل جمهورك يطلب فى المشاهد ليستزيد .. كنت اقلد وبين موقف وموقف أسأل امى ” المفطوسة “من الضحك على طريقتك ” ايه رأيك يا مدام ” وعندما تعود ويفتن اخى الصغير كنت تكتفى بالتعليق ” بت الكلب دى أصلها مجنونة”.

كنا فى أزماتنا الصغيرة ومحكات حياتنا نعتقد أنه يمكن أن نخفى عنك ما نحن فيه ، فنجتهد لاخفاءه عنك ، ونثابر لنخرج مما نحن فيه ونظل معتقدين أننا نخرج من الازمة بايدينا ونسارع للإمساك بطوق النجاة وننجو من الازمة …ويملأنا السرور وغبطة النجاح وعندما نصل للبر ، نكتشف أن الطوق كان من صنع يديك وانك كنت تعده منذ اللحظة الاولى وظللت على حال الإستعداد لقنص الوقت المناسب . كنت تعرف بحدسك الفطرى وتتابع من بعيد مراقبا الحال وتبدلها . كنت ترقب حتى نخرج إلى البر وتظل منتظراً حتى نجف من الازمة.

تاخرت شيخوختك رغم أنك تجاوزت السبعين .لم تحس بالشيخوخة كالاخرين فقد كنت نشطاً مشاركاً فى الحياة الثقافية والإجتماعية . أعرف أن الشيخ يبدأ شيخوخته بتساؤل معذَب … هل يحبه من حوله ام هو الخوف والاحترام فقط . هل سينفض الناس من حوله ويتركوه لضعفه يعانى ولا يجد يداً محبة تعينه على الضعف . وبدأ تساول الشيخ يعذبك . كنت تتوجس اننا لم نكن نعى مركبنا الخاص وسط بحر أبوتك للجميع . كنت لا تعرف اننا كنا نعرف ، ان ثوراتك كانت زائفة لا غاضبة . و كنت   لا تعرف اننا كنا نعرف انه رغم نجاحك الكبير فى كل شئ انك كنت فاشلاً كبيراً فى إخفاء الدموع . وكنت لا تعرف اننا كنا نعرف انك تجيد التهرب من إيقاع العقوبة التى اعلنتها امام الجميع اثناء الثورة لانك اضعف من أن تعاقب و ارق من ان تتحمل عنفاً بغير اللسان.

 قدر الله لك المرض فى سنواتك الاخيرة فان كان للمرض حكمة عند الله وتقدير من عزيز عالم بالعالمين . فقد كان مرضك  يحمل لك من ضمن الحكمة ، الإجابة على تساؤل الشيخوخة ، فقد أحست بك القلوب من بداية زحف الضعف فرعتك أولاً كما كنت ترعى بدموع تفشل فى إخفائها ثم مددنا اليد .. لنكتب ما تملي ، مصححين ما ذهب إلى المطبعة و ما يعود منها و كنت رغم شيخوختك ، أعترف أقوى منا ، كان التثاؤب يفضح نعاسى و أنت مثابر متقد الذهن  فتقول ( امشى نومى على السرير احسن مما تنومى على الورق ) و اظل اجاهد نعاسى لينتصر علىَ و تنتصر انت علينا الاثنين تبقى ساهراً منكباً على أوراقك و كتبك ، ثم تداعبنا صباحا ” ابوكم العجوز يسهر ده كلو وانتو تنوموا من بدرى زى الجداد ” . بدأ الضعف ينسحب على جسدك المديد وأنت تقاوم بعزة نفس وتصر ان تقوم باشيائك وحدك الى أن إستسلم الجسد للإيدى المحبة ، كان الوقت الذى قدره الله لنرد قطرة من عطاءك فقد ظللت طوال عمرك مشغولا بالعطاء عن الاخذ . كان وهج نشاطك قد بدأ يخفت الى ان بقى فيك من كل شئ ظلاً ، من الإبتسامة العريضة ظل بسمة ومن القهقهة العالية آهة خافتة ومن الكف النشطة كتابة ومصافحة كف محدودة الحركة . من كل شئ ظلاً ، كانت الدعابة وحب القفشة من اقوى ما بقى من ظلال . كانت نكتتك هى ما ساعدنا على تجاوز الالم فلم تكن تجد سانحة إلا وتطلق نكتة ، عندما كانت أمى تسندك فى يوم لتساعدك على الوقوف ، إختل توازنك ، فامسكتك من كتفك وعضدك فإبتسمت قائلا ” الله Slow dance ولا ايه يامدام ” كانت النكتة والقفشة جزء من حياتك اصيل . لم تفارقك حتى لحظاتك الاخيرة . كنت رغم المك انك ماعدت قادراً على القيام بحاجاتك الصغيرة تتجاوز الالم بالنكتة فعندما كانت الأيدى المحبة تقوم بالنيابة عنك بالحلاقة وتقليم الاظافر وإزالة قشرة الشتاء بالدهان كنت تصف نفسك بالعريس ، وتهمس “ح نمقلب أمكم الليلة ” تحولت رويداً رويداً من الأب مديد القامة نشط الحركة والنصيحة ، إلى طفلنا الصغير كنا نهدهدك وندللك فى كل وقت . فارتبطنا بك فى تلك المرحلة إرتباطا خاصاً اقرب إلى الارتباط بوليد صغير ، يبدأ الصباح بالسؤال عنك ونكون فى حال من التحلق حولك طوال اليوم ، كدنا نتناول الدواء نيابة عنك ولو كان بايدينا لاقتسمنا المرض عنك.

الموهوبون كثر . وقد منحك الله من المواهب ما كان يصنع اكثر من رجل فقد كنت المؤرخ الامين والإدارى الناجح والمفكرالحذق والرجل الاجتماعى الذى يفيض ظرفا وصاحب الموهبة الفريدة لابوة الجميع وكثير كثير من هذه الصفات يصنع رجلا بمقام . نجد من هو موهوب فى امر ولا نسمع له صيتا او نجاح وظل النجاح حليفك لان الله خصك بالاخلاص وهى صفة اقرب إلى صفات الانبياء . كنت مخلصا فى حياتك حد الموت . مخلصا للفكرة والعمل فما بدأت عملا الا انجزته بنجاح ، فظل الاخلاص هو مفتاحك وسر نجاحك واداة تحركك ، فباخلاصك لما انت فيه يتولد لديك الحدس بالحقيقة فتظل وراء الحدث محققاً وباحثاً ومثابراً غير منهزم لا تكل ولا تفتر حتى تصل الى حقيقية ما تريد.

ضرب اخلاصك على مواهبك الفطرية جذراً عميق . قوى ثمار جهدك فى كل ما قمت به ،فاثمرت نجاحاً وحباً اينما خطت قدماك واينما توجه قلبك . كنت مخلصا لاهلك ،كانت لك عباءة من اكبر ما خلق الله من عباءات ، عباءة ظللت بها واحتضنت بها كل اهلك ومن حولك ، عباءة منحها الله لك فاسبغت عليها من الحب والصدق والرعاية والاهتمام  والسؤال والعون معنى وعمقاً للابوة بها صفة الابوة لا لقبها . فبادلك أهلك الحب والاخلاص.

كنت مخلصا لعملك وفكرك فكانت لك صفات العالم والمؤرخ والاستاذ والمؤسس والاب و.. و.. الذى لا يشق له غبار ولا يختلف على مقامه اثنان .

عندما نصح الاطباء بتقليل الزيارات لان نومك اضطرب ودواءك اضطرب واقلقت راحتك ، فقد استجاب زوارك المحبون فقل سيل الزيارات ولم يقل السؤال عنك . فى مساء سألتنى بحزن ” هم الناس بطلوا يزورونى ليه ، هم نسونى خلاص ” امسكت بكفك بين يدى وذكرتك بفيضانات المحبين بالمستشفى والبيت وقلت لك ” هو فى زول زوارو فى الدنيا زى ما زوارك ، طب شوف كل الالوان جاتك لغاية هنا ” وبدأت العد على اصابعك ( عمر البشير جاك ، الصادق المهدى جاك ، جعفر نميرى جاك ) وضغطت على الاصبع الرابع وقلت ” لو كان كتشنر موجود برضو كان جاك” ” وكانت قهقهتك فى ذلك المساء من آخر ما سمعت من ضحكك الذى كان يملأ البيت ” فقد كان اخلاصك لجوهر الامور وجوهر العمل قد جعلك الجوهرة التى يسعى الجميع للاعتزاز بها.

فى ذلك اليوم بالذات قلًت مثابرتى فى إطعامك ، لم ابذل جهداً كما كنت أبذل لتكمل الوجبة أو كوب العصير ، سعدت بك إن حالك قد تحسن ، وما كان يسعدنى اكثر هو تبدل ملامحك النبيلة . فقد ظل وجهك فى الشهور الاخيرة منقبضا من الالم ولونك الاسمر قد اصبح كدراً من اثر المرض والضعف.

انفرجت الملامح فى ذلك اليوم وانبسطت جبهتك العريضة عن خطوطها الخفيفة وراق سمارك . اكملت الفطور بسلام وعصير  الظهيرة بسلام و الغداء بسلام ، وجاء وقت عصيرك عند المغيب ، سندت أمى جلستك على السرير وثابرت أن تشرب كوب العصير.

كان نزول المشروب إلى جوفك يحدث صوتا غريبا فى منتصف البطن ، صوتا كالقرقعة او القعقعة ، لم تعان فى البلع بين رشفة ورشفة كنت تغيب عنَا منشغلا بأمر كبير . كنت انبهك بين الرشفة والاخرى ، أن تواصل الشرب كنت تستجيب مستسلما لأمرين بإتجاهين متضادين .  الشئ الصاعد لأعلى والمشروب النازل لاسفل . وننشغل نحن بتلك القعقعة او القرقعة ، امسد على ظهرك لاسهل عليك . اتوقف قليلا لاواصل تشجعيك على إكمال الكوب ، اكملت الكوب ، فاتحا عينيك الصغيرتين بين رشفة ورشفة . ساعدناك على الرقاد ، اعتذرت منك انى اتعبتك ، رددت على  ، ناديت على اخى حين عجزت عن حملك لاصلح من رقدتك ، كنت منبسط  الملامح ،رائق السمار . لم اتوجس لحالك لحظة فاقصى ما شاهدت معك من الم . كانت الغيبوبة التى تكررت كثيرا فى العام الاخير . كانت تبدأ بثقل أطرافك ويصعب عليك البلع ولا اتجرأ على المثابرة فى اطعامك خوفا من الاختناق . وتنقبض ملامحك اكثر واكثر وكأنها تجمعت فى تلك الجبهة التى تضيق على معانى الالم والمعاناة ويتكدر لونك الاسمر . كنت لجهلى اعتقد ان الموت يأتى فى معية الغيبوبة . كان حالك فى ذلك اليوم ابعد ما يكون عنها . لم اعرف إن الموت قادم وإن المشروب النازل فى جوفك كان يصطدم بروحك الصاعدة . كنت احس ان شيئا كان يتكاثف فى جوفك ، مغيرا وقع المشروب فى كل مرة ، ليس بصلب ولا جامد ولا غاز ولا سائل ولكنه يتكاثف صاعدا لاعلى وبدأ يخرج من فمك ، ووجهك رائقا منبسطا لا زال.

ناديتك وناديت وحين علا صوتى بالنداء رددت علىَ بشهقتين ، لجهلى إعتقدت انك تحاول الرد على ، (امى) لم تتماسك تساقطت على اقرب كرسى ، (وليد) اكثرنا التصاقا بك وخدمة لك اضطرب ، محموله فى يده  يحاول الاتصال بالإسعاف ، تماسك وائل ، اختك الحبيبة (هانم) كانت تردد بصوت خافت منزعج مضطرب موجوع ،” اسعاف ايه اسعاف ايه ” ، (امل) كانت تجرى بينك وبين الشارع فى محاولة لإستعجال الإسعاف ، (عبد الجليل) كان الاشجع ، أغمض العينين ، جاء جارنا الممرض وخاف على القلوب الموجوعة اخذ يردد ” فى نبض ، فى نبض ” تعلقت بالجملة الاخيرة ، وغيبت عن عقلى ما شاهدت . سمعنا صوت الإسعاف.

تعلقت القلوب بعد جملة الممرض . جريت إلى الشارع ، أين الإسعاف ؟ . ضل الإسعاف طريقه الى البيت ، على كثرة ما جاء الإسعاف إلى البيت فى العام الاخير لم يضل طريقه إلا فى ذلك اليوم ، تائها فى شوارع الحى صارخاً بنوره الاحمر . جرى الشباب خلفه من شارع لشارع . من وجد مفتاح السيارة للحاق به. فى ذلك اليوم تغيرت المهمة ، عندما وصلت عربة الإسعاف الى البيت ، كانت قد اتمت مهمتها الخاصة بذلك اليوم ، فدورها الإسعافى ما عاد يلزم  الأمانة قد سلمت ،  لقد جمعت أهل الحى فى لحظات . وهرع أهلك ومحبيك فى لمح البصر لترحل وأنت محاط بالحب كما عشت محاطاً به.

لم نودع فيك العباءة موفورة العطاء ، التى عشنا فى كنفها عمرنا ، وحدها ، ولكنَا ودعنا ايضا طفلنا الحبيب الذى دللناه . صعب علينا فراق الرجل الذى نحب والاب الذى نحب والطفل الذى أحببناه .