بعد ان تعمد حزب المؤتمر الوطني الحاكم إلهاء الساحة السياسية السودانية بخطاب البشير الذي جاء مخيبا للآمال وخاويا من أي مضمون حقيقي للإصلاح،

عاد هذا الحزب وبسرعة قياسية إلى خطابه الاستفزازي للشعب السوداني ليؤكد مجددا ان لا استعداد لدى هذا الحزب لأية تغييرات على مستوى خطابه وسياساته،

فالرئيس البشير صاحب (الوثبة)  أكد في خطابه أمام مجلس شورى الوطني  عدم تأجيل الانتخابات، وطالب الأحزاب السياسية بالاستعداد لها، ودعاها الى تجهيز ما أسماه بمواعين الوثبة! والانتخابات التي يتحدث عنها الرئيس هي بكل تأكيد انتخابات (تجديد البيعة له ولحزبه الحاكم) مثل انتخابات 2010 م ، بل سوف تكون أضل سبيلا، لان دائرة الحرب الأهلية الآن اوسع بما لا يقاس من عام 2010 ولم يشترط الرئيس لقيام الانتخابات تحقيق سلام عادل وعودة ملايين المواطنين السودانيين الذين شردتهم الحرب بين لاجئ ونازح ليشاركوا في الانتخابات المزعومة، كما لم يخاطب الرئيس أيا من مخاوف السودانيين المشروعة جدا من اخطبوط الأساليب الفاسدة الذي حتما ستلتف اذرعه على العملية الانتخابية من بدايتها الى نهايتها في ظل حزب شمولي مسيطر على مفاصل الدولة بخدمتها المدنية والعسكرية، ومسيطر على الاقتصاد، ومحتكر لأجهزة الإعلام، ويحمي احتكاره للفضاء الاعلامي والسياسي بقوانين مقيدة للحريات، وبجهاز امن متحكم في الصحف والقنوات التلفزيونية والإذاعية، ومتحكم في أنشطة وتحركات الأحزاب السياسية التي يطالبها البشير بالاستعداد للانتخابات وهي لا تستطيع بحسب القوانين السارية  إقامة ندوة في حي شعبي دون إذن وتصديق مكتوب من الاجهزة الامنية والشرطية التي تقع تحت سيطرة حزب البشير! ليس هذا فقط بل ان جهاز الأمن ووفق الصلاحيات الفضفاضة المخولة له يستطيع إيقاف اية فعالية لهذه الأحزاب حتى داخل دورها!

كل هذه المعطيات تدل على ان حديث الرئيس عن الانتخابات ما هو إلا ضرب من ضروب الاستفزاز للشعب السوداني والاستخفاف بعقله وذاكرته، وهذا الاستفزاز تزيد وطأته على المواطنين السودانيين في مناطق الحروب الذين يروعهم قصف الطيران الحكومي ويفزعهم دوي المدافع والدانات، ويتسولون طعامهم وشرابهم ودواءهم وكساءهم من المنظمات الدولية، بينما تتحدث الخرطوم عن عدم تأجيل الانتخابات! ولا يوجد منطق لهذه الممانعة في تأجيل الانتخابات في بلد يعاني الملايين من سكانها من “تأجيل كل شيئ في حياتهم الإنسانية” بسبب الحرب سوى منطق إصرار البشير وحزبه على التشبث بالسلطة وانعدام الإرادة لإيجاد حل سياسي شامل للقضية السودانية، حل يبدأ بالاعتراف بحجم الأزمة و يرقى لمستوى تعقيداتها، ومثل هذا الحل لا يمكن تدشينه بمسرحية انتخابية جديدة! بل يبدأ بتحقيق السلام وبحزمة من الترتيبات الانتقالية التي تجعل البلاد مهيأة لخوض انتخابات حقيقية، ولكن الحزب الحاكم ما زال بعيدا كل البعد عن قبول مثل هذا الحل، وما زال متماديا في استفزازه للشعب السوداني، وكل يوم يحرج المراهنين على التسوية السياسية معه بأقوال وأفعال تهزم منطق التسوية.