د. عمر القراي (وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) صدق الله العظيم لقد انتشرت وسط الشعب السوداني، في الآونة الأخيرة، نكات المساطيل.. وأخذ الناس يضحكون لها، لما فيها من المفارقة، التي لا تجد تبريرها، إلا في ان من قال العبارة، أو فعل الفعل المفارق، هو شخص مذهوب العقل ..

ولقد بلغ السوء بوضع الوطن، والقائمين على أمره، هذه الحالة التي يحسبها من سمعها نكتة من نكات المساطيل، ثم ما يلبث بأن يفجع بأن ما حدث، ليس نكتة، وإنما هو عمل حقيقي، قام به مسؤولون، رسميون، في حكومة السودان !!

فبينما يموت الأطفال، من قصف الطائرات، في جبال النوبة، والنيل الازرق، وتتسول النساء الحرائر في شوارع الخرطوم، ويتظاهر مرضى الكلى، لعدم وجود ماكينات الغسيل في المستشفيات، ويحقق السودان أعلى رقم في الفقر، والجوع، والفساد، والاصابة بالأيدز، ويأكل سائر المواطنين وجبة واحدة في اليوم، وكثير منهم لا يجدها، يجتمع مسؤولون في قاعة الصداقة، في مسابقة لإختيار أجمل “معزة” وأجمل “تيس” في السودان !! فنقرأ ( احتضنت ساحة “قاعة الصداقة” الأكثر شهرة في تنظيم المؤتمرات الإقليمية والدولية بالسودان المسابقة الأولى لاختيار ملكة جمال الماعز في البلاد، حيث نالت اللقب عنزة أردنية. وأشرف على المسابقة وزير الزراعة بولاية الخرطوم بحضور عدد من ممثلي الدول العربية ومسؤولين ومهتمين بتربية الماعز بهدف تشجيع تربية الماعز الشامي، وإدخال سلالات جديدة للبلاد. واقتصرت بداية المسابقة على اختيار أفضل فحل وعنز شاميين بشروط، كالعمر والنظافة والطول وشيء من مزايا جمال تراها لجنة المسابقة) (حريات 14/2/2014م). ما هو الهدف الحقيقي من هذا العمل الطائش ؟! هل هو اخطار العالم، بأننا ليست لدينا أي مشكلة، وأننا مثل دولة السويد أو ولاية كلفورنيا بالولايات المتحدة، يمكن ان نقيم مسابقات جمال للكلاب، أو للجياد، أو للزهور أو للعطور ؟! ثم هل قيمة ” المعزة” في جمالها، أم هو في مقدار ما تدر من لبن ؟؟ وما دمنا مشغولين بالجمال لهذا الحد، لماذا لا نقيم مسابقة ملكة جمال السودان من النساء، بدلاً من أن تكون المعيز ؟؟ إن الرسالة التي يبعثها هذا العمل الأخرق للشعب، هو ان أمواله المنهوبة، في أيدي من يعبثون بها، ويسمنون بها المعيز، بينما الشعب عاجز عن سد رمق ابنائه .. ولو كان السيد وزير الزراعة رجل مسؤول، لأنشغل بما لحق من دمار بمشروع الجزيرة، الذي كان يأوي مئات الآلاف من المعيز والضأن، واصبح اليوم ينعق فيه البوم !!

وبينما كان المسؤولون، يتغزلون في جمال ” الماعز” و ” التيوس” في قاعة الصداقة في الخرطوم، كانت الكلاب الضالة الجائعة، في نواحي من أمدرمان، تأكل الاطفال !! فقد جاء ( قال محمد حسين فضل الله – عميد بشرطة الخرطوم – ان الكلاب الضالة أصبحت تأكل لحوم الأطفال حديثي الولادة. وحسب موقع “سوداناس” قال العميد محمد حسين في لقاء بالإذاعة الرياضية أمس الخميس، ان الكلاب الضـــالة “تجرّ” أطفال حديثي الولادة من وسط أكوام النفايات بعد تفريغها بالمكب في أطراف مدينة أمدرمان. وذكر في حديثه للإذاعة نقلاً عن أحد المهندسين إكتشافهم لتعطل  إحدى مراوح “كبس” النفايات بسبب وجود طفل حديث الولادة أدى إلى عدم دوران أجنحة المروحة. وأجرت الإذاعة إتصالاً بأحد سائقي عربات النفايات وتحدث عن عدة مواقف تعرّض لها، ومنها كشف أحد العاملين معه لطفل حديث الولادة بإحدى أكياس النفايات أمام  منزل بإحدى أحياء الخرطوم. وسبق وأكد تقرير حكومي رسمي العام الماضي، ان دار “المايقوما” للأطفال مجهولي الابوين تستقبل يومياً ما بين “2  الى 3″ أطفال. ووصل عددهم بين عامي 2007 – 2010 إلى  2824  طفل. وأورد التقرير ان عدد الأطفال بين عامي 2007 و 2010 وصل إلى 2824 وبلغت الوفيات بينهم 1499 أي بنسبة 42.33% ؛ وهي نسبة تستدعي القلق من كل ذي ضمير حي ولكن التقرير لا يذكر عنها شئ ويمر عليها كرقم لا يلفت الانتباه. ويؤكد التقرير أن سجلات سجلات دار المايقوما بين عامي 2007 و2010 لا تمثل سوى 50% فقط من عدد الأطفال الذين تم التبليغ عنهم لدى الشرطة)(حريات 7/2/2014). ولم يحدثنا السيد العميد عن المسؤول عن هذه الجريمة، وماذا سيفعلون إزائها ؟! ولعله يعتقد ان الحكومة لا دخل لها وأن الذنب هو ذنب المرأة التي رمت طفلها لأنها حملت به سفاحاً !! من الذي دفع المرأة السودانية الى الرذيلة، حين قفل عليها جميع أبواب الرزق، وارهقها بالفقر والحروب والنزوح ؟! ولماذا زادت اعداد الأطفال في ” المايقوما” على عهد حكومة الأخوان المسلمين، كما لم يحدث من قبل ؟؟ ولماذا كانت ثمرة المشروع الحضاري، وتطبيق الشريعة الإسلامية، زيادة الفساد الاخلاقي وانتشار الرذيلة؟! إن بائعة الشاي تصادر ادواتها، وتضرب بواسطة شرطة النظام العام، وتعتقل، ثم تراود عن نفسها ثمناً لخلاصها، كما رأينا قبل أيام في “اليوتيوب ” الذي روت فيه بائعة الشاي المناضلة ” أميرة عمر” قصتها. والاطفال ما ذنبهم ان تأكلهم الكلاب الضالة، لأن الحكومة عاجزة حتى عن السيطرة على كلاب ؟!

ولماذا ينفق معظم دخل الدولة على الجيش، والأمن، والشرطة، وكلها عاجزة عن حماية المواطنين؟! فلقد هجمت مليشيات الجنجويد على مدينة الابيض، فقتلت الرجال، واغتصبت النساء، ونهبت الاسواق، والحكومة التي اعترفت بكل ذلك، لم تستطع ان تفعل شيئاً !! فقد جاء ( اعترف والى شمال كردفان احمد هارون ان مليشيا الجنجويد ارتكبت سلسلة من الأحداث المؤلمة والمؤسفة بحق مواطنى الابيض والقرى المحيطة بالمدينة. ووصف هارون تلك الاحداث بالصادمة، وقدم  بيان اعتذارا لاهالي الولاية، وعبر عن اسفه للاحداث التي شهدتها ولايته من عمليات قتل وإغتصاب ونهب وسلب شبيه بما جري في دارفور. وقال هارون فى بيانه ان المليشيا المتهمة باعمال القتل والمسماة “قوات الدعم السريع” هى قوات نظامية عددها كبير وتتبع لهيئة العمليات بجهاز الأمن الوطنى والمخابرات “جُندت حديثاً لمهام وطنية”، دون تحديد طبيعة هذه المهام….   وكانت مدينة الابيض قد شهدت احتجاجات عارمة نددت بالفظائع والإنتهاكات التى ارتكبتها مليشيا الجنجويد من عمليات قتل وإغتصاب ونهب وسلب، وطالبت بطردها فورا من الولاية، والقصاص من مرتكبى تلك الجرائم والانتهاكات)( حريات 10/2/2014م).

بالرغم من هذا الفشل الذريع لمشروع الاخوان المسلمين الديني لحكم السودان، وما ساق إليه من فصل الجنوب، واشعال الحروب، وتحطيم كافة المشاريع التنموية، وانتشار الفساد، ونهب أموال الشعب، وعجز الحكومة حتى عن بسط الأمن، تجتمع مجموعة من القضاة المعطوبين، والاشياخ المتملقين، ممن سموا أنفسهم علماء السودان، في محاولة لإعادة نفس نظام الحكم، تحت مسمى جديد، والتحرز ضد مقاومته، بمنع الأحزاب، والمجموعات التي تناهضه، بحجة انها كافرة وملحدة وعلمانية !!

جاء عن ذلك (في ندوة لهيئة علماء السودان : دعوة لمنع قيام الأحزاب العلمانية والملحدة الخرطوم: الهادي محمد الأمين. اتهم نائب رئيس القضاء، مولانا عبد الرحمن شرفي، بعض القوى السياسية بتلقي دعم المعونة الأمريكية، ورعاية المكتب الإقليمي للجندرة، لإعداد مسودة دستور علماني للمرحلة القادمة، معتبراً أن الدستور يتضمن نصّاً يصف الربط بين الدين والدولة، بأنه أحد مخلفات المجتمعات الوثنية، مبديّاً استغرابه من عودة نشاط الحزب الشيوعي والجمهوري بكثافة في الساحة السياسية، بعد قرار حل الأول وإعدام زعيم الثاني؛ فيما دعا مولانا المكاشفي طه الكباشي خلال ندوة نظمتها هيئة علماء السودان بمقرها مساء أمس الأربعاء، لتكوين مجلس للشيوخ والحكماء، ليكون له حق نقض قرارات مؤسسات الدولة والمراسيم الجمهورية، ونصح رئيس الدولة، ومنع قيام الأحزاب الملحدة والعلمانية)( حريات 13/2/2014م).

 أول ما يثيره هذا الخبر العجيب هو: لماذا يظن (علماء) السودان ان الشعب يقدرهم ويحترمهم؟ ولماذا يعطيهم الحق في نقض أي قرارات ومنع أي أحزاب ؟! لقد اعترفت الحكومة بأنها قتلت 10 ألف مواطن في دارفور، وذكر السيد الرئيس ان أياديهم ملطخة بدماء أهالي دارفور، فلماذا لم يجتمع (علماء) السودان، ويطالبوا الرئيس بالتنحي، والتقدم للمحاكمة، وهم يعلمون (أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا)؟! وهاهو والي كردفان يعترف بما فعله الجنجويد، من قتل، واغتصاب، ونهب، ولم تتم لهم أي محاكمة، لأنهم جزء من النظام، بل لم يخرجوا بالقوة من الأبيض، ولم نسمع كلمة ل (علماء) السودان يواسون فيها مواطني الابيض ويدينون ما يحدث لهم من قبل مليشيات الحكومة !! وضاق الحال بالمواطنين من شدة الفقر، وغلاء الاسعار الخرافي، وتوزع شريط فيديو في كل المواقع الإلكترونية، يصور طفل يتسلق عمود كهربائي، وينتحر بالسقوط من أعلى العمود، في منطقة الحاج يوسف بالخرطوم بحري، لأنه عجز عن توفير الدواء لأمه المريضة !! ولم يصدر (علماء) السودان بياناً يندد بالغلاء وارتفاع أسعار الأدوية ويطالب الحكومة بتحسين أحوال المواطنين !! وحين ضاق الحال بالناس وخرجوا في مظاهرات في سبتمبر الماضي، قامت الحكومة بضرب الطلاب العزل بالنار، واستشهد أكثر من مأتين، ولم يجتمع (علماء ) السودان، ولم يدينوا الحكومة على بشاعة فعلتها !! وطغى النافذون في المؤتمر الوطني في البلاد، فأكثروا فيها الفساد، وشهد به المراجع العام في تقارير رسمية، وبيعت المشاريع الزراعية، بعد أن دمرت بالكامل.. ودمرت السكة حديد، وبيع النقل النهري، وهيئة الموانئ البحرية، وخط هيثرو، وولغ في الفساد شيوخ وزارة الوقاف، والحج والعمرة، وديوان الزكاة .. ولم يجتمع (علماء) السودان ليدينوا المفسدين، الذي على رأسهم (علماء) مثلهم !! وانتشرت الرذيلة، والفساد الأخلاقي، واغتصاب الأطفال، ومارسه أئمة المساجد، وقام احدهم بإغتصاب طالبة، وحين أدانته المحكمة، عفى عنه السيد رئيس الجمهوية!! فقد جاء (أعفى المشير عمر البشير إمام مسجد أدين في جريمة إغتصاب طالبة وحكم عليه بالسجن “10” أعوام. واصدر أمراً رئاسياً بإعفاء المجرم عن العقوبة بموجب القرار الجمهورى رقم ٢٠٦/٢٠١٣. وكانت محكمة جنايات الدويم حكمت العام الماضي على / نور الهادى عباس نور الهادي بالسجن “10” سنوات والجلد “100” جلدة وذلك لإغتصابه الطالبة “ر.ح”)( حريات 29/8/2013م) حدث كل ذلك ولم نسمع كلمة من (علماء) السودان في إدانة زميلهم أو رئيسهم !! وفوق هذا وذاك، اشعلت الحكومة الحروب في جميع أنحاء البلاد، والتي ما زال وقودها الاطفال والنساء، ولم يصدر (علماء) السودان بياناً واحداً يطالب الحكومة بايقاف الحرب، واحلال السلام. فإذا كانت كل هذه القضايا لا تهم (علماء) السودان، فإنهم لا يهمون الشعب السوداني ولا أحد يكترث لفتاويهم ودعاويهم !! أما إذا كانت تهمهم، ولم يتحدثوا عنها لأنهم  خائرين خائفين من الحكومة، ويريدون ان يكسبوا ودها بكل سبيل، ولو كان التضحية بالشعب، وقد فضلوا أن يتمرغوا معها، في اوحال الثراء الحرام، فإن الإسلام يتبرأ منهم، والشعب يحتقرهم، لأنهم علماء السوء ووعاظ السلاطين.  

أما السيد عبد الرحمن شرفي، فإنا نتساءل كيف وصل الى منصب نائب رئيس القضاء، وهو يجهل السوابق القضائية، التي تحتوي عليها مجلة الاحكام القضائية، والتي ينبغي ان يعرفها طلاب السنة الاولى في دراسة القانون ؟! إن قاضياً يطالب بمنع أحزاب من التعبير عن وجهة نظرها، لا يشرف القانون، ولا يقدر الديمقراطية، ولا يعيش إلا على فتات موائد الحكومات الدكتانورية، التي لا تستقر إلا بمصادرة حريات الآخرين !! أما إذا كان هذا القاضي، لا يعلم ان القضاء في أرفع مستوياته، قد أبطل قرار حل الحزب الشيوعي السوداني في عام 1966م، وأبطل الحكم الذي تم بموجبه إغتيال الأستاذ محمود محمد طه في عام 1986م، فإنه لا يصلح حتى حاجب في محكمة، دع عنك ان يتولى رئاسة القضاء !! يكفي السيد عبد الرحمن شرفي عاراً، أنه يؤيد قرارات نظام نميري، الذي ثار عليه كل الشعب السوداني، واسقطه بعد سبعين يوماً من تنفيذ الحكم على الأستاذ محمود.

إن مثل القاضي عبد الرحمن شرفي، والمكاشفي الكباشي، تنطبق عليهم كلمة الاستاذ محمود في المحكمة، وذلك حين قال (أنا أعلنت رأي مرارا ، في قوانين سبتمبر 1983م، من أنها مخالفة للشريعة وللإسلام.. أكثر من ذلك،  فإنها شوهت الشريعة،  وشوهت الإسلام، ونفرت عنه .. يضاف إلي ذلك أنها وضعت،  واستغلت، لإرهاب الشعب، وسوقه إلي الاستكانة، عن طريق إذلاله.. ثم إنها هددت وحدة البلاد .. هذا من حيث التنظير .. و أما من  حيث التطبيق،  فإن القضاة الذين يتولون المحاكمة تحتها، غير مؤهلين فنيا، وضعفوا أخلاقيا، عن أن يمتنعوا عن أن يضعوا أنفسهم تحت سيطرة السلطة التنفيذية،  تستعملهم لإضاعة الحقوق وإذلال الشعب، وتشويه الإسلام، وإهانة الفكر والمفكرين، وإذلال المعارضين السياسيين .. ومن أجل ذلك،  فإني غير مستعد للتعاون،  مع أي محكمة تنكرت لحرمة القضاء المستقل، ورضيت أن تكون أداة من أدوات إذلال الشعب وإهانة الفكر الحر،  والتنكيل بالمعارضين السياسيين). 

لقد كان سبب إبطال المحكمة العليا  لقرار حل الحزب الشيوعي، الذي اتخذته الجمعية التأسيسية في عام 1965م، هو أن الجمعية التاسيسية لديها الحق في اصدار التشاريع، تحت ظل النظام الديمقراطي، ولكن ليس لديها الحق في اجهاض الديمقراطية، التي جاء بها الشعب، والتي تكونت على اساسها الجمعية التأسيسية. وتعديل الجمعية للمادة 5 /2 التي تعطي الحق في التنظيم والتعبير، هو تقويض للدستور، وللنظام الديمقراطي بأكمله. ولهذا اعتبرت المحكمة هذا التعديل باطل، والقرار الذي ترتب عليه بحل الحزب الشيوعي باطل، ومتعارض مع الدستور. أما بطلان الحكم على الأستاذ محمود، فسوف نتحدث عنه، بإذن الله، في الجزء الثاني من المقال، وعندها سنتعرض للمدعو المكاشفي طه الكباشي.

د. عمر القراي