تتواتر التقارير الدولية بشأن تفاقم المأساة الإنسانية الناتجة عن الحرب في كل من جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق ووصولها الى درجة الكارثة الإنسانية، فماذا نحن فاعلون؟

و(نحن) هذه تشير الى كل القوى الحية في الشعب السوداني، من منظمات مجتمع مدني، وأحزاب سياسية، والمبدعين السودانيين من أدباء وفنانين وكتاب ومثقفين وإعلاميين، وتنظيمات شبابية ونسوية، والأندية الرياضية،

 فالسودان من أكثر بلاد العالم تعرضا للمآسي الإنسانية المترتبة على الحروب الأهلية، ورغم ذلك فإن الحساسية تجاه هذه المآسي تتسم بالضعف الذي كثيرا ما ينحدر الى درجة اللامبالاة! وكأننا لسنا شعبا واحدا! نسمع يوميا أخبار قصف الطيران الحكومي للمدنيين، ونزوح ولجوء مئات الآلاف مفزوعين الى معسكرات بائسة تفتقر الى أبسط مقومات الحياة الإنسانية، كما نسمع عن موت الأطفال يوميا بسوء التغذية، وعن وحش الجوع الذي يهدد بافتراس الآلاف، ورغم كل ذلك تتعنت حكومة المؤتمر الوطني في قضية فتح معابر آمنة لوصول الإغاثة الإنسانية الى المحتاجين!

دون أدنى شك  يتطلب كل ذلك من قوى السودان الحية  تسجيل موقف تضامني كبير مع ضحايا الحرب الأهلية، يبدأ بتعريف الشعب السوداني بحقيقة ما يجري في تلك المناطق ومدى معاناة سكانها، ثم يستقطب الدعم المادي للمساهمة في جهود الإغاثة، وينظم احتجاجات قوية ضد سياسات الحكومة تجاه تلك المناطق، ابتداء من الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الانساني أثناء الحرب، وصولا الى عرقلة الإغاثة الإنسانية.

لا يليق بالشعب السوداني ان يكون غائبا او مغيبا باستمرار عن التفاعل الإيجابي مع قضايا إنسانية ملحة في جزء من وطنه، وعن التضامن مع اخوته في الوطن وهم يعانون من خطر الموت جوعا، ويكابدون ويلات النزوح الجماعي والتشرد والامراض. في وقت تتعاظم فيه مخاطر التفتييت للوطن الواحد.

سؤال تاريخي يواجه الشعب السوداني: هل نحن شعب واحد أم عدة شعوب لا يأبه بعضها بالبعض الآخر؟ وهل نريد السودان واحدا ام عدة سودانات؟ الاجابة على مثل هذا السؤال تتطلب أفعالا ملموسة على الأرض لا أقوالا معلقة في الهواء. فلو كنا نريد السودان وطنا واحدا، كان من واجبنا منذ الحرب الاهلية في الجنوب قبل انفصاله تنظيم الانشطة الخيرية دعما لضحايا الحرب، وتنظيم المسيرات السلمية الداعية للسلام، وبعد انفصال الجنوب كان من واجبنا ان لا نكرر الخطأ مع دارفور ثم جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق، ليس مستحيلا احياء الفنانين السودانيين لحفلات والتبرع بعائدها لإطعام الأطفال في دارفور او جبال النوبة، وليست معضلة دعوة زعماء الأحزاب السياسية وشيوخ الطرق الصوفية والقيادات الدينية لقواعدهم من اجل التبرعات المادية لمساعدة جرحى الحرب الاهلية في جنوب النيل الأزرق، وتنظيم نشطاء حقوق الإنسان والادباء والمفكرين والسياسيين  لفعاليات مشهودة لإدانة الحرب وانتهاكات حقوق الإنسان في تلك المناطق ليست معجزة،

لقد غابت المبادرات الشعبية لإعادة اللحمة الى النسيج الوطني الذي تم تمزيقه مع سبق الإصرار والترصد من قبل النظام الحاكم، فهل يأخذ السودانيون بزمام المبادرة انقاذا لما تبقى من أمل في الوحدة الوطنية!