كِن أوبالو – (كرستيان سينس مونيتور)   ترجمة: علاء الدين أبو زينة يوم 15 (يناير) 2014، اعترف الرئيس يوري موسيفيني أخيراً بأن قوات جيش الدفاع الشعبية الأوغندية منخرطة في عمليات قتالية في دولة جنوب السودان.

وفي وقت سابق، مباشرة في أعقاب التداعيات السياسية في جوبا وتصاعد وتيرة القتال بين القوات الموالية للرئيس سلفا كير وبين القوات المؤيدة لنائبه السابق ريك ماشار، كان موسيفيني قد هدد مشار بالقيام بعمل عسكري ما لم يأت إلى طاولة المفاوضات ليتفاوض مع سلفاكير. وقد تسبب تورط موسيفيني العسكري في الصراع بصعود المخاوف ومشاعر القلق في نيروبي وعواصم أخرى في المنطقة.

أولاً، ربما يفضي تدخل الجيش الأوغندي في الصراع إلى مزيد من تعريض اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم توقيعه يوم 23  (يناير) 2014 في أديس أبابا لخطر الفشل.

ومع أنه يفترض في الهيئة الإقليمية متعددة الحكومات للتنمية “إيقاد” أن تكون وسيطاً ومراقباً محايداً في الصراع، فإن ميول موسيفيني الواضحة إلى الحكومة في جوبا ربما تفضي إلى الشك بحيادية “إيقاد” في جهود الوساطة.

لأسباب تاريخية، تخشى الخرطوم تورط كمبالا العسكري في جنوب السودان. لكن الأمر مختلف قليلاً وأكثر تعقيداً هذه المرة.

وكان الرئيس السوداني قد مد مسبقاً يد العون لجوبا ضد مشار، ربما لسببين: أولاً، لأن الخرطوم تحتاج مساعدة جوبا في إضعاف تمرد الحركة الشعبية لتحرير السودان (قطاع الشمال)، التي ما تزال ناشطة في منطقتي النيل الأزرق وجنوب كردفان، وهي مناطق تقع على حدود جنوب السودان.

ثانياً، يحتاج البشير إلى الحفاظ على تدفق النفط من أجل درء الفوضى عن بلده وإبقائها محصورة داخل جنوب السودان، في ضوء التدهور المتسارع للظروف الاقتصادية هناك.

لا يشكل استعداد كير للتضحية بالفرع الشمالي من الحركة الشعبية لتحرير السودان والإلقاء بها تحت الحافلة، أي مفاجأة، خاصة أن هذا الفرع ينتمي إلى جماعة “اولاد قرنق” (معظمهم من حملة درجة الدكتوراة)، والذين كانوا يتمتعون بمكانة خاصة في حركة جون قرنق الشعبية، على عكس كير والآخرين.

وتقاسم مالك عقار، زعيم الفرع الشمالي من الحركة الشعبية لتحرير السودان، رؤية قرنق لسودان موحد بعد أن يتم إصلاح البلد، وهو موقف يتناقض أساساً مع فكرة انفصال الجنوب.

لكن الخرطوم لا تريد في نفس الوقت وجود جنوب سودان فائق القوة وخال من المتمردين، حيث سيؤدي التوقف التام للنزاع في جنوب السودان إلى سلب الخرطوم وسائلها التي تبقي على جوبا تحت السيطرة. ويمكن أن يساعد تورط أوغندا في ترجيح كفة الميزان لصالح جوبا في مواجهة الحلفاء المحتملين للسيد البشير.

في الأثناء، تتصاعد المخاوف في نيروبي وأديس أبابا بسبب مطالبات أوغندا بوجوب قيام “إيغاد” بتسديد فاتورة مغامرات قوات الدفاع الشعبية الأوغندية في جنوب السودان.

وتفضل كل من إثيوبيا وكينيا تسوية النزاع على طاولة المفاوضات، فيما يعود في جزء منه إلى حقيقة أن القوات الأمنية لكلا البلدين مفرطة في التمدد بسبب الجماعات المحلية المسلحة والعصابات المحلية والحرب في الصومال.

وقد أوضحت كينيا بشكل قاطع أنها لن ترسل قوات إلى جنوب السودان، حتى تحت مظلة “إيغاد”. ويتناقض الحذر في نيروبي وأديس أبابا في مسألة تقديم قوات أو أموال للتورط العسكري في جنوب السودان بحدة مع اختيار كمبالا للعمل العسكري منذ اللحظة التي اندلع فيها الحريق الحالي في جوبا، على الرغم من حقيقة أن لأوغندا أيضاً قوات تعمل في الصومال. كل هذا ما يثير السؤال: ما الذي يفسر نزعات أوغندا المغامراتية في ظل حكم موسيفيني؟.

تكمن الإجابة في التقاء التاريخ، والجغرافيا السياسية الدولية، وسياسات أوغندا الداخلية، حيث تشكل أوغندا واحدة من أكثر الدول عسكرة في أفريقيا، ويتمتع فيها الجيش بتمثيل مباشر في البرلمان (10 مقاعد).

كما أنها ذات نزعة تدخلية أيضاً، ولها تاريخ من الانخراط القتالي ودعم الجماعات المتمردة في ست دول مجاورة -بوروندي، وجمهورية أفريقيا الوسطى، وجمهورية الكونغو الديمقراطية (زائير سابقاً)، ورواندا، والصومال، وجنوب السودان.

في الآونة الأخيرة، كانت هذه الدولة مدافعاً رئيسياً عن فكرة المزيد من التكامل داخل مجموعة شرق إفريقيا. وفي االحقيقة، يتخيل الرئيس الأوغندي موسفيني نفسه رئيساً محتملاً لاتحاد سياسي يضم مجموعة شرق أفريقيا في حال تحقق إنشاء المجموعة في يوم من الأيام.

كما  تشكل أوغندا أيضاً لاعباً رئيسياً في المنظمة الإفريقية للاستجابة الفورية للأزمات “أسيرك”، وهي قوة استعداد مقترحة، تمتلك قدرة نشر قوات بسرعة في بؤر التوتر في أفريقيا (ويضم المؤيدون الرئيسيون الآخرون للمشروع كلاً من جنوب أفريقيا، وتشاد، وتنزانيا).

موسيفيني وجنوده الصغار

هناك جذور عميقة لنزعة الرئيس موسيفيني العسكرية ونظرته للتدخلات الدولية. عندما كان طالباً شاباً في تنزانيا، كان منخرطاً في منظمات المنفى المعارضة لعيدي أمين.

وفي الحقيقة، كان جيش المقاومة الوطني لموسيفيني قد بدأ باسم جيش المقاومة الشعبي في تنزانيا. (وفي وفاء لجذوره التنزانية، استعار جيش المقاومة الوطني فكرة المفوضين السياسيين من الجيش التنزاني لتثقيف المدنيين في مثلث لويرو) “المحرر.

لدى تواجده في تنزانيا، وحتى بعد عودته إلى أوغندا، أقام موسيفيني صلات إقليمية حافظ عليها حتى بعد أن ارتقى إلى سدة السلطة في العام 1986 – بما في ذلك مع باول كاغامي في رواندا، وجون قرنق في السودان، وقادة جبهة تحرير موزامبيق. وقبل التمرد ضد كيغالي، كان كاغامي يعمل رئيساً للاستخبارات العسكرية لدى موسيفيني. كما قدم موسيفيني الدعم للحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة قرنق.

ما إن أصبح في السلطة، حتى منح موسيفيني لنفسه صفة الضامن للسلام والاستقرار في أوغندا. وقد قيم الكثيرون (في الداخل والخارج على حد سواء) أداءه بمقارنته بالسنوات الكارثية تحت حكم عيدي أمين والحرب الأهلية التي أعقبته.

وتميز السلام الناجم (ولو انه اقتصر على جنوب البلد) باستقرار نسبي للاقتصاد الكلي، حيث وصل معدل النمو نحو 6 % في معظم عقد التسعينيات. وجعل ذلك موسيفيني شخصية مفضلة لدى الجهات المانحة الغربية والمؤسسات المالية الدولية.

مع ذلك، بقي سجل موسيفيني في شؤون الديمقراطية وحقوق الإنسان مريباً وموضع شك، وهو ما وضعه في موقف حرج أمام الغرب، خاصة أن فترة التسعينيات شكلت ذروة الترويج للديمقراطية الليبرالية الغربية.

وقد استجاب موسيفيني لذلك بذكاء، وعمل بدأب ليجعل من أوغندا لاعباً استراتيجياً في الجغرافيا السياسية للمنطقة الأوسع. ومن أجل الحفاظ على مكانته الدولية وتأمين موقفه محلياً، جهد موسيفيني لتعزيز أهمية أوغندا بالنسبة للغرب.

موسيفيني يدخل كامبالا

منذ بداية التسعينيات، تورطت أوغندا عسكرياً في عدد من الدول المجاورة. وأثار دعمها لحركة قرنق الشعبية لتحرير السودان غضب الخرطوم التي قامت على الأثر بدعم جيش الرب للمقاومة في شمال أوغندا.

وفي وقت لاحق، شن الجيش الأوغندي غارات ضد قواعد جيش الرب للمقاومة في السودان، بينما كان يعرض المساعدة القتالية على الحركة الشعبية لتحرير السودان.

وعلى سبيل المثال، شهدت معركة العام 1997 في ياي جنوداً أوغنديين يقاتلون إلى جانب الحركة الشعبية لتحرير السودان ضد القوات المسلحة السودانية. وكان حول ذلك الوقت حين زُرعت بذرة التدخل العسكري المستقبلي في الخارج عند مطلع القرن (هذه المرة في الصومال تحت راية بعثة الاتحاد الأفريقي الممولة من الغرب، للمساعدة في تحقيق استقرار البلاد).

بعد أن صنف الرئيس الأميركي بيل كلينتون السودان كدولة راعية للإرهاب، وضعت أوغندا نفسها كحليف في الخطوط الأمامية للـ”الحرب العالمية على الإرهاب”. وعملت كمبالا كوسيط لمساعدة الولايات المتحدة للحركة الشعبية لتحرير السودان، وبالتالي زيادة تعزيز الروابط العسكرية بين الولايات المتحدة وأوغندا.

ومن الملفت أن أوغندا كانت في العام 2003 من بين عدد قليل من الدول الأفريقية التي دعمت الحرب على العراق بقيادة الولايات المتحدة. وقد عمل نحو 20.000 أوغندي في القواعد العسكرية للجيش الأميركي في العراق (كانت تلك أيضاً أداة ممتازة لخلق فرص العمل، وطريقة لجني العملات الأجنبية).

حتى هذا الوقت، كانت أعقد المغامرات العسكرية الأوغندية هي التي حدثت في ديمقراطية الكونغو الديمقراطية (زائير سابقاً). وقد تضافر خليط من الموقع الجيوسياسي الاستراتيجي مع الحاجة إلى تأمين أسواق للبضائع الأوغندية، وجشع القطاع الخاص، والسياسات المحلية، ليدفع غزو أوغندا لجمهورية الكونغو الديمقراطية.

كانت حرب الكونغو الأولى (1996-97) سريعة، وهدفت إلى مساعدة لوران كابيلا في الإطاحة بموبوتو سيسيكو (كما ساعدت في ذلك رواندا وأنغولا أيضاً).

وبعد ذلك بوقت قصير، اختلفت أوغندا ورواندا مع كابيلا، مما تسبب في نشوب حرب الكونغو الثانية (1998-2003)، والتي شاركت فيها أربع دول أفريقية أخرى.

وكان عندئذ حين انهارت الواجهة الزائفة لفكرة التدخل من أجل حفظ الاستقرار الإقليمي تماماً. فقد استغل القائدان الأوغندي والرواندي عمليات التهريب القائمة وشبكات التجارة شبه الشرعية عبر الحدود، لتنظيم عمليات سلب ونهب واسعة النطاق للموارد الطبيعية في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية (تكثفت المنافسة في وقت لاحق بين الجيشين، ما أدى إلى نشوب “حروب كيسانغان).

على سبيل المثال، وعلى الرغم من إنتاجها 0.00441  طناً من الذهب فقط في العام 2000، صدرت أوغندا ما يقدر بحوالي 11 طناً. ويشير تقرير للأمم المتحدة إلى إنشاء جنرالات يتمتعون بصلات جيدة (بمن فيه الأخ غير الشقيق لموسيفيني) كيانات مقرها في كمبالا بهدف تسهيل التجارة غير المشروعة.

ومن المهم ملاحظة أن تسامح موسيفيني مع الأنشطة شبه المستقلة لجنرالاته كان خياراً استراتيجياً، حيث خلَق العوائد من خلال الكيانات القائمة في كمبالا وأبقى الجنرالات سعيدين، وأفضى إلى عدم حدوث تصدعات داخل الجيش. وفي واقع الأمر، جرت ترقية العديد من المتورطين في وقت لاحق.

بالإضافة إلى ذلك، يعكس تورط أوغندا الحالي في جنوب السودان أيضاً منطقاً متعدد الوجوه لنزعة المغامرة العسكرية الدولية لدى أوغندا. وتجعل التحالفات التاريخية مع الحركة الشعبية لتحرير السودان ضد جيش الرب للمقاومة والقوات المسلحة السودانية من كامبالا وجوبا رفيقتين طبيعيتين. لكن التدخل يتعلق أيضاً بتأمين الأسواق للسلع الأوغندية.

وفقاً للأرقام الصادرة عن بنك أوغندا، بلغ مجموع صادرات البلد إلى جنوب السودان في العام 2012 ما يقدر بنحو 1.3 مليار دولار. ويعمل حوالي 150.000 أوغندي عبر الحدود، بالإضافة إلى عدد لا يحصى من المنتجين البدائيين في الحقل الزراعي، الذين يستفيدون من التجارة عبرالحدود مع جارتهم الشمالية.

هذه الأرقام أعلاه تفسر جهود موسيفيني في الماضي القريب من أجل بناء صورة لنفسه كصانع قوة إقليمي، حيث يترأس محادثات السلام بين جمهورية الكونغو الديمقراطية ورواندا والمتمردين في جمهورية الكونغو الديمقراطية في الشرق؛ ويتدخل في الصومال لدعم الحكومة في مقديشو؛ ثم في أحدث الفصول، يصطف عسكرياً إلى جانب كير في صراع جنوب السودان السياسي والعسكري المحلي.

على الصعيد المحلي، ما تزال قبضة موسيفيني على السلطة قوية كما كان حالها دائماً. وقد عملت التعديلات والمناقلات الأخيرة في الجيش على إقصاء شخصيات موروثة قوية (“أبطال حرب الأدغال” الأصليون)، وهو ما ترك موسيفيني (وابنه) مسيطريَن بقوة على القوات المسلحة في أوغندا. وليس ثمة نهاية مرئية في الأفق لنزعة المغامرة العسكرية الدولية لأوغندا.

في نواح كثيرة، شكلت نزعة المغامرة الدولية الأوغندية أنموذجاً للتحرك في الزوايا الضيقة. فالبلد محاصر باليابسة، وله جيران تخضع أراضيهم الحدودية للقليل من السيطرة والحكم، وتوفر قواعد خلفية نادرة للجماعات المسلحة الأوغندية.

كما تحتاج كمبالا أيضاً إلى المساعدات الغربية من أجل الحفاظ على بقاء النظام الحاكم، وهو وضع يحتم القيام بما يلزم لتأكيد الموقع الجيوسياسي، خاصة فيما يتعلق بمسألة “الحرب العالمية على الإرهابوصيانة السلام والاستقرار الإقليميين.

بالإضافة إلى ذلك، يعمل اكتشاف النفط على طول الحدود المعرّضة للصراع في جمهورية الكونغو الديمقراطية في بحيرة ألبرت، والحاجة الناجمة إلى خطوط أنابيب توصل إلى البحر لتصدير النفط الأوغندي، على الدفع بالبلد نحو المزيد من التدخل الإقليمي.

وهكذا، وبينما تعود نزعة المغامرة الخارجية الحالية لأوغندا إلى تاريخ موسيفيني الغريب بشكل أساسي، فإنه يصح القول أيضاً أن ذلك  البلد سوف يستمر – حتى بعد موسيفيني (وهو أمر ما يزال بعيداً في المستقبل )- في الاضطرار إلى النظر إلى ما وراء حدوده من أجل متابعة الفرص الاقتصادية، والأمن، والمكانة الإقليمية.

 *نشر هذا التقرير تحت عنوان: Why is ?Uganda’s Army in South Sudan