خالد فضل عندما كان القائد ياسر عرمان يتحدث عن مستقبل السودان, موحدا أو منفصلا, كان كثيرا ما يردد عبارة ذات مغزى "لابد من سودان موحد جديد, لابد من سودان جنوبي جديد في حالة الانفصال, لابد من دارفور جديدة، وشرق جديد، وشمال جديد"،

معظم ردود الفعل الاعلامية لم تكن تنظر للكلام إنما تحدق في قائله, وطالما قائله في هذه الحالة هو ياسر عرمان, فإن حديثه يجب أن يقابل بالذم والهجاء والتبخيس, هكذا دأب إعلام الإنقاذ على الأقل في حملاته المسعورة ضد العقل والمنطق واشارات التغيير, بينما على ضفة الرفاق في جنوب السودان فإن حالة الاستقطاب كانت تنمو وتتكاثر بسرعة, وكانت المماحكات والممارسات المتضادة تنشأ والرؤى تتقاطع, وحالة من الشد والجذب تنشأ داخل المؤسسة الحزبية على خلفيات مختلفة يتداخل فيها الذاتي بالموضوعي, لذلك يمكن الزعم باطمئنان, أن مسألة البناء الفكري والتكوين السياسي الراشد والاستهداء بنموذج المشروع السياسي الاساسي (مشروع بناء السودان الجديد) قد تلاشى وسط غابة مكتظة بالتعقيدات التي نشأت حديثا مع أيلولة الدولة للحزب بصورة شبه تامة, ومحكات العمل التنفيذي وملحقاته, ومواصلة مشوار تنفيذ بنود اتفاقية السلام رفقة شريك لم يبرع في شئ قدر براعته في نسج الفتن وايقاظ ما كمن منها, وعرقلة أي جهد يصب في مصلحة الوطن والشعب, لأن ذلك الجهد ىعتبر مباشرة خصما على برنامج الفشل الذي تعتمده جماعة الاسلام السياسي, فالتغيير عدو مبين لهم لأنه يعني ضعضعة قبضتهم على مصادر الثروة والسلطة وهما قصارى جهدهم وغاية تنظيمهم ومنتهى سدرة تطلعاتهم وآمالهم منذ أن صدع روادهم وقدوتهم بدعوتهم السياسية البائرة .

وتجلت مظاهر الاهمال للمشروع في عدة ممارسات, فبعض القياديين في الحركة من من حظوا بمناصب رفيعة كاستحقاق ضمن بنود الاتفاقية تم إغراؤهم بصورة ملموسة حتى صارت ممارساتهم أنكأ من ممارسات متنفذي الجماعة الاسلامية نفسها, وعندما نقول أنكأ نعني أن أي فعل من جانب تلك الجماعة ينسجم مع رؤيتها ويتطابق مع غاياتها التي اسلفنا الاشارة اليها, بينما مشروع بناء السودان الجديد يفترض أنه يقوم على أسس مغايرة , فإذا جاءت ممارسة من يدعو الى التغيير مثلها مثل ممارسة ما يراد تغييره تكون المصيبة أفدح بكل تأكيد، ولعله من مآثر الراحل العظيم د. جون قرنق اتيانه بالمغاير لما هو سائد  دائما , فبينما كان يحتفظ بالأسرى من منسوبي القوات المسلحة التي كانت عدوه الأول ويطلق سراحهم فيما بعد , لم يحدث أن تم اطلاق أسير من الجيش الشعبي , بل لم يكن يوجد أسرى أصلا ليتم اطلاقهم في حرب استمرت لعقدين من الزمان تقريبا !!؟, وعندما كانت العصبيات القبلية والجهوية والنعرات العنصرية تمثل أبرز ممارسات التنظيم الاسلامي الحاكم في السودان , وتتم التعبئة الدينية وسط المسلمين لمحاربة أعداء الدين والكفرة المفترضين , كان د. جون يخطب أمام جنوده أن العروبة لا توحد السودان والأفريقانية لا توحده والاسلام لا يوحده والمسيحية لا توحده ما يوحد السودانيين هو سودانيتهم فقط . هذه نماذج لعناصر المغايرة التي شكلت الأسس الفكرية لمشروع بناء السودان الجديد، لهذا وصفنا ممارسات بعض منسوبي ذلك المشروع بأنها أنكأ من ممارسات سدنة المشروع الاسلامي المضاد وعلى خلفية أن من يحمل مصباحا منيرا لا يعقل أن يتخبط في سيره كمن يخبط في الظلام دون مصباح . وأن من أتيحت له فرصة أن ينتمي ويشارك في ثورة وطنية بهذه الملامح والقسمات الجديدة, كيف به يرتد الى درك من سبقوه من أرباب الفشل ؟ ولعل ياسر عرمان كان يقرأ المعطيات هكذا فكان اصراره على السودان الجديد موحدا أو منقسما , فالانفصال إذا كان هو الغاية والمبتغى فبئس الغاية والطلب , وهو كغاية لا يستحق فعلا ما قدم من تضحيات جسيمة سددها على داير المليم ملايين المواطنين الجنوبيين من من لم يكن لهم أدنى المام بالمشاريع السياسية قديمها وجديدها ولكنهم اكتووا بنيران تلك السياسات القديمة حقيقة ومجازا , فمن القتل المباشر والحرق للقرى والقصف والترويع والتجويع الى الاضطهاد والاذلال والتهميش , ليس من جانب الدولة السودانية ونخبها الفاشلة فحسب بل من المجتمع الغالب نفسه , فإذا كانت النخب الوطنية منذ ميلاد الدولة السودانية المستقلة ظلت تنظر الى السودان بهوية عروبية اسلامية , وعلى الآخرين الإذعان لهذه البداهة المفترضة والمفروضة , فإن الكثيرين في المجتمع السوداني قد اتخذوا موقعهم الى جانب رؤية النخب تلك وفي الحقيقة هذه النخبة السياسية هي وليد شرعي لمجتمعها , ويكمن فشلها في أنها عوضا عن قيادته من مستنقع العنصرية والشمولية والإقصائية الى آفاق ورحاب المساواة ومفاهيم الانسانية وحقوقها الكاملة , رضخت للمسلمات البائسة وركنت الى المعهود , واعتبرت  من ينادي بالتغيير هو النشاذ.  حدثني شاب جنوبي عن تجربته مع النزوح من بلدته الى الشمال , وكيف أنه قد عمل راعيا لأغنام أحد المواطنين من قبيلة عربية في دارفور نظير عدد محدد من الأغنام كل عام , قال لي إنه عندما قرر المجئ للخرطوم ليواصل تعليمه ويعمل فيها , مكر ذلك الرجل ولم يعطه أغنامه المتفق عليها , بل هدده بالقتل إن حاول المطالبة بها ثانية , قال لي “لقد اضطررت للهرب ليلا وسيرا على الأقدام لعشرات الأميال ومن ثم بالقطار الى الخرطوم” مع أن ذلك الرجل كان يعتبر شيخا ومتدينا وسط مجموعته تلك . هذا نموذج لنظرة الاذلال والاهانة ونيران الاقصاء التي تعرض لها ملايين الجنوبيين في وطنهم المفترض , وغالبهم لم يكن له ادراك ومعرفة بمشروع بناء السودان الجديد، لهذا عندما صوتوا للانفصال كان دافعهم هو التخلص من عبء سداد ثمن الانتماء الوهمي لوطن لم يسعهم بالفعل والممارسة , ولم يدر بخلدهم أن مشروع بناء وطنهم ربما سيحمل لهم ذات ملامح  ما هربوا منه . حدثني شاب جنوبي آخر على أواخر الفترة الانتقالية وقرب مواعيد الاستفتاء بأنه ذاهب للجنوب حتى يحاول الاحتفاظ بقطعة أرض يمتلكها في موطنه عاصمة احدى الولايات الحدودية مع الشمال , لأن الجماعة ديل (وأشار الى قبيلة معينة بالاسم) ما بخلوا لينا معاهم حاجة بعد شوية إذا حدث الإنفصال, هنا تتجدد قيمة ومغزى ما كان يصدع به عرمان من الحاجة لمشروع السودان الجديد للسودان موحدا أو منفصلا ولدارفور جديدة تسع أبناءها وكل السودانيين , وكما قال القائد عبدالعزيز الحلو وهو يبشر مواطني جنوب كردفان عشية الانتخابات “غدا جنوب كردفان جديدة لكل النوبة والعرب ولكل السودانيين” وبسبب من تمسك الحلو بمشروع المغايرة هذا حدث ما يحدث الآن في جنوب كردفان لدرجة استنساخ تجربة الجنجويد المريرة في دارفور , وهو سلوك يدل في جانب منه الى فشل مشروع بناء السودان القديم الذي لم يعد يمتلك ما يقدمه سوى القتل والابادة والتهجير والتطهير العرقي والاقصاء والتهميش لمن لا يرضخ لوهم الاستعلاء العرقي والديني السائد.

فهل استبطنت النخب الجنوبية ذات أدواء السودان القديم وهى تمارس السلطة فى وطنها المستقل ؟ هل الغاية من الانفصال أو الاستقلال بالنسبة للمواطن الجنوبي هى رفع العلم وعزف النشيد الوطني؟ أم أن المواطن الجنوبي يحلم بوطن “بالفيهو نتساوى نحلم نقرأ نتداوى” كما صدح  شاعرنا  الشريف محجوب شريف؟ وكما هو حلم المواطن السوداني البسيط غير الموسوس بوهم الاستعلاء فهل يعود الجنوبيون الى منصة التأسيس قبل الولوغ في سكة العدم هذه وبين يديهم مشروع بناء وطن جديد ؟ وكما تتجدد المطالبة دوما هنا في السودان للعودة الى منصة التأسيس لاستعدال مسار البلد رغم طول مدة التوهان في دروب العدم هذه, تصبح الحاجة متجددة لكلا البلدين الى حل سياسي سلمي ديمقراطي شامل متفاوض عليه بين كافة مواطني البلاد بمختلف مكوناتها العرقية والجهوية والعقائدية والسياسية . حاجة البلدين لمؤتمر يشمل كل أطياف البلاد من أجل بداية بناء البلدين من جديد على أسس المساواة والحرية والإخاء , أو مشروع بناء السودان الجديد شمالا وجنوبا.