محمد بدوي في العام 2005 و بضاحية نيفاشا –الكينية أجبرت أرادة المجتمع الدولي طرفي الصراع في السودان حكومة الخرطوم أو (حكومة حزب المؤتمر الوطني) من جانب والحركة الشعبية لتحرير السودان بشقيها السياسي والعسكري  على التوقيع النهائي لاتفاقية عرفت فيما بعد باتفاقية السلام الشامل

والتي لا تزال تمثل دستورا لجمهورية السودان بعد ان سحبت منها النصوص المتعلقة باستحقاقات  الحركة الشعبية لتحرير السودان سابقا و دولة جنوب السودان كأجراء طبيعي للمتغيرات التي افرزتها  تطبيق الاتفاقية في بنود الاستفتاء في العام 2011  الخاص بالسودانيين الجنوبيين و السودانيين المنحدرين من اصول جنوبية بغض النظر عن مكان أقامتهم في جمهورية السودان و كذلك جاءت انتخابات العام 2010 لتعيد سيطرة حزب المؤتمر الوطني على  هامش المشاركة التي حظيت بها أحزاب المعارضة السودانية.

من خلال التوطئة السابقة قصدت ان اشير الى ما اوقف الحرب  التي دارت رحاها منذ امد بعيد بين الطرفين لكن اشدها ضراوة بدأت منذ العام 1983 بعد ان اصبح للحركة الشعبية لتحرير السودان وجودا منظما و بعدا  دبلوماسيا  اكتسبته من الاعتراف بها من بعض دول الإقليم ودول خارجها (اصدقاء وداعمين اساسيين)..

اضاف  انضمام سودانيين تنحدر اصولهم من الشمال السوداني آنذاك (جمهورية السودان حاليا )  منح  الحركة بعدا دبلوماسيا و نأي بها من التوصيف بكونها حركة قبلية او انها حركة يدور برنامجها  لتحقيق مكاسب تنموية بالضغط على حكومة الخرطوم  بل اكتسبت بشكل كبير ومن وقت مبكر  صفة (حركات  الكفاح المسلح)  و قد لا يرى الكثيرون ان الحركة قد استفادت من ذلك الامر بانها استطاعت ان تتحرك دبلوماسيا في مساحة واسعة اقليميا ودوليا  مما مكنها ان تصمد في وجه الجيش السوداني ولاحقا في مواجهة الجيش السوداني مدعوماً بمليشيات المؤتمر الوطني (الدفاع الشعبي والدبابين)  و المقاتلين الذين اجبروا قسرا على القتال تحت وطأة الاختطاف من الشوارع والاسواق فيما عرفت في مدن السودان الشمالي بـ(حملات الخدمة الالزامية).

بل في بعض المرات استطاعت الحركة ان ترسل رسائل سياسية مدروسة الى المجتمع الدولي عبر عمليات عسكرية نوعية مثل الهجوم على مدينة كسلا –بشرق السودان  وقبلها  محاولة خلق وجود بإقليم دارفور بغرب السودان  عبر حملة ابرز قوادها يحيى داؤود بولاد في العام 1991 الذى غادر الحركة الاسلامية السودانية لينضم الى الحركة الشعبية لتحرير السودان  وبالرغم من تحرك الخرطوم سريعا و اعدام يحيى داؤود بولاد بعد القبض عليه ظنا أنها بذلك ستخمد  ذلك التحرك لكن ظلت جذوة تلك الحملة  تضرب جذورها بإقليم دارفور لتزداد ضراوة  في العام 2001 قبل ان يعلن قادة من دارفور قرار مواجهة حكومة المؤتمر الوطني عسكريا  لتمضى الاحداث بسرعة فائقة لتتمدد احلام الحركة المسلحة الاولى من حلم تحرير دارفور الى افق سياسي اوسع لتصبح حركة تحرير السودان في محاولة نظرية للناي بنفسها من حركة مطالب تنموية  الى مصاف حركات الكفاح المسلح.

ولعل اكتساب صفة حركة الكفاح المسلح قانونا يتم اكتسابها بطرق متعددة وفقا للقانون الدولي والتي ترتفع اهميتها الى انها تعطى مشروعية للحركات المسلحة بانها حركات ذات مطالب مشروعة وكما اسلفت بانها تتخذ اشكالاً متعددة لكن تستند تلك المشروعية على واقع عملي يمكن تلخيصه في قبول الدول في الجلوس  و التفاوض مع تلك  الحركات و شرطا اخر هو قبول  هذه الحركات الى التعامل مع الصليب الاحمر في تسليم الاسرى عبرها فهنا ترتفع وصفا في القانون الدولي من كونها حركة متمردة الى حركة كفاح مسلح وهى تعطى الكثير من المشروعية.

اتفاقية السلام الشامل كانت احدى المحافل التي شغلت العالم اجمع بل اخذت من الوقت ما يوازى تعقيد الازمة وطول امدها وقد ساهم ذلك في اعطاء الوسطاء والمسهلين فرصة لمعرفة الطرفين وقدراتهم عن قرب بل ساعد  كثيرا في تذويب بعض عثرات التفاوض فالحركة الشعبية للتحرير  رغم قائدها المحنك د جون قرنق ديما بيور لم يكونوا فرسان تفاوض محترفين ليس تقليلا من شانهم ولكن لطبيعة الحركة العسكرية والسياسية.

و رغم ذلك اكاد اجزم ان د. جون كان من القلائل الذين رأوا مكاسب الاتفاقية فانه حين التوقيع  (الحركة لن تخسر في كل الفروض بنهاية الفترة الانتقالية ) فان سار الامر الى سودان موحد فهو خطاب سياسي التزمت به الحركة الشعبية في معظم الخطابات التي تطرقت للأمر .

و يظل الافتراض الثاني ايضا يحقق مكاسب للحركة الشعبية في حال لم ترغب حكومة المؤتمر الوطني في الوحدة فبديهيا لا احد سيصوت للبقاء على من لا يرغب فيه.

من ناحية اخرى طول البال احد سمات حركات التحرر الوطني التي تقسم العام وفقا لفصول السنة لتتمكن من التعامل معه في ارض المعركة بالمقابل فان حكومة الخرطوم او حزب المؤتمر الوطني كان به الكثير من تضخم الذات والاستعلاء و عدم اكتراث فحتى ذلك الوقت (قبل توقيع الاتفاقية)  كانوا يرددون علنا بانهم لن يتنحوا عن الحكم قبل تسليمها لعيسى، فتلك العقلية كانت تضع العقبات و تطيل امد التفاوض لتصدر  صحف الخرطوم الموالية للنظام السياسي في اليوم التالي بخط يساند ذلك لا تخرج في  مجملها اللغوي عن (الشيطان في التفاصيل) في رسالة  للشعب السوداني لكن الوسطاء كانوا هم الاسعد بها فهي اتاحت لهم من الوقت و المتابعة في تتبع كيفية تفكير وفد حزب  المؤتمر الوطني المفاوض، و للدلالة على ذلك حين تعنت الدكتور غازي صلاح الدين حينما كان رئيسا لوفد التفاوض على محور  فصل الدين عن الدولة  تم استبداله بالأستاذ على عثمان محمد طه و لم يصور الامر على انه ضغط خارجي من الوسطاء بقدر ما احتفت اروقة الشارع  بان على عثمان اراد ان يظهر على الخط بعد ان مهد له غازي ثلثي المشوار.

فمن هذا الموقف تنفس الوسطاء الصعداء فهم قد عرفوا كيف يمكن فهم “سايكلوجية” حزب المؤتمر الوطني، فحين تضغط على ابقاء نسب المشاركة السياسية للطرف الاخر بنسبة 28% لم يدركوا بان الامر لا علاقة له بالنسب كغاية  بقدرما  هو اختراق  و اختبار قبل به المؤتمر الوطني على التنازل من جزء من السلطة شمالا وكل السلطة جنوبا ليصل الوسطاء الى نتيجة نهائية بان  حزب المؤتمر الوطني لا يحفل بأي اقليم خارج الخرطوم طالما سيظل زمام الامر بيده فالخرطوم هي مركز السلطة والثروة.

سبق وان ذكرت في الفقرة عالية بان د. جون اعتبره من القلائل الذين  كان لهم فهم عميق للاتفاقية واضيف اليه د. رياك مشار,هذا الافتراض جاء على مواقفه  التي اشارت الى الفهم الفلسفي العميق لما استندت عليه الاتفاقية وهى (سياسة المفاضلة) والتي أعتبرها الخلفية التي تستند عليها سياسة الولايات المتحدة الامريكية تجاه الكثير من النزاعات في افريقيا .

سياسة المفاضلة التي انبنت عليها الاتفاقية تؤيدها رغبة الولايات المتحدة الامريكية في احداث استقرار بجنوب السودان من جانب ومن جانب اخر الابقاء على حزب المؤتمر الوطني  بنسخته الاسلامية وليست العسكرية  في السلطة لانهم اثبتوا انهم افضل من يمكن ان يصبح عميلا استخباراتيا عن اوضاع الحركات الاسلامية في القرن الأفريقي  و الشرق الاوسط.

في العام 2004 هبطت طائرة  بمطار الخرطوم  لتقل رئيس جهاز الامن والمخابرات الوطني آنذاك المهندس صلاح قوش لينتهي به الامر داخل مبنى ال سى اى ايه بالولايات المتحدة وبيده كل الملفات التي تحوى معلومات عن الحركات الاسلامية  الصديقة و الحليفة للحركة الاسلامية السودانية في الشرق الاوسط و القرن الأفريقي .

اذا حينما وصفت  د غازي صلاح الدين في محور  العلمانية ادرك الامريكان تحديدا انه ليس الرجل المناسب فالتقط على عثمان الرسالة التي تجعله مكان قبول واحتفاء المجتمع الدولي فالرجل تلميذ الدكتور حسن الترابي الذى علمه اجادة ازدواجية المواقف فما كان يقوله ابان زياراته للدول الغربية يختلف تماما عن ما كان يطلقه بالمجان داخل السودان ووسائل الاعلام المحلية.

ولعل ذلك صادف هوى اخر لدى على عثمان فهو يقترب من رمزية الحكمة التي تفضلها الدول الغربية في القادة الاسلاميين باعتبارها نمطاً من المرونة فقاد التفاوض وهو قدم التنازلات التي تخدم حلمه ليصبح زعيما للحركة الاسلامية بجانب تقدمه الحثيث ليجعل من الرئيس البشير مجرد رجل عسكري لا يحسن لعبة السياسة وعينه مركزة  لإكمال ما تبقى من خطته لإزاحته بعد ان قطع نصف المشوار بالانقلاب على شيخه و سلطته في العام 1999 التي كانت مهارتها التنظيمية تعتمد على مبدا التبعية له كمنظر و زعيم فعلى للحركة الاسلامية وحاكم من الظل .

لكن في اعتقادي  ان على عثمان  رغم تجربته التنظيمية الطويلة داخل الحركة الاسلامية كان يعطى جل مقدراته للحفاظ على القفزة التي اطاح بها بشيخه ولم ينتبه بتركيز الى ان الخلفية الفلسفية لاتفاقية السلام الشامل في محصلتها النهائية صيغة تفاضلية استندت على تشعب الازمة بين الدولة السودانية شمالا والحركة الشعبية جنوبا  في تقاطعات عميقة زاد من وحلها الغطاء الديني الذى حاولت الحركة الاسلامية منذ انقلابها في 1989 أن تصبغها على الحرب الاهلية وقد فات علي الرجل  ان حركة الراهن العالمي آنذاك مع ارتفاع مد ظاهرة العولمة افرزت واقعا دوليا جديداً من مخرجاته تنامى الاحساس باحترام حالة حقوق الانسان وارتفاع عدد المناصرين للحقوق الشخصية التي  تتقاطع بشكل كامل مع محاولة الصبغة (الجهادية) للصراع .

لذا جاءت اتفاقية السلام الشامل تعمل على مفاضلة وقف الحرب  مقابل اقتسام السلطة والثروة – الاعتراف بانتخابات 2010 وبالبشير رئيسا  مقابل و ان يتم استفتاء جنوب السودان بشكل سلمى بل ابعد من ذلك ففي العام 2010 حين  تضامنت  قيادات الحركة الشعبية للمناوئين لإجازة قانون الامن الوطني آنذاك و تطور الامر لاعتقالهم  ظهر د رياك مشار نيابة عن الحركة الشعبية لتحرير السودان ليتفاوض مع حزب المؤتمر الوطني لينتهي الحال بالمصادقة على القانون و الافراج عن القادة المعتقلين في سيناريو لا يخرج من ان الحركة الشعبية ليست وكيلا عن شمال السودان، بل يجب ان تنظر جنوبا الى حيث الدولة الجديدة في استيعاب من د. رياك مشار لفلسفة الاتفاقية التي يجب الا يتم الافتراض بانها ستحدث او تنحاز لأى من الطرفين بقدرما ما يجب التركيز و النظر الى مخرج آمن كلما  احتدم الاحتقان بين طرفيه.

استفتاء حق تقرير المصير في العام 2011  الذى كان عمل الساسة وقادة الحركة الشعبية بان يمضى نحو تأسيس دولة جديدة  (دولة جنوب السودان الحالية) مستندين على موقف شريكهم (حزب المؤتمر الوطني)  و فشله في جعل الوحدة جاذبة كان  على عثمان طه  اخر قادة حزب المؤتمر الوطني يحط الرحال  بمدينة جوبا قبل ايام قلائل من بدء الاستفتاء الذى اشارت كل الدلائل انه في حكم المرجح سيسير نحو الانفصال .

فالرجل قد خطط بذكاء بان يرسل رسالة سياسية للمجتمع الدولي مفادها   لقد بذلت المستحيل حتى اخر لحظة كرجل سياسي من الطراز الاول لكن سبق السيف العزل.

يمكنني القول ان على عثمان طه   كان ينظر لانفصال الجنوب كخطوة استراتيجية لان بقاء السودان موحدا في ظل مشاركة الحركة الشعبية للسلطة  ستضعف فرصه في قيادة الحركة الاسلامية لعدة اسباب  الاول ان اتفاقية السلام تسير بنودها ضد تكريس هيمنة سياسية ذات صبغة اسلامية استنادا على كثير من البنود كالمادة 38 (وثيقة الحقوق ).

السبب الثاني قد يتحالف البشير و مجموعته من العسكريين  ضد مشروع الحركة الاسلامية تحسبا لانقضاض قادم من على عثمان بسيناريو اشبه بالذي دفع بشيخه حسن الترابي إلى الرصيف .

السبب الثالث  تمثل فيه الحركة الشعبية المحور المهدد ان سار الامر الى تحالفها مع حركات الكفاح المسلح المنحدرة من اقليم دارفور فيصطدم ايضا مشروع الحركة الاسلامية  ككل بتحالف قوى سياسيا وعسكريا فتجربة داؤد يحيى بولاد لاتزال حاضرة كوجه للمقاربة و كمحاولة قد تبادر بها الحركة الشعبية.

انتبه البشير ومجموعته   للدور المتعاظم الذى كان على عثمان محمد طه يحاول  عبره توطيد علاقته بالمجتمع الدولي ليصبح محور الارتكاز فبعد توقيع اتفاقية السلام برزت المحكمة الجنائية الدولية حيث تعامل معها على عثمان و صلاح قوش المدير الاسبق للأمن الوطني  باستقبال وفود المحكمة في وعى تام و قدموا لهم افادات قادت سريعا جدا الى شعور المحكمة باقترابها من لعب دور اكبر في الصراع بدارفور فاستندت على تلك الوقائع التي لم يعرها البشير والمقربين منه ادنى اهتمام فيما ظل  على عثمان وقوش يمارسون برود اعصاب كبير.

الا ان الحال تغير سريعا ليلتقط البشير القفار  ويبدأ تعاملا مباشرا مع المجتمع الدولي عبر توجيه رسائل تتلخص في ابراز نفسه المحور المسيطر على الاحداث قاطعا الطريق امام اى تدخلات تعزز موقف على عثمان او صلاح قوش في المضي قدما  لتسويق انفسهم كقادة سياسيين محترفين يمتلكون الحد الادنى من اللغة التي  يمكن بها مخاطبة المجتمع الدولي و لعب دور سياسي مفصلي يصم ما يفعله الرئيس البشير بالتخبط السياسي و فقدان البوصلة لكن رسائل  البشير  هدفت إلى قلب الموازين ،

ليبدا دور على عثمان طه في الانزواء عند هذه المرحلة زاد عليها الهمس الذى وصل الى الشارع في صيغة التخوين بانه سبب هذه الازمات ولم يسلم من ذلك دوره في التوقيع على اتفاقية السلام الشامل التي اكتشف البشير و مجموعته انهم عاجزون عن فهم صيغتها الفلسفية التي انبنت كما اشرنا إلى المفاضلة.