محمد بدوي  كان واضحا من المجتمع الدولي واصدقاء الايقاد وكل المسهلين الذين انتظموا خلف اتفاقية السلام الشامل ان نهج تعاطيهم مع الازمة بين الخرطوم والحركة الشعبية يركزعلى القضايا التي اندرجت في اجندة النقاش بترتيبية وقف الحرب بين الشمال والجنوب،

كأولوية  و فرضية وضع الحصان امام العربة فيما يختص بالعلاقة السياسية بين طرفي الاتفاقية الرئيسين ومن ثم التركيز بذكاء عال على ايجاد مخرج آمن بعد انقضاء الفترة الانتقالية لكلا الطرفين لا يخرج من ديناميكية فلسفة  منهج الاتفاق عبر صمام الاستفتاء.

لكن بالمقابل تم النظر الى منطقتي جبال النوبة و النيل الازرق كمسألة تأتى في ترتيب لاحق حيث ان نجاح التعاطي السياسي وفقا لنسب الاتفاقية يمكن اخذه كمدخل لفرض واقع المفاضلة والنسبية  في المنطقتين في تعاطى نظري سليم لكنه افتراض مبنى على المرونة التي ابداها طرفا الاتفاق في المراحل المتعلقة باقتسام السلطة والثروة دون التفكير في ان الفرضية في مجملها مبنية على نجاح العلاقة بين طرفي الاتفاق ستنفذ الى روح النصوص و لن تركن الى عوائق تقلل من حيويتها .

وبناء على التقديرات النظرية لم تحصن النصوص المقترحة حول منطقتي جبال النوبة والنيل الازرق بضمانات كافية في الاعتبار ان كثيرا من بنود التفاوض الشفهية تركت لحسن الظن او (الالتزام الأخلاقي) الذى مثله نيابة عن حزب المؤتمر الوطني على عثمان وعن الحركة الشعبية لتحرير السودان د. جون قرنق لكن اقصاء على عثمان بواسطة البشير ومجموعته ووفاة د جون قرنق اعاد  وضع المنطقتين الى حافة الهاوية فلم تفلح صيغة المفاصلة ان تصمد كثيرا مع تقلب الحال داخل حزب المؤتمر الوطني..

جنوب السودان و اتفاقية السلام الشامل

كما اسلفت فان المتابع قد يدرك ان د. مشار هو احد القلائل بعد د. جون قرنق فهما للبنية الفلسفية للاتفاقية حين ذكر بقية طاقم قيادات الحركة الشعبية لتحرير السودان انظارهم  بالمضي قدما وفقا لظاهر النصوص دون التريث لأدراك هل  كانوا يسيرون في الاتجاه الصحيح؟.

لمناقشة الامر لابد ان نلقى الضوء على قضية مفصلية  قد تقود للإجابة . لعل انفصال الجنوب الذى جاء نتيجة لاستفتاء عام  2011 لم يتم التحضير له الا على المستوى السياسي  الذى كان ينظر الى التصويت بنعم للانفصال هو الانجاز المطلوب مهملين ان الفترة اللاحقة للانفصال يجب ان تسير بذات وتيرة فلسفة الاتفاقية التي تتطلب نظاماً سياسياً اشبه ما يكون بالتمثيل التوافقي لكل فئات شعوب جنوب السودان والنظر للفترة ما بين الانتخابات و انتخابات 2015 كفترة انتقالية يجب ان تدار فيها الامور بحصافة للخروج الى الفضاء الديمقراطي وفق فلسفة تجعل من تلك الفترة حيزاً زمنياً لترتيب البيت الجنوبي عبر برنامج للعدالة الانتقالية في نسختها التي تتوافق  مع احوال جنوب السودان  فهي مرحلة الشفق التي كان يجب ان تعيرها  حكومة الجنوب اهتماما بالغا فالدولة الوليدة ظلت تشتعل فيه النيران منذ 1955 شاركت جميع شعوبها في مناهضة ذلك واصطلوا جميعا بنيرانها فالبدء ببرنامج يعيد الاعتبار لجميع شعوب الجنوب و عبر المضي لتقدير دور الجميع وتوجيه الامتنان لهم على ما قدموه على السواء والاعتذار  الحقيقي للمظالم التاريخية التي ارتكبت من بعض المكونات تجاه الاخرى و خلق حالة من الاعتذار و قبول الاخر كان يمكن ان يزيل الغبن المتراكم تحت الرماد بين بعض المجموعات و يمهد الطريق لبناء دولة مؤسسات يكون الجميع شركاء فيها على الحد السواء .

كما ان مشاريع الاهتمام بقدامى المحاربين والتخطيط لمشاريع تنموية  بشكل جماعي على غرار انها مشاريع جبر الضرر واعادة التقدير المعنوي لكل ما حدث كان هو المدخل المعقول لجعل جميع شعوب جنوب السودان تستشعر انهم مواطنون اصلاء و ان علاقتهم ببعض وعلاقة الجميع بالدولة تتجه للنظر  بسقف وطني تجاه مجمل  القضايا.

لم يحدث كل ذلك بل تدهور الامر لتبرز ازمة البترول بين دولة الجنوب و المؤتمر الوطني , ففي لحظة تناسى الجنوب ان الاتفاقية جوهرها المفاضلة ليتخذ موقفا  مشاترا لا جذور لها بقفل انابيب البترول دون التفكير في خطط بديلة قبل الاقدام على ذلك لتبدأ جوله جديدة من المتاعب التي احدثتها محاولة التغريد المبكر خارج السرب دون التفكير في ان التعاطي مع تلك الازمة.

اغفال الانتباه الى ضرورة  العدالة الانتقالية  والتي من مزاياها انها ترتب البيت الداخلي وتمنح  الدولة قوة دفع مستندة على تفويض الشعب، جعل الامر يسير نحو التعقيد لتبرز ظواهر التوتر ومحاولات التشكيك في ولاء بعض القادة السياسيين

و في ذات النسق فان احداث جونقلى القبلية في العام 2012 و ضحت الحاجة للعدالة الانتقالية حيث ان جهود الحكومة في نزع السلاح من القبائل المتحاربة لم يكن سوى سيناريو اعقبه حصول اطراف النزاع على ذات العدد من الاسلحة بعد فترة قصيرة فعاد الحال ينذر بالخطر ثانية ليصطف الجميع في حذر قابل للانفجار في اى وقت.

و من الاشياء التي خلقتها البداية المرتبكة لحكومة جنوب السودان هو تنصلها عن نصوص الاتفاقية التي أتاحت لها الوصول الى السلطة في تعاملها مع الاحزاب المعارضة التي حاربتها وضيقت عليها الخناق لتبدا مرحلة جديدة من دكتاتورية الحزب الحاكم في نسخة تحمل ختم  دولة جنوب السودان.