د.عمرو عباس القارىء:  لست ناقداً ادبياً. اذن اقترابي من اية رواية هو اقتراب قارىء، انفعالاتي، مشاعري تجاهها و ماذا تتركه الرواية من اثر. بدأت قراءة الروايات منذ عقود، من قصص كامل كيلاني، ارسين لوبين، روكامبول، مجلات الصبيان، سمير وميكي وغيرها.

اتجهت بعدها لروايات إحسان عبد القدوس، يوسف ادريس، فؤاد احمد عبد العظيم، نجيب محفوظ وغيرهم. اقتربت من الكتاب الاوربيين الكلاسيكيين من مثل شارلز ديكنز، اوسكار وايلد، فكتور هوجو  وغيرهم مع سلسلة لونقمانز، وكانت سلسلة مختصرة لروايات طويلة باللغة الانجليزية في المدارس الوسطى والثانوية. مع دخولي عالم السياسة بدأت التعرف على ادب الكتاب الروس من تولستوي، تشيخوف وحتى جوركي وغيرهم.

المرحلة الاخرى في عالم الرواية (بعد ان كانت قصة طويلة لها بداية، شخصيات، احداث ونهاية) جاءت مع رواية اولاد حارتنا لنجيب محفوظ، ثم الطيب صالح فى موسم الهجرة إلى الشمال وضو البيت لتجرنا إلى عالم مختلف من الكتابة. رافقها تعرفنا على روايات امريكيا اللاتينية، وكان مدخلنا اليها: مائة عام من العزلة لجارسيا ماركيز. كل هذة الروايات اتخذت خلفية ما “حارتنا في اولاد حارتنا، قرية الشمالية في موسم الهجرة إلى الشمال وماكوندو مائة عام من العزلة“.

كل هذة الروايات اتخذت خلفية وبنت عليها احداث الرواية، ولانهم لديهم مواقف وانحيازات يودون الحديث عنها فقد اتخذوا “الخيال هو في تهيئة الواقع ليصبحَ فناً“، كما عبر ماركيز. لم يكن من مفر سوى أن يبني الروائيين العظام عالماً خيالياً وغرائبياً ليعبروا عن الواقع، لانهم اذا تناولوها في قصة فسوف تصبح منشوراً سياسياً او في افضل الحالات قصة كلاسيكية تمتاز بعمق الشخصيات. الخيال لدي هؤلاء جميعاً يلعب دوراً في اخفاء ما يودون الحديث عنة من حديث مباشر إلى تفكيك للعناصر المختلفة فى هذا الكائن الخفي. كانت مدينة أو قرية ” ماكوندو” قلب ومركز أغلب أحداث مائة عام من العزلة، غطّاء للحرب الأهلية بين اللبراليين والمحافظين وتطور قرية ماكوندو التدريجي من مجرد قرية صغيرة بائسة إلى مدينة شهدت أولى معالم النمو الرأسمالي، نشوء طبقة عمالية وبداية إضرابات العمال والقتل الجماعي.

في العشرين سنة الماضية رغم شرائي لكثير منها، فقد تحدد تعاملي معها وهي ان الرواية الجيدة التي تستحق القراءة، التي اقرأها في جلسة واحدة او متتابعة في عدة جلسات، وربما فاتتني روايات عديدة من توجهي هذا. لفتتني ابنتي إلى عبد العزيز بركة عندما تم منع عدة روايات للكاتب اثناء عرضها في معرض الخرطوم للكتاب عام 2012. وجدت رواية “الجنقو مسامير الأرض” وقرأتها وكنت اعدها من ضمن افضل الروايات التي قرأتها. اتيحت لي قراءة العديد من روايات عبد العزيز اثناء اشتراكي في معرض الشارقة للكتاب وكان انطباعي العام أننا امام روائي مجيد من العيار الثقيل. ربما ما جذبني اكثر في رواية عبد العزيز، غير اللغة، الحبكة الدرامية، العوالم الغرائبية التي يصفها بدقة وعمق شديدين، البحث المضني الذي يقوم به لكتابة رواية. ولانني اقرأ الرواية من منطلق تكويني العلمي فانني من الذين يبحثون في اي رواية عن دقة المعلومات والوصف الواقعي للمكان، اذا كان هناك مكان.

لقد كانت لي نفس التجربة عندما عملت طبيباً عمومياً في مليط بدارفور (سبتمبر 1985- مارس 1986) وبدأت في كتابة رواية “السندلوبة” والتي استغرقت مني حوالي العشرة اعوام  (http://www.sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=87&msg=1164753635&rn=1). لقد اضطررت لقراءة اغلب ما كتب عن دارفور انذاك (من ناختيقال، التونسى، سنادة، لادسلاف هولى، اوفاهي وغيرها من المصادر التي توفرت لي آنذاك). غير هذا فقد انثنيت في اقامتي الثانية (1989-1990)، مديراً للخدمات الصحية بالفاشر للقيام بزيارات لمعظم الاقليم، الحديث مع سكان اغلب المناطق ودراسة معمقة للوضع السياسي الاقتصادي والإجتماعي.

الروائي

التقيت بعبد العزيز، لاول مرة، في معرض الكتاب بالقاهرة فبراير 2014، ضمن مجموعة من الشابات والشباب من المبدعين (رشا عوض، صالح عمار، فايز السليك، رانيا مامون وغيرهم). دار حوار في الجلسة وفي اتصالات تليفونية لاحقة وقد كان من نتائجها أن هداني لرواية مسيح دارفور، والذي اعتبرها اكثر تطوراً من الجنقو. وهكذا كان، فبعد أن تجاهلتها لعدة ايام اقبلت عليها ولم اتركها إلا بعد أن انهيت قراءتها في حوالي نصف ليلة.

من خلال محاثاتي مع الروائي علمت انة كتب الرواية بعد ان عمل في دارفور لفترة. أنا مآخوذ بشكل ما بدارفور منذ اقامتي بها وزياراتي لها فى عام 2012، اثناء عملي لتحضير وثيقة سياسات واستراتيجيات اعادة اعمار دارفور وهذة حكاية اخرى. ولهذا فقد استغرقني عالمها الذي نسجة عبد العزيز ببراعة فائقة. وكان اكثر ما جذبني – وانا الخبير بتأريخ، جغرافية، سكان وتشابكات علاقاتها- أنني وجدتني وجهاً لوجة امام روائي امتلك ناصية هذة المنطقة بكل تعقيداتها.

واجه الروائي مآزقاً اخر في مسيح دارفور. مأزق واجهتة الكتابة الروائية عندما ارادت الخروج من الكلاسيكية التي كانت تتحدث عن عوالم ارستقراطية، طبقات وسطي، او حتى عندما كتب جوركي عن الطبقة العاملة او الأوكراني الشهير نيكولاي أوستروفسكي كيف سقينا الفولاذ. روايات تعطينا عالماً من الخير و الشر والصراع بينهما، حيث هناك ضحايا وظالمين. هذا المأزق هو الذي اعطانا الكتاب العظام ما بعد السبعينات. عبد العزيز ينتمي بشكل إلى عالم الوسط وثقافتة وفي نفس الوقت ينتمي لهامش هذه الثقافة وتربي جزئياً فيها. وهو لديه موقف فكري وسياسي حول القضايا التي تؤرق مثقفي الوطن، بل يعبر عنها في حياتة ودخل السجون دفاعاً عن مبادئه.

هذه هي الخلفية التي انطلق منها روائياً. عندما كتب الروائي الجنقو مسامير الأرض، استوقف القراء بنقلهم إلى عالم لا يعرف عنه مثقفي الوسط شيئاً كثيراً. عبر عن هذا الاستاذ طلحة جبريل ” نقلتني الرواية إلى بيئة لا أعرف عنها شيئاً، وإلى مشاهد وصور، كتبت بعناية شديد، في بناء روائي متماسك“. من جانب آخر ” تعرضت معظم مؤلفاته للمصادرة حتى لقب في الأوساط الفنية بالزبون الدائم للرقيب“. برر المجلس الاتحادي للمصنفات الفنية والأدبية في الخرطوم قرارات الحظر لما تحتويه مؤلفاته من “مشاهد جنسية خادشة للحياء العام”. وعبر هو عن الرواية “هي ليست رواية سيرة ذاتية، ولكني اتخذت وسيلة سردية تجعل الرواية كما لو أنها رواية سيرة ذاتية… هنا استعير آليات كتابة السيرة الذاتية لكتابة العمل الروائي التخيلي، وفي ذات الإطار يفسر استخدام الحوار الذي هو أصلا أداة مسرح والتصوير من السينما والفن التشكيلي وهكذا“.

أن تكتب عن عالم مجهول لمثقفي الوطن شيء، وان تتناول قضية معروفة وتتناولها اجهزة الاعلام المختلفة المحلية والعالمية، شيء اخر. فمهما امتشق الروائي سيفه وشق بطن العوالم المختلفة في دارفور، فهي قد سبر كتاب آخرون غورها، تناولها الانثربولوجيون مراراً وحكاها المراسلون الصحفيون تكراراً. بجانب أن من يريد الحديث عن دارفور لابد ان ينطلق من موقف ايديولوجي ولا يمكنه الهروب من ذلك مهما كان حاذقاً. كان امام الروائي ان يستعمل كافة تكنيكاتة ويتوغل بنا في عوالم لم نطأها من قبل، متحاشياً المباشرة وان تتحول الرواية إلى قصة طويلة، او أن يجرب طرق اخرى مجازفاً ان تفلت منة قسمات ما يود ايصالة للقراء.         

الرواية

عندما انتهيت من قراءة الرواية، حوالي 214 صفحة، كتبت مابين عامى 2008-2012 وتجىء في 15 فصلاً غير الاهداء، كانت الكلمة المفتاحية التي لصقت في ذهنى، الموكب. بنى الروائي روايته، التي تتناول منطقة دارفور في السودان، والتي يمكن ان تكون في اي مكان آخر وقد وجد ما يجعل من روايةٍ عظيمةً. تجاوز ساكن محنة الخروج برواية فائقة الروعة، باختيار منطقة عرفها جيداً، اذ عمل في دارفور لفترة كافية، قرأ عنها ما كتبة الاخرون، سبر غور اناسها، دخل عوالمهم المغلقة بخبراته كما فعل في الجنقو، اختار شخصيات معقدة تلخص شخوص وفئات باكملها في الوطن، توغل داخلهم وفكك مشاعرها وتلمس كافة احاسيسها الرهيفة والعنيفة، الانسانية والحيوانية وغاص فيها عميقاً.

كل هذا لم يكن يخلق الرواية العظيمة، في أحسن حالاتها كانت لتكون رواية محسنة من الجنقو، تعطي المهتمين بدارفور حكاوي جديدة عن المآساة المرعبة التي تعيشها في صراع الحيوات. لو اعتمد عبد العزيز علي قدرتة على ايصال العوالم الغريبة لمثقفي الوسط، اختيار الشخصيات المعبرة عن الهامش وبنائها الدرامي او حتى اذا استورد كل التعابير الغريبة كانت ستظل رواية قصة طويلة. واجه الروائي ما واجهه الكتاب العظام عن كيف تتحول رواية تتحدث عن العادي الذي تتناولة الانباء، التقارير، شهادات السكان، نتائج التحقيق وغيرها إلى عمل أدبي يتجاوز المكان، الاحداث، الشخوص ليصبح عملاً ملحمياً، سوف يكون مشهداً يمكن ان تراه في كافة ارجاء الوطن، بل في اي مكان تدور فية احداث مماثلة.

عندما تصدى الروائي للاجابة علي الخروج من الرواية القصة إلى الرواية، لجأ لما استنة الروائيون العظام “الخيال هو في تهيئة الواقع ليصبحَ فناً“. الخيال هنا ليس خيال الاحداث او الشخوص، لكن مزيج من التراث الشعبي، الاسطورة، البنى الغريبة وتعبيرها عن عالم غير واقعي تماماً. الروائي، كاتب عرف بمواقفة الواضحة تجاة قضايا وطنة، لدية رؤية وتعاطف شديد مع شخصيات بعينها، مواقف بعينها، الطبيعة، المحيط الجغرافي في الرواية، لكن كان عليه ان يقنع القارىء انه يبني شخصيات ومواقف ولا يستعملها لتعبر عنه ومجرد معابر ليبثنا افكاره، مهما كانت نبيلة، او يستلبنا في مواقعه لأننا نتعاطف معها. لو كان قد فعل لكنت ازحت الرواية جانباً وتركتها.

المسرح الكبير الذي اختاره عبد العزيز كخلفية عامة، دارفور، ثم اختار المكان: ضلاية وخربتي وهما في ظني انعكاسان لمكان واحد، والشخوص: الحكومة (مجندي الخدمة الوطنية الإلزامية، الجنود النظاميين،  المجاهدين وحرس الحدود وهو الاسم الرسمي للجنجويد)، السكان من عرب وزرقة ومسيح دارفور أو إبن الإنسان. في داخل الشخوص تفصيلات عديدة سوف نتناولها لاحقاً. عندما اراد الروائي تحويل الرواية من قصة او حكاية إلى عمل روائي عميق وانساني، جاء إلى المشهد بتراث حضاري وثقافي يضرب في جذور السودان الغربي من دارفور إلى المحيط الاطلسي، النبي عيسى (ابوه من الزرقة وامه من العرب). لم يأت بابوجميزة او غيره لكن آتي بالتراث الاسطوري الصوفي الذي نسجتة الحكايات والروايات المتنقلة عبر العصور. فمريم الحبيبة هي نتاج انصهار هجرة اندلسية قديمة تصاهرت مع التنجور والفور، التي تستدعي قصة احمد المعقور من بني هلال. هذا العنصر هو الذي نقل الرواية من الحكاوي العادية التي ينسجها كاتب بارع إلى رواية متماسكة جعلتني امسك قلمي واكتب عنها.

الروائي في بناء الاحداث كان حذراً ان يجهر بأي رأي في شخوصه، لذلك لجأ لرواية الحدث من وجهات نظر عدة، بدون تدخل منه بقدر الامكان، رغم ذلك فقد فلتت منه أحياناً بعض هواجسه، مواقفه واختياراتة.   اختيار بعض الاماكن جاء موحياً مثل قرية ضُلايةالتي هاجمها الجيش الحكومي والجنجويد فأبيدت واستبيحت نساؤها وبناتها.. يسمونهم جهراً وفي أوجههم أمبايات، وهي بعربي دولة النيجر موطنهم تعني العبيد“. من ضلاية جاء جزء من شخوص الرواية، شارون وعبد الرحمن وغيرهم.  ضلاية كانت معادلاً موضوعيا لدارفور “أن أول أهداف ثورته هي تحرير مواطني قرية ضُلاية، ثم يضيف في يأس، لا يمكن أن تُحرر ضُلاية ما لم تُحرر دارفور كُلها“. القرية الاخرى هي خربتي (في الأصل كانت كلمتين: خور وبتي، أي خور بتي، وبتي ليست هي ابنتي كما بدراجة كثير من أهل السودان، ولكنه اسم فقيه، أول من أقام بهذا المكان. وهو الشيخ آدم كُويا فكي بتي هارون). وقد كانت خربتي مدخلاً للروائي ليرمي باطروحتة الاساسية ان دارفور هي مكان التعايش بين كافة العرقيات “لكي يثبت شيخ بني حسن حُسن النية ، كانت في صحبته ابنته الصغرى وعشر أخريات من بنيات العُمد والشيوخ وطلب تزويجهم في الحال لأعيان خربتي، وبالمقابل قام أهالي خربتي بتعيين اثنيي عشرة فتاة من بناتهم وتزويجهن لأعيان بني حسن، تم ذلك في احتفالية ضخمة استمرت أسبوعاً كاملاً، رقص فيها الجميع على إيقاعات طبول بني حسن ونقارة الفور معاً“.

عندما يتناول عبد العزيز الشخصيات لا يحاول مطلقاً اصدار احكامه، لكن يستخرج الاحكام من الاطراف المختلفة على بعضها. وهم في النهاية جميعها ضحايا بشكل او اخر، عدا المسئول الحكومي للسلطة المركزية والذي غرضه واضح بشكل ما للاطراف “الحرب بالنسبة للحكومة والجنجويد قد أدت غرضها بنسبة 90% وهو المتمثل في تهجير قبائل الدارفوريين إلى ثلاث جهات: المعسكرات إلى تخوم المدن الكبرى، مثل نيالا، الفاشر والجنينة وقد تبني لهم قرى نموذجية بتمويل عربي إسلامي يجبرون على الإقامة بها، وإما إلى دولة تشاد كلاجئين، أو للآخرة كموتى، وما تبقى من ال10% إما كرق في القرى التي يسيطر عليها الجنجويد، أو ينتظرون دورهم في الموت والتهجير لتحل محلهم المجموعات البشرية القادمة من النيجر وجمهورية تشاد تحت مسمياتٍ قبليةٍ كثيرةٍ“.

اذا كان الروائي قد حشد الرواية بممثلي الهامش “عبد الرحمن، خريفية، مريم، شيكيري توتو كوة، شارون وغيرهم“، فقد مثل الوسط بأيديولوجيا نراها تبرز احياناً ولها ممثلين من الجيش، الشرطة، تجار نيالا وكلهم بدون اسماء محددة، او حتى ادوار محددة. هذا مهم لأن المهم ما تفعله الايديولوجيا وليس من يفعله، فهي في النهاية نظام كامل.

ايضاً مثل الوسط بصوت محدد له قسمات محددة، وبناه في الرواية جزءاً أصيلاً منها. ابراهيم خضر ابراهيم، هو المثقف السوداني، الذي يجبر على خدمة أيديولوجيا لا يؤمن بها، يحارب في جبهات لايعتقد انه على علاقة بها. وهو غير مأمون الجانب من النظام الذي يخدمه ويُطَلَبَ من شيكيري أن يتحرى عنه، فهو شخص حاقد على الآخرين والمجتمع، لذا يتبنى الأفكار الهدامة، مثل الشيوعية والجمهورية وغيرها.             أيضاً المقاتلين لا يطمئنون له، فبينما يقبلون شيكيري في صفوفهم مقاتلاً يختار هو أن يكون أسيراً. بنى الروائي تطور شخصية ابراهيم خضر كمثال للمثقف السوداني بكل خصائصة، ايجابياتة ونقائصه، وتوغل داخله للحفر عميقاً حتى نراه منكشفاً تماماً. لذلك لم يهتم الروائي بمتابعتة بدقة في احداث الرواية، ولكن تفرس بشدة في تكوينه العرقي والاجتماعي وجعله رمزاً لسنوات قضية دارفور آنذاك (عشر سنوات).

تناول الروائي تأريخ ابراهيم خضر الاُسَرِي بشكل تفصيلي، وجعل بعض تناوله يتم عن طريق شيكيري، فهو كمعظم السودانيين خليط من قبائل سودانية وعربية، وأن جعل هذه الواقعة التأريخية اكثر قرباً، ليجعلنا اكثر تاثراً بالحدث “جدته المباشرة لها اسيادها الذين لولا الانجليز لكانوا لا يزالون تحت القيد، وأن جد إبراهيم هو ابن السيد، ليس يعني هذا أنه ابن غير شرعي، لأن أمه ما ملكت أيمان سيدها، وهذا حلال في الشريعة ولم يختلف عليه فقيهان“. ولكن ابراهيم ايضاً مثقل برغبة اسرته في الانتساب للجد اكثر من الجدة “وأن أهلهم في الزمان القديم كان لهم خدم وحشم ويبيعون ويشترون في العبيد كيفما شاءوا وكيفما اتفق”. الحبكة الدرامية الاكثر حيوية جاءت من موقف ابراهيم خضر من مسيح دارفور. فقد قبل ان يكون رسول النظام لتحديد هوية و آراء الرجل، وليس اكثر من ذلك، أي أن لاينزلق للتساؤل عن حقيقة دعواه. عندما التقى به وحاوره ” لم يكفر بالرجل، ولكنه لم يستطيع أن يؤمن به، ولو أنه اصبح من تابعيه، من أجل المعرفة”  

تناول عبد العزيز اخطر ظواهر الصراع في دارفور، الجنجويد. منذ البداية لايخفي الروائي موقفه منهم من خلال العديد من الشخصيات حتى شيكيري الذي جاء من منطقة لا علاقة له بها. استعمل الروائي اقسى الكلمات والجمل عند التعبير عنهم “ملابس متسخة مشربة بالعرق….شعور كثة تفوح منها رائحة الصحراء والتشرد….ليس من بينهم مدني، ولا متدين ولا مثقف….الفئة الغريبة… لا يعرف شيئاً عن الجنة او النار، يحارب من أجل هدف غامض…رائحته اشبة بالجيفة منها لرائحة الانسان….فصل رأس الطفل عن جسده تماما…أكل قطعة لحم نيئة اخرجها من ذات الجراب“. مع تصاعد الاحداث تصل العلاقة بين كافة اطراف الهوامش والجنجويد إلى اللاعوده، فقد طلبت عبد الرحمن من شيكيري في الساعة الأولى من الزواج “إما أن ينتقم لها، أو يساعدها على الانتقام، ولا خيار ثالث“. ثم يتطور الموقف إلى موقف عام من سكان المنطقة عبر عنها مسيح دارفور “اهون لجمل أن يدخل من ثقب إبرة من أن يدخل جنجويد ملكوت الله“. الجنجويد في الرواية، كما تشي الجملة السابقة، تتجاوز المجموعة السكانية المعروفة بهذا الاسم إلى ان تكون تعبيراً عن كافة صانعي الايديولوجيا العربية المبنية علي الدين. كثير من الاوصاف، التي ترد في الرواية، شبيهة بما استعملها النظام الحاكم او اطلقت على ممارسات منتسبيه “أبو دجانة… مسك الختام… وليس من بينهم مثقف، ليس من بينهم معلم أو متعلم، مدير، أو حرفي، ليست لديهم قرية أو مدينة، أو حتى دولة…. استبدال القيادات المجتمعية والشعبية المتوارثة بقيادات شبابية أسمتهم الأمراء…الغنائم  

بدأت الرواية بفصلها الاول المعنون طِرّ. قدم الفصل جميع الاطراف التي سوف نلتقي بها في الرواية، من الجندي، الجنجويد، صانع الايديولوجيا المتكئة على ديماجوجية مؤامرات اسرائيل وامريكا، ابناء الهامش وغيرهم. هنا تبدأ الرواية في الغوص في عالمها الخيالي، مسيح دارفور، باستدعاء إحياء الموتى، إذ من ريشة يقوم طائر “إذا به يرسم غراباً على الأرض، يضع الريشة في مكانها المناسب، بل الصحيح، تنمو بقية الرياش في أماكنها بالقرب من الريشة الأولى، تكتمل بنية الرياش، من ثم يظهر المنقار، القوائم، المخالب، إلى أن اكتمل الغراب…قال للغراب: طِرّ فطار الغراب“.

انتهت الرواية من احداث مآساوية، قاسية ومؤلمة، اغلبها احداث غير انسانية من القتل، التلاعب بمصائر البشر يرتكبها اطراف متعددة من هذه الشخوص التي تتلاقي في كافة منحنيات الرواية، واقع بائس لها في ذكرياتنا صدى وحكايات كثيرة، هذه الاحداث، الشخوص والاماكن قادتنا إلى أن ننتظر الموكب، الذي يمثل الامل أن نتجاوز به هذا الموقف التعيس والذي تعاني فيه كافة الشخوص في الرواية، مهما كان موقفنا منهم ومهما كانت درجة شراستهم واستلابهم. ” كانوا لا يدرون إلى أين يسير الموكب، ولكنهم كانوا يعرفون أنه يسير لوجهة ما وجهة كلها خير، إذا لم تكن نحو الجمال، فالموكب يدري وجهته. على الرغم من ثقل الصلبان كانوا يحسون كما لو أنهم يطيرون، يحلقون عالياً في السماء التي مثل أحضان أم عظيمة لا نهائية تضمهم إليها وتبتسم