محمّد جلال أحمد هاشم* الفقه الحداثوي والعلاقة بين الدّين والدّولة مقدّمة شغل أمر العلمانيّة المسلمين بخاصّتهم وعامّتهم منذ بداية القرن العشرين إلى يومنا هذا دون أن تنفصم عرى المجادلة والنّقاش. في السّودان يمكن أن نرجع بالجدل حول علمانيّة الدّولة من دينيّتها إلى ما بعد  منتصف القرن العشرين واستشراف مرحلة الاستقلال. وقد كان لبروز حركة الإخوان المسلمين دور كبير في إثارة غبار الجدل والنّقاش ببرفعهم لمطلب أن تكون الدّولة إسلاميّة.

بهذا تشكّلت مسألة إسلاميّة الدّولة على أنّها مقابل لعلمانيّتها. وهذا لبس لا يزال ملموساً إلى الآن. وغالباً ما يعود وجه الالتباس إلى منطلق ومنهجيّة وجهات النّظر. في مناقشاتنا أدناه سوف ننطلق من فرضيّة تقول بعلمانيّة الدّولة أصلاً كونها مؤسّسة معنيّة بإدارة شئون الحياة الدّنيا، وليس الحياة الأخرى. ولكن لا يعني هذا زعمنا أو مناداتنا بفصل الدّولة عن الدّين، في حال كون الدّين معنيّاً بالضّمير. هذا مع جواز، بل مطالبتنا بفصل مؤسّسات الدّولة عن المؤسّسات الدّينيّة، لكن ليس عن الدّين.

المعروف عن الطّبقة المتعلّمة السّودانيّة في بداياتها، أي منذ بواكير القرن العشرين، أنّها كانت متعلمنة ظاهراً وليس جوهراً. تلك كانت علمانيّة قاصرة، إذ قامت على تجاهل أمر الدّين، وعلى هذا جاء مجمل سلوكها الاجتماعي على أنّه متحرّر من، وغير ملتزم بالدّين وفقما هو مأثور من حيث السّلوك الفردي والعام. إذ كانوا في عمومهم دون خصوصهم يعاقرون الخمر، كما كانوا متساهلين في اتّباعهم للفروض الدّينيّة التّعبّديّة من صلاة وصوم إلخ. وعلى هذا، بدلاً من أن تسعى تلك الطّبقة، نظريّاً وعمليّاً، التي رادت الحداثة ضربة لازمٍ بحكم ريادتها للتّعليم وفقما رفدت به التّجربة الاستعماريّة، لتوطين سلوكها الاجتماعي ذاك دينيّاً باختطاط فقه يسمح لهم بأن يكونوا على حالتهم تلك، خاضوا في سلوكهم ذاك باعتباره سلوكاً منفلتاً من الزّاوية الدّينيّة النّظريّة. وعلى هذا جاء سلوكهم الفردي متحرّراً من أحكام الدّين دون أن يملكوا أيّ تنظير يعفيهم من المسئوليّة الأخلاقيّة لمفارقتهم للسّلوك التّقليدي. وهذا هو ما نعنيه العلمانيّة القاصرة، وهي التي أورثتنا ما نحن فيه من هوس ديني، ذلك لأنّها في مجافاتها للدّين تستبطن انهزاماً أخلاقيّاً إزاءه يتمثّل في تسليمها بالنّقائض النّظريّة لسلوكهم. وعلى هذا أصبح لدينا سلوك اجتماعي غير ديني بحكم اندياحه بين طبقة كاملة من المجتمع، في معنى أنّك لا تلمس فيه أيّ انعكاس لموجبات سلوكيّة دينيّة، من قبيل الحرص على الصّلاة، أو عدم شرب الخمر، أو حتّى غياب مفردات الخطاب الدّيني الاجتماعي من حوقلة وحمدلة ممّا يجري مجرى الدّين الشّعبي العام. كما يغيب الدّين أيضاً في تجلّيات السّلوك المادّي من زيّ وملبس، مثل الخمار للمرأة والجلباب القصير بالنّسبة للرّجل، ممّا نراه الآن في سلوك مجموعات دينيّة، أصوليّة، كالوهّابيّة ومن جرى مجراهم.

إزاء هذه العلمانيّة القاصرة وقفت في الجانب الآخر النّقيض منها حركة دينيّة أصوليّة، بدأت أوّل أمرها بسيطة، قليلة الخطر، ثمّ أخذت في التّنامي بطريقة المتواليات الهندسيّة حتّى استشرت وطغت، وتجسّمت في حركات الهوس الدّيني المعاصر. وبمثل ما كانت تلك العلمانيّة قاصرة من حيث تجاهلها للدّين، جاءت هذه الحركة الدّينيّة أيضاً قاصرة، إذ انكفأت على موجبات السّلوك الدّيني الظّاهري الذي تجاهلته تلك العلمانيّة. وتكمن ظاهريّة هذه الحركات الدّينيّة في إمكانيّة ملاحظة سلوكها عياناً بياناً بالعين وباللسان، من حيث تتبّعها الظّاهري للدّين في عين نصوصه القرآنيّة ومنطوقات السّنّة، ثمّ مأثور الفقه، دونما تعمّل فكري عميق.

أمّا العلمانيّة التي ندعو إليها فهي علمانيّة راشدة كونها تقوم بتأسيس سلوكها الفردي (وبالتّالي السّلوك الاجتماعي ككلّ) على تنظير الدّين الشّعبي بغرض إعلائه إلى مصاف السّلوك الدّيني القائم على مذهبيّة فقهيّة. أيّ أنّ تجلّيّات السّلوك الذي يبدو كما لو كان متعارضاً مع الدّين بحجّيّة مفارقته لاتّباعيّة الفقه التّقليدي يتمّ تشريعه (أي شرعنته) داخل منظومة فقهيّة دينيّة ذات أساس نظري قوي بها يتمّ تشريع الحداثة في تجلّيّاتها المعروفة بما لا يتعارض مع الدّين.

العقل العِلماني

العقل العِلماني هو ذلك الذي يُخضع كلّ شيء للمنطق الرّياضي الصّارم (1+1=2)، ولهذا ننظر إلى العِلمانيّة على أنّها صيغة نسبة من العِلم، وليس صيغة نسبة إلى العالَم لا تجري على القياس. يختلف العقل العِلماني (انظر محمّد أركون، 1996أ؛ 1996ب) تماماً عن العقل الدّيني، هذا دون أن يكون العقل الدّيني دالاًّ على الدّين بالضّرورة. ويعود الاختلاف بينهما إلى الفرق الرّئيسي بين المنطق الذي يجري عليه الدّين من حيث استناده على النّصّ الدّيني وبين العلم من حيث استناده على النّصّ التّاريخي. فالنّصّ التّاريخي، كما سلفت إلى ذلك الإشارة، يعتمد على المنطق الرّياضي، وذلك من حيث تطابق حدوده مع حدود الحقيقة. أمّا النّصّ الدّيني فلا يقوم على هذا المنطق بطبيعته إلاّ في حال تفكيكه وتحويله إلى نصّ تاريخي، أي بوصفه تفسيراً للنّصّ الدّيني. فالنّص الدّيني يقوم على الرّمز والإشارة، وبالتّالي يعتمد على الحدس، الأمر الذي يسمح بتشكّل الإيمان. من المؤكّد أنّه يمكن للإيمان أن يعتمد على المنطق الرّياضي في بعض وجوهه، إلاّ أنّه في جوهره تسليم بنتيجة متحصّلة عبر الحدس، وبالتّالي الإيمان، وهو أساس الاعتقاد.

ولا نعني حصراً بمصطلح “العقل الدّيني” منسوبي الحركات الدّينيّة بالضّرورة. إذ يمكن أن ينشأ فكرٌ ما وفق منهج عِلماني بحت، ثمّ ينتهي الأمر بمنسوبيه للخضوع إلى العقل الدّيني في اللحظة التي يحوّلون التزامهم بفكرهم هذا إلى معتقد. فجميع الذين ينتمون إلى حركات فكريّة عقائديّة ينتمون إلى العقل الدّيني، وليس العِلماني، ولو كانت حركاتُهم تقوم على فكر إلحادي. كما يمكن لحركات دينيّة أن تعمل بعقل عِلماني، على دينيّتها، طالما كانت تُخضع فكرها لمنطق العلم الصّارم.

ولكن، ألا يحمل قولنا هذا تناقضاً؟ إذ كيف يمكن أن يكون هناك فكر ديني عِلماني طالما كان يستند على الإيمان، وهو شيء لا يقوم على الدّليل العِلمي المعملي؟ هذا هو مربط الفرس في منظورنا كلّه! فمسألة الإيمان بالله، أو الإيمان بالآخرة، وعذاب ما بعد الموت، أكان ذلك متعيّناً أو رمزيّاً من قبيل ما ذهب إليه محمّد إقبال، إلخ، جميعُه ممّا يقوم على الإيمان، ولا يحتاج المرء لإقامة الدّليل عليه كيما يؤمن به. قد يرفض شخص ما التّسليم بهذا ما لم يقم عليه الدّليل، لكن ليس هذا شرطاً لازماً لجميع الذين يؤمنون به. هذا فضلاً عن استعصاء قيام الدّليل المادّي عليه. ولكن إذا جئنا إلى الدّين المحض (مثّلنا له بالإسلام الدّين) من حيث هو ضمير يحكم المعاملة بين النّاس، وبالتّالي ارتكازه على مكارم الأخلاق، وأن يعمل الإنسان أقصى ما في جهده ليُمسك عن الآخرين شروره مقابل أن يفعل كلّ فرد في المجتمع الشّيءَ ذاته، عندها يصبح من المهمّ، بل من الضّروري أن يطوّر الإنسان من ملكات عقله العِلماني. وكذلك في حالات الدّين الدّولة (مثّلنا له بالإسلام الدّولة في الفصل الخامس)، يحتاج الإنسان إلى تطوير وإعمال العقل العِلماني كيما يُقيم قوانين الدّولة وفق معياره الأخلاقي والمنفعي سويّاً، بمثل ما تبنّت أوروبّا المسيحيّة أحد أهمّ سمات القضاء الإسلامي القائم على الشّورى (انظر الفصل السّادس أدناه).

* مجتزأ من الفصل الرّابع من كتابي: منهج التّحليل الثّقافي: الفقه الإسلامي الحداثوي