عادل العفيف مختار * قال شهيد الفكر الأستاذ محمود محمد طه " إن قوانين سبتمبر وضعت واستغلت لإرهاب الشعب وسوقه إلي الاستكانة عن طريق إذلاله" قال ذلك في يناير من العام 85 أثناء مواجهته محكمة المهلاوي،

ولم يمض علي تطبيق القوانين سوى أشهر تقل عن العامين قليلا, وذلك في مواجهة لمحاكم وقوانين سبتمبر قام بها الشهيد آنذاك.

عملت حكومة الاسلامويين في السودان منذ مجيئها علي إذلال هذا الشعب , وذلك لأن الإذلال الذي هو شعور نقيض للعزة يقود بدوره إلي الاستكانة, والتي هي خضوع وانكسار واستسلام، والتسليم بما هو موجود، وانعدام الرغبة في مقاومة أو تغيير ما هو واقع. عملت الحكومة علي ذلك بهمة ونشاط لأنها تدرك أن استكانة هذا الشعب يوفر لها الاستمرارية.

بدأت الحكومة بإدخال عقوبة الجلد في كل القضايا التي ليس من بينها شرب الخمر والزنا، وذلك لكسر النفس البشرية وإهانتها، فشهدنا الجّلد المبرح لمتظاهري انتفاضة سبتمبر الماضية والذي هو جلد انتقامي، هدفه الأساسي هو إذلال الشباب فشهدنا الانكسار يعلو الوجوه. ثم عملت الحكومة علي كسر هيبة العسكر في القوات المسلحة والقوات النظامية الأخرى من شرطة وغيرها. الصورة الذهنية الخالدة في أذهان كثير من السودانيين، أن ضابط القوات المسلحة يمثل العزة والشموخ وهو رمز الفداء وحماية الوطن , فكانت له هيبة تمناها كثير من الأطفال وهم يطالبون ويلحون علي الآباء أن يلبسوهم  في الأعياد  زياَ عسكريا تتلألأ نجومه علي اكتافهم اليانعة. عملت حكومة الهوس والمسغبة علي نزع تلك الهيبة من رجال القوات المسلحة , وذلك بتهميش دورهم بإدخال قوات الدفاع الشعبي والمجاهدين، وبرفع دور جهاز الأمن وتمكينه من مفاصل الحياة. وعملت جاهدة علي تقليل قيمة الضابط حتي لدى الرتب الأقل والجنود، فتري الجندي لا يؤدي التحية العسكرية في مشهد أضحي مألوفا لدى العامة. وقد ترى مدنياَ يصدر توجيهاته لرتبة عسكرية عظيمة  بصلف وغرور كبيرين عرف بهم أهل التوجهّ الحضاري . واذا أمعنت النظر كرتين ترى الضابط العظيم يرتعد مذعوراَ مستكينا خوف الإحالة الي الصالح العام. مثل هذا لا يمكن أن تحدثه نفسه ان يبدي رأياَ مخالفا دعك في أن يفكر في تغيير النظام. لهذا سلبت شخصية ضابطنا المغوار وأصبح مسخاَ مشوهاَ لا لون له،  وأجبر علي وضع لحية لا تتسق مع الزي الذي يرتديه. كما أنه لم  يعد يؤخذ برأيه الفني في الأمور العسكرية، وقد شهدنا كيف أن والياَ مدنياَ كأحمد هارون المطلوب للعدالة الدولية يخطب في جمع مستكين من العسكر تعلو وجوههم قترة  وترهقهم ذلة ، آمرا لهم بكنس ومسح كل أسير لانه لا يريد أعباء إدارية، وهناك ضباط كبار كانوا في رفقته يومئون برؤوسهم التي فارقها الانضباط في إشارة لموافقته فيما يقول به. هل يرجى من مثل هذا المسخ رجاء؟ لهذا طالت غربة (كاودا) وسوف تطول غربة ( كاودات) أخر.

هذا وضع يتسق مع شخصية وزير دفاعهم الذي عندما يتحدث يجعلك تتوارى خجلاَ وهو يتفوَه بكلمات يصعب  تبيانها كم أحوجت أسماعنا إلي ترجمان. كلمات شبيهة بتلك التي يتفوه بها من إبتلاهم الله بأمراض التوحد وصعوبات التعلم.  ثم اتجهت الحكومة إلي الشعب فبدأت بانشاء دواوين الزكاة ، ليست لأنها الركن الثالث من الإسلام, بل لأن بها بند العاملين عليها ،وهي في الحقيقة دواوين وهمية من حيث القيمة المادية التي تقدمها. هذه الدواوين يصطفَّ فيها ذوو الحاجة والمستحقون لها وهم غالبية هذا الشعب وهم من المساكين  والفقراء وفي الرقاب وأبناء السبيل، بيد أنه ليس من بينهم المؤلفة قلوبهم. هؤلاء الجوعي والمرضي يقذف لهم بدريهمات لاتسمن ولا تغني من جوع، تتبعها منة وإهانة وأذي, لكن مجيئهم واصطفافهم في رابعة النهار، كفيل بكسر ما تبقي لهم من عزة ووقار تحاكي تلك التي كان عليها نسر عمر أبو ريشة* بعد أن نسل الوهن مخلبيه وأدمت منكبيه عواصف المقدور. تفعيل  بند العاملين عليها، مع أنه يأتي في الترتيب بعد الفقراء والمساكين ، يعكس لك مدى الشره والجشع والشبع بعد مسغبه والتي كان – ومازال -عليها أهل هذا  النظام. لقد حورب هذا الشعب في رزقه كي لا تقوم له قائمة .  لقد قالها الشاعر الدكتور محمد ود بادي وهو يخاطب الذين نظموا له احتفالاَ, فإذا به يفاجئؤهم بقوله ” لا تعطوا هذا الشعب الصدقات” لانكم تكسرون في داخله ما لا يمكن إصلاحه”. قال بعض العلماء إن مصارف الزكاة يجب ان توضع في ستة أصناف، وذلك أن المؤلفة قلوبهم قد ذهبوا، وأن سهم العاملين عليها يبطل لأنهم يأخذون مقابل جمعها مرتباتهم.

الإذلال يقود إلي الاستكانة ومن ثم ّيسهل القياد. الشئ الغريب أنه مطلوب من هؤلاء الجوعيى والمرضى ومستحقي الزكاة أن يخوضوا حروبهم العبثية بالإنابة عنهم , تارة عن طريق تجنيد الشباب في الخدمة الإلزامية واصطيادهم من الشوارع والأزقة ثم إرسالهم الي جبهات القتال العديدة دون تدريب, وتارة عن طريق تجيّيش من يعتقدون أن ذلك باباَ لجنان الخلد والحور الكواعب قاصرات الطرف اللاتي لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان. لهذا صار السواد الأعظم من هذا الشعب المكلوم يسيرون في الشوارع والطرقات من غير هدى, مطأطئين رؤوسهم ، فصار حالهم كحال اتباع إسبارتكوس * لا يجرؤون علي النظر اليه وهو معلق في مشانق روما وجبهته بالموت محنية لانه لم يحنها حية. وصف  أمل دنقل  *لجموع أتباع إسبارتكوس ينطبق لما آل إليه حالنا الآن. فهو يطالبهم بأن يرفعوا رؤوسهم مرة واحدة, فهم من كثرة الخنوع لا يستطيعون رفعها مرة واحدة في العمر لا ليقولوا “لا” الرفض، بل ليروا جثة قائدهم وهو معلق. قال أمل دنقل كلمات معبرة على لسان قائد العبيد وهو معلق في المشنقة مخاطباَ شعبه:

لا تخجلوا ولترفعوا عيونكم إلي …

لربما إذا التقت عيونكم بالموت في عينيّ

 يبتسم الفناء داخلي….

لانكم رفعتم رأسكم مرة….

حواشي:

  • ·         عمر أبو ريشة شاعر سوري وقصيدة النسر رمزية. النسر معروف بالشموخ بيد انه أذل في ارذل العمر, فصارت تنتاشه بغاث الطير.
  • ·         أمل دنقل شاعر مصري له مجموعة كاملة اهمها الغرفة 8 تلك التي فارق فيها الحياة في مستشفي الأورام.
  • ·         اسبارتكوس قائد ثورة العبيد في روما.

 

* محاضر بالرياض

adilafifi@hotmail.com *

aafifi@mcst.edu.sa *