خط الاستواء  عبد الله الشيخ لن أحدثكم عن حياة عِتْمان في الخرطوم، فأنتم أدرى بشعاب المنشية، لكنه عاد إلى الحِلة بعد استعلان  الحوار بين  المؤتمر الوطني والمؤتمر الشعبي..عاد عِتْمان اليوم، بـ "ليلى علوي" ذات العجلات المحننات..!

يا لهذا البهاء، أم تلك هي أمارات ” التقوى “..؟! عِتْمان سواق اللستر قبل الإنقاذ، طلع علينا  ” تَرْيَان يَرَارِي ” فى عين الشمس وقد شذب الذِقن فصار أقرب إلى مذيع الجزيرة أحمد منصور، منه إلى راغب علامة،، لولا أنه يرتدي الشال ذي الخطوط الثلاثة ” جهاد..نصر..شهادة”..!

كان الرفاق كلما رصعوني بـ ” سيك ” في الوِست، ألوذ إلى مشاهدة تلفزيون جمهورية السودان، في محاولة مني لمعرفة لغة القوم.. ورغم النصائح التي مازلت أتذكرها من قراءاتي لمطبوعات نوفوستي، إلا أنني بالطبع لن أكون في أمان.. و دخلت عربة عِتْمان الى الحلة ورسمت حناءها على أزقتنا، وفُتح البابُ فشممت عطراً جعل ذكرياتي القديمة كلها تصحو، ولا ترعوي..!

ذهنيتي الطبقية لم تسعفنِي فى هذه الحال ولن أتماسك، فالعطر ليس من أعطاف أو أكمام  الرجل فقط ، بل من وسائد الفارهة ، ومن أركانها القشيبة..عطراً عتَّقَته الكندشة فتعشكب في الوسائد ثم ضااااع فى الندى..! يا إلهي، كنت إلى وقت قريب أظُن، أن ” بنت السودان وفلور دامور هو أبدع ما أنتجته النصارى من نيكوتين..!  ثم خانتني ذهنيتي الطبقية مرة أُخرى  ورفعتني إلى مزيد من الفضول ،، فقد أسرني الرجل منذ جاء .. فمذ جاء، وأنا أجُر فيهو ” النور الطويل “..!

ونزل عِتْمان وهو يقدل، بينما بقيت الفارهة مشتحة الأبواب ، يضوع عطرها حتى اطراف المقابر.. انكسرت الحلة للاستقبال، وارتفعت تكبيرات..أدخل عِتْمان يداً  طرية ناعمة بين أصابعي، ثم سحبها بسرعة كما لو أنه كَرَشِ  بها حيطة من جالوص..! قال لي، وهو يقالد المستقبلين: ” … أووه انت لسه قاعد “..!؟

وبما أنني أعرف عِتْمان ظاهراً وباطناً، فلا شك أبداً في أنه قصد أن يقول: “… انت لسه عايش “..؟!  أيوا  يا عِتْمان، الحي يلاقي، الحي يفرفر، والخرطوم لم تزل تقرأ أُمسياتها من على صفحة جبين الشهيد..!

سمع مني تلك الاشارات على مضض، ثم جلس للاستراحة من عناء مصافحة أهل الحلة ، وتصدر المجلس باسطاً رجليه كما كان يفعل أبي حنيفة جين يصادف أمثاله.. جلس عِتْمان وقد وُضع أمامه ” جك ” كبير عليه رحيق.. بعد الحوقلة حدثنا عن التعب والجري الشديد في الخرطوم .. قال : ” نحن  والله ما قاعدين ساكت ، شغالين من أجل البلد دي ليل على نهار ،نحن جينا عشان ننقذ البلد دي ،، نحن لو ما جينا  كان البلد دي ضاعت “..!! إلى آخر الكلام الذي  كان ينتهي فى الماضي،  برقصة ” أمريكيا روسيا قد دنا عذابها “..! 

.. و حانت من عِتْمان إلتفاتة نحوي ، فوجدني لسه، جاري فيهو ” النور الطويل”..! ارتعد قليلاً ، لكنه تماسك  واردف قائلاً : ” الناس دي لسه ماشة في درب الضلال و البلد محاصرة من دول الاستكبار..؟! الناس ديل لسه مبارين الكوتشينة “..!؟  ثم أن عِتْمان سألهم عن اللستر، وأفادوه، أن اللستر بخير وصحة جيدة، لكن يحتاج إلى الجاز.. الجاز.. قالوا له فى شبه كورال :  ” مشكلتنا فى الجاز “..! قهقه عِتْمان فبانت ضحكته رتيبة و هامسة ، ثم عاد مرة أخرى ليلعن الكوتشينة و العواطلية والملحدين ،، وليؤكد جازماً : ” لازم تكون الحلة دي حلة نموذجية “..!  ثم أطلق التهليلات المعروفة عند القوم  لختام الجلسة فارداً أصبع التحدي،، ووقف بكرشٍ بديع مقترحاً على أهل الحلة إفتتاح الجامع..! وافتتح عِتْمان الجامع العتيق، وهو يعلم تمام العلم أنه جامع مفتوح للذكر والذاكرين منذ غزوة إبن أبي السرح ..!!