بقلم: م/ وائل عادل حلقت بنا الطائرة عالياً، وتنحت السحب جانباً كي نتجاوزها إلى ارتفاعات شاهقة.. كان يجاورني شخص يركب الطائرة لأول مرة.. تشكلت على قسمات وجهه علامات السعادة والتعجب.. قال لي : "كان حلمي ركوب الطائرة"..

قلت: “هذا ليس صحيحاً… أنت تعيش حلم غيرك”. لقد تخيل عباس بن فرناس البشر يطيرون، وزار المستقبل ثم عاد ليخبر قومه أنه رأى الناس تطير، كان يبدو الأمر حينها جنوناً، لكننا اليوم نعيش حلم ذلك الحالم، إننا ونحن نركب الطائرة، لا نفعل أكثر من أننا نعيش حلم شخص آخر.

وسنكتشف – إذا تأملنا – أن معظم حياتنا لا تتجاوز تحقيق أحلام آخرين، فعندما تعتلي بسيارتك جسراً، أو تركب قطاراً يسير تحت الأرض، ستجد أنك تعيش أحلام من رأوا الناس يسيرون معلقين في الهواء، أو يختصرون الطرق تحت الأنفاق، لقد بذل أولئك الحالمون جهدهم حتى يقتحم الخيال بوابة الواقع، فطوعوا الواقع ليذعن للحلم.

وعندما تتقدم للعمل في شركة كبرى، فإنك في الواقع تحقق حلم صاحب هذه الشركة، الذي تخيل شركته ممتلئة بالموظفين النشطين، وأرادها قبلة المتميزين، فتعود لتفتخر أنك تعمل في شركة عظمى، وما دريت أنك تفتخر بحلم غيرك.

ونلحظ نفس الفكرة في عالم السياسة، فالشعوب المقهورة تعيش أحلام الديكتاتوريات، التي تخيلت يوماً ما سجود الشعوب لها، فحققت الشعوب المذعنة ذلك الحلم، ونالت الديكتاتوريات ما أملته في السيطرة، وسنجد بعض الدول الضعيفة تعيش حلم دول كبري، وتنفذ دور التابع، وهو الدور الذي حددته لها هذه القوي في حلمها، حين اختارت الهيمنة حلماً.

وإذا افتقدت أمة ما القدرة على الحلم فستظل تعيش أحلام أمم أخرى، وهؤلاء الذين ينادون بالواقعية “وفن الممكن” على اعتباره فن الاستسلام للظروف؛ لم يدروا أن أحلامهم ليست خارج نطاق الممكن، فنحن الذين نحدد “الممكن” بتجربتنا، وهل كان من الممكن في عقولنا أن يسير شخص في الشارع يعلق قطعة معدنية في أذنه، ويكلم الآخرين، ويجري اتصالاته من أي مكان؟؟!!.

والجنون هو الصفة الأساسية التي ينعت بها الحالمون، فالرسل وصفوا بها، وقتل علماء قالوا بكروية الأرض في وقت كان يعتقد أنها مسطحة، إن الحالمين هم زوار المستقبل، الذين يكسرون التصور الحاكم “البارادايم” في عصر ما، ليردموا الفجوة بين الممكن والمستحيل. مستعلين على قيود الواقع، مدركين أن حلول مشكلاته تأتي من زيارة المستقبل، وأن الضغوط لا ينبغي بحال من الأحوال أن تقيد العقل، أو تعتقل فيه ملكة التخيل، كانوا يتخيلون شكل المستقبل الجديد، ثم يعودون به إلى الواقع.

يمكن أن نجمل جوهر الصراع في الحياة بأنه صراع الأحلام، فصاحب الشركة الكبيرة يتأذى منك إن وجدك ستخرج من أسر حلمه لتؤسس شركتك وتبني حلمك المستقل، ورئيس الحزب سعيد برؤية أتباعه يدورون في فلك حلمه، ويخشى من خروج عضو بفكرة حزب جديد، يحمل حلماً جديداً، والديكتاتوريات وقوى الاستكبار تحتكر حق الحلم، وترد بقسوة من يحلم بعالم العدل والحرية، بل وتوهم العقول باستحالة الحلم.

إننا في دنيا الأحلام نجد البعض يحلم، ويوزع الأدوار على الآخرين في حلمه، والبعض الآخر يحاول الخروج من أسر دور فرض عليه في حلم غيره، وآخرين قتلت عندهم ملكة الحلم، واستسلموا للقيام بدور في حلم غيرهم، والبعض اختار أحلام الآخرين بوابة يطلق من خلالها حلمه..

ترى هل نحسن صناعة الأحلام أم سنظل نعيش أحلام الآخرين؟؟!! متى نحلم لأنفسنا؟؟!! متى ننهي احتكار الحلم؟؟!!