محمّد جلال أحمد هاشم *  العلاقة بين الإسلام الدّين والإسلام الدّولة (أ) الدّين ظاهرة إنسانيّة وليس ألوهيّة، بمعنى أنّ الدّين يبدأ من الإنسان ليتّجه به نحو الله، وليس العكس. والعلّةُ في هذا حاجة الإنسان للدّين من حيث هو معراج لله. فاللهُ ليس في حاجةٍ للعبادة.

وجرثومة حاجّة الإنسان إلى الدّين هي حاجته لله من حيث حاجته لتحقيق ذاته بتحريرها من المحدود (أي الجسد) انطلاقاً في المطلق والسّرمدي (عالم الرّوح)؛ بهذا يتجاوز الدّين حاجة الإنسان القائمة على عجزه وخوره ليصبح طلباً للعلم بعلّة وجوده.

يشتمل موقف الإنسان على حالة تناقضيّة paradox، إذ يأتي وعيُه بالمطلق في داخله من خلال الحياة التي يضخُّها الجسد، أي المحدود، ولا يمكن له أن يستشرف المطلق إلاّ عبر تجاوز المحدود. وهذا هو منبع القلق الإنساني الذي يولّد فيه الخوف. بالطّبع يمكن لبعض النّاس أن يحقّق هذا الانطلاق نسبيّاً وروحُه لا تزال قيد الجسد، وهؤلاء هم أولياءُ الله؛ ولهذا قال عنهم الله: ﴿ألا إنّ أولياءَ الله لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون﴾ [يونس: 62]. وبما أنّ الدّين هو منهاج العروج إلى الله، أي إلى المطلق، أي إلى عالم الرّوح المتحرّرة من رِبْقة الجسد، بهذا يكون الدّين منهاجاً لتحقيق الشّفافيّة. ولهذا ينبغي للدّين الحقِّ أن يكون جمالاً محضاً. ولكن كيف للدّين أن يكون هذا والذي يمارسُه هو الإنسان المكبّل بالجسد وحاجات الجسد الغليظة؟ وهذا ما يجعل الدّين يبدأ بجسد الإنسان، أي بالطّرف الغليظ، ريثما يستشرف آفاق التّحرّر والانطلاق نحو الشّفافيّة المطلقة. فالدّين يبدأ بالدّنيا لينتهي بالإنسان في العالم الآخر. ولكن هزيمة الدّين من حيث هو ممارسة إنسانيّة تستهدي بأعلام ربّانيّة (أكانت كتاباً أم رسالةً إلخ)، تتأتّى بانغلاقه في غلظة الدّنيا كما لو كان هذا سقف مسعاه، وبالتّالي يكون الإنسان قد جسّد الإله في شخصه من حيث أنّه يصير أشبه بإنسان متفوِّق superman في قدراته الدّنيويّة، ويتّصف بسرعة الغضب والرّغبة الجامحة في معاقبة مخالفيه حرفيّاً ومكافأة تابعيه حرفيّاً. وهذا عند المحقّقين العرفانيّين وجهٌ من أوجه الشّرك، فتأمّل.

من القضايا الشّائكة التي أهدرت زمناً طويلاً وطاقةً أكبر قضيّة الفصل بين الدّين والدّولة. مخطئٌ من يذهب إلى أنّه لا علاقة البتّة بين الدّين والدّولة، هذا مع التّسليم باختلافهما من حيث طبيعة كلٍّ منهما إزاء الآخر؛ فالدّين أصله ومكانه الضّمير، أي الفؤاد، بينما الدّولة مؤسّسة اجتماعيّة، إجرائيّة مكانُها على الأرض، أي عِلمانيّة. ولكن كيف للدّولة أن يتمّ تشغيلُها فيما يجلب المنفعة العامّة بلا ضمير، أي بلا أخلاق؟ وهذا هو مدخل الاشتباك بينهما، وهو الاشتباك الذي كثيراً ما يحدث في ظروف بعينها. ويكمن جوهر الإشكال في أنّ الدّين لا ينكفئ على حدّ كونه ضميراً فحسب، بل يتطوّر ليصبح مؤسّسة اجتماعيّة قائمة بذاتها، بل وموازية للدّولة. وهذا ما يُلزم فضّ الاشتباك بينهما. فمن الملاحظ أنّ التّجربة الإسلاميّة الأولى (المدينة تحديداً) كان فيها اشتباك بين الدّين والدّولة، ذلك بخلاف تجربة مكّة الأولى. ولكن ذلك الاشتباك لم يكن جينيّاً، بل حادثاً، عارضاً، اقتضته ظروف بعينها، على رأسها طفولة مؤسّسة الدّولة نفسها. فدالّة التّطوّر الإسلامي تُشير بوضوح إلى تشكل وتبلور آليّات الفصل بين مؤسّسة الدّين من جانب وبين مؤسّسة الدّولة من الجانب الآخر، عندما شرع المجتمع المسلم في استشراف الفصل بين السّلطات الثّلاث: التّنفيذيّة، التّشريعيّة، والقضائيّة، وذلك في مقبل أيّامه بعيد وفاة النّبيّ محمّد.

ولكن متى وكيف يتهيّأ الدّين كمؤسّسة اجتماعيّة إلى الاشتباك مع مؤسّسة الدّولة؟ كما قلنا هناك اختلاف جوهري بين طبيعة الدّين بوصفه ضميراً وبين طبيعة الدّولة بوصفها إجرائيّة، عمليّة، أي عِلمانيّة. ولكن يجمع بينهما كون الإثنين (الدّين والدّولة) لهما وظيفة واحدة هي ضبط سلوك الإنسان بما يجعله مؤهّلاً ليصبح مواطناً صالحاً؛ في حالة الدّين بما يجعله أهلاً لدخول الجنّة وفق أهليّته الأرضيّة، وفي حالة الدّولة بما يجعله مفيداً في عمليّة البناء العام وتركيز وتكريس الإرادة العامّة على الأرض دونما اعتبار لموضوع الآخرة. بالطّبع يمكن لشخص أن يجعل من هذه الأهليّة الأرضيّة تذكرته للدّخول إلى باحة الأهليّة الأخرويّة كما هو مشار إليه وفق إيمانه. لكن تبقى الحقيقة الموضوعيّة في أنّ مثل هذا الإيمان ليس شرطاً لازماً للنّجاح في التّأهّل الأرضي، أي في إدارة الدّولة. ويعتبر الحدّ الفاصل الذي يمايز بين حدود الدّين من جانب وحدود الدّولة من جانب آخر هو موضوع العقوبات والجزاءات في حال عدم التّأهّل.

فالدّولة هي تلك المؤسّسة التي طوّرتها البشريّة عبر آلاف السّنين كيما تمارس السّلطة المفوّضة إلى المستوى السّياسي. وكيما تنجح في ذلك قام الإنسان بمنحها حقّ ممارسة السّلطة باستخدام القوّة المادّيّة القسريّة. هذا بينما الدّين مكانه الضّمير، مشفوعاً بجملة طقوس تعبّديّة وعقوبات أخروية. عليه، ما من دين اشتمل على شكل من أشكال العقوبة المادّيّة إلاّ وكان قد التبس واشتبك مع مؤسّسة الدّولة، كما هو الحال في إسلام المدينة، أي فيما بعد مرحلة إسلام مكّة، حيث كان المجتمع يعيش في وضعه العِلماني الطّبيعي. ولا مناص لأيّ مجتمع مسلم يسعى لاستشراف، أو لمعايشة، أو لاستعادة، علمانيّة حياته الطّبيعيّة، إلاّ بمراجعته لأمر الإسلام بحيث يتمّ تنزيهه من ظروف المدينة التي اقتضت أن يصبح الإسلام فيها ديناً ودولة. فالعقوبة في حال الدّين المحض تكمن في الضّمير لا في المادّة، بينما، في حال الدّولة، تكمن العقوبة في المادّة وليس في الضّمير. قارن شكل العقوبة في التّحريم التّالي: ﴿إنّما حُرّمت عليكم الميتةُ والدّمُ ولحمُ الخنزير وما أُهِلّ به لغير الله فمن اضطُرّ غير باغٍ ولا عادٍ فلا إثمَ عليه إنّ الله غفورٌ رحيم﴾ [البقرة: 173]، وكذلك: ﴿حُرّمت عليكم الميتةُ والدّمُ ولحمُ الخنزير وما أُهِلّ لغير الله به والمنخنقةُ والموقوذةُ والمتردّيةُ والنّطيحةُ وما أكل السّبعُ إلاّ ما ذكّيتم وما ذُبح على النُّصُب وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فِسقٌ، اليومَ يئس الذين كفروا منكم فلا تخشَوهم واخشونِ، اليوم أكملتُ لكم دينَكم وأتممتُ عليكم نعمتي ورضيتُ لكُمُ الإسلامَ دينا، فمن اضطُرّ في مخمصةٍ غير متجانفٍ لإثمٍ فإنّ الله غفورٌ رحيم﴾ [المائدة: 3]. ففي هاتين الآيتين يتكرّر النّهي والأمر الواضح بالتّحريم دونما عقوبة دنيويّة، أي علمانيّة. ولأنّ هذه المحرّمات قد تُركت للضّمير، لا للدّولة، لذا تجد المسلمين أشدّ ما يكونوا تمسّكاً بها. فالمسلمون قد يسرقون وقد يزنون، وقد يشربون الخمر، وقد يلعبون القمار، وقد يأتون بجميع الفواحش (ممّا سُنّت في مخالفتها العقوبات المادّيّة)، لكنّهم لا يأكلون لحم الخنزير، ولو أكلوه لما أصابهم عقاب مادّي معلوم. كما لا يشرب المسلمون الدّم، فتجد الواحد منهم يتحرّى عند شرائه لعلبة هُلام (jelly) إذا كانت تحتوي على أيّ دم مسفوح من حيوان؛ فإذا وجد في الهُلام دماً، تركه ومضى لغيره. كذلك جاء في القرآن: ﴿ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمُها فإنّه آثمٌ في قلبه﴾ [البقرة: 188]، أي في ضميره.

يبيّن لنا هذا بوضوح الفرق بين تحريم الإسلام الدّين كضمير دون أن تكون هناك عقوبة، وكيف يكون أكثر حرمةً عند المسلم، ويكون المسلم أكثر مراعاةً له، ممّا لو كان تحريماً أو نهياً من الإسلام الدّولة بعقوبة مادّيّة محدّدة ومعلومة. ثمّ فلنقارن هذا بالآية: ﴿الزّاني والزّانية فاجلدوا كلَّ واحدٍ منهما مائة جلدةٍ، ولا تأخذكم بهما رأفةٌ في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، ولتشهد عذابَهما طائفةٌ من المؤمنين﴾ [النّور: 2]. فالنّهي هنا ليس وقفاً على الضّمير، بل تعدّاه إلى الدّين الدّولة التي تطبّق هذه العقوبة. ومع كلّ هذا، لم تمنع صراحة الآية ولا شدّة العقوبة المسلمين من أن يأتوا بالزّنا، ولو كان فاحشةً وساء سبيلا، ولو كانت عقوبته قد تصل إلى الرّجم، دع عنك الجلد.

وقد تمّ تفصيل كلّ هذا في الآيات المكّيّة، حيث يتّضح كيف أنّ حدود الدّين المحض هي الضّمير، ذلك عندما كان غاية ما يطلبه النّبيّ محمّد أن يُخلَّى بينه وبين النّاس، لا يسعى لفرض أيّ أحكامٍ عليهم في حياتهم الاجتماعيّة التي ظلّت في حالتها العِلمانيّة:

﴿وكذّب به قومُك وهو الحقُّ، قُل: لستُ عليكم بوكيل﴾ [الأنعام: 66]؛

﴿وأعرضْ عن المشركين، ولو شاء اللهُ ما أشركوا، وما جعلناك عليهم حفيظا، وما أنت عليهم بوكيل﴾ [الأنعام: 107]؛

﴿وقل الحقّ من ربِّك فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾ [الكهف: 29]؛

﴿أفأنت تُكرهُ النّاسَ حتّى يكونوا مؤمنين؟﴾ [يونس: 99]؛

﴿فهل على الرّسول إلاّ البلاغُ المبين؟﴾ [النّحل: 35]؛

﴿فإن تولَّوا فإنّما عليك البلاغُ المبين﴾ [النّحل: 82]؛

﴿ادعُ إلى سبيل ربِّك بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتي هي أحسن﴾ [النّحل: 125]؛

﴿إن يشأ يرحمُكم، وإن يشأ يُعذّبُكم، وما أرسلناك عليهم وكيلا﴾ [الإسراء: 54]؛

﴿إنّ عبادي ليس لك عليهم سلطانٌ وكفى بربِّك وكيلا﴾ [الإسراء: 65]؛

﴿أفرأيتَ من اتّخذ إلهه هواه، أفأنت تكون عليهم وكيلا؟﴾ [الفرقان: 43]؛

﴿وما على الرّسول إلاّ البلاغُ المبين﴾ [العنكبوت: 18]؛

﴿فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا، إنْ عليك إلاّ البلاغ﴾ [الشّورى: 48]؛

﴿فذكّر إنّما أنت مذكّر، لستَ عليهم بمصيطر﴾ [الغاشية: 22]؛

ثمّ نأتي لآيات مكّية وردت في متن سور مدنيّة، ومع هذا تُعامل على أنّها مكّيّة في مضمونها ودلالتها، لا في منطوقها:

﴿لا إكراه في الدّين قد تبيّن الرّشدُ من الغيّ فمن يكفر بالطّاغوت ويؤمنُ بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصامَ لها واللهُ سميعٌ عليم﴾ [البقرة: 256]؛

﴿وإن تولَّوا فإنّما عليك البلاغ﴾ [آل عِمران: 20]؛

﴿فإن تولّيتم فاعلموا أنّما على رسولنا البلاغُ المبين﴾ [المائدة: 92]؛

﴿وإن تُطيعوه تهتدوا، وما على الرّسول إلاّ البلاغُ المبين﴾ [النّور: 54]؛

﴿وإن ما نُريَنّك بعض الذي نُعدهم أو نتوفّينّك فإنّما عليك البلاغ﴾ [الرّعد: 40]؛

﴿فإن تولّيتم فإنّما على رسولنا البلاغُ المبين﴾ [التّغابن: 12]؛

هذا بينما يأتي تفصيل الأحكام الجزائيّة العقابيّة في الآيات المدنيّة، حيث يتّضح كيف أنّ حدود الدّولة تبدأ بالجزاءات المادّيّة، فضلاً عن استخدام القوّة المادّيّة القسريّة، إن قهراً أو كُرهاً. وتبدأ هذه المرحلة بالطّاعة التي تصبح واجبة لله وللرّسول (وتُقرأ هنا «للدّولة»)، وتحويلها إلى واجب:

﴿وأطيعوا اللهً وأطيعوا الرّسولَ واحذروا﴾ [المائدة: 93]؛

﴿يا أيّها الذين آمنوا أطيعوا اللهَ وأطيعوا الرّسولَ وأولي الأمر منكم، فإن تنازعتم في شيئٍ فردّوه إلى الله والرّسول﴾ [النّساء: 59]؛

﴿وما أرسلنا من رسولٍ إلاّ ليُطاع بإذن الله﴾ [النّساء: 64]، وما الإذن هنا إلاّ ليتّبع فيما جاء به من هدىً. فإذا أخذتها على أنّها تعني طاعته، يبقى المعنى إيذانه بتحوّله إلى رأس للدّولة، وهي دولة عادةً ما تنتهي بموت الرّسول.

﴿من يُطعِ الرّسولَ فقد أطاع الله﴾ [النّساء: 80]؛

﴿وما كان لمؤمنٍ ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسولُه أمراً أن يكون لهم الخيرةُ من أمرِهم، ومن يعصِ اللهَ ورسولَه فقد ضلّ ضلالاً كبيرا﴾ [الأحزاب: 36]؛

وهذه جميعاً آيات تتّصف بالعموميّة، ولا يمكن أن يزعم شخص أنّها ذات أحكام قاطعة. بعد هذا يأتي تفصيل الآيات التي تسنُّ العقوبات. وهنا يكون الاشتباك بين الدّين والدّولة قد أصبح تامّاً. في هذه المرحلة تكون العقوبة لمن يخالف أوامر الدّين وفقما قال بها الله وبلّغ عنها النّبيّ (ويُقرأ كلُّ هذا هنا «الدّولة»):

﴿إنّما جزاءُ الذين يحاربون اللهَ ورسولَه ويسعوَن في الأرض فساداً أن يُقتّلوا أو يُصلّبوا أو تقطّع أيديهم وأرجلُهم من خلافٍ أو يُنفَوا من الأرض﴾ [المائدة: 33]؛

﴿يا أيّها الذين آمنوا كُتب عليكم القصاصُ في القتلى الحرُّ بالحرِّ والعبدُ بالعبدِ والأنثى بالأنثى﴾ [البقرة: 178]؛

﴿وكتبنا عليهم فيها إنّ النّفسَ بالنّفسِ والعينَ بالعينِ والأنفَ بالأنفِ والسّنَّ بالسِّنِّ والجروح قصاص﴾ [المائدة: 45]؛

﴿والسّارق والسّارقة فاقطعوا أيديَهما جزاءً بما كسبا﴾ [المائدة: 38]؛

﴿الزّاني والزّانية فاجلدوا كلَّ واحدٍ منهما مائة جلدةٍ، ولا تأخذكم بهما رأفةٌ في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، ولتشهد عذابَهما طائفةٌ من المؤمنين﴾ [النّور: 2]؛

﴿والذين يرمون المحصناتِ ثمّ لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة﴾ [النّور: 4]؛

﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرّمون ما حرّم اللهُ ورسولُه ولا يدينون دين الحقِّ من الذين أوتوا الكتابَ حتّى يُعطوا الجزيةَ عن يدٍ وهم صاغرون﴾ [التّوبة: 29]؛

هذا عندنا هو الخطّ الفاصل بين الدّين والدّولة. ومن المؤكّد أنّ الإسلام في تنزّلاته إلينا يشتمل على الدّين كما يشتمل على الدّولة. ولكن اشتباك الدّولة اقتضته ظروف لولاها لما قامت حينها للدّين قائمة. ولهذا لم تزد الأحكام الجزائيّة الواردة في القرآن عن خمسة فقط (قتل النّفس، السّرقة، الزّنى، القذف، ثمّ الحرابة). حتّى هذه الأحكام الخمسة، لا يذهبنّ رأي البعض بأنّها واضحة ومحسومة من حيث فهمها وكيفيّة تطبيقها؛ فاختلاف الفقهاء حولها ممّا لا يحتاج إلى دليل، وهو ما سوف نتعرّض لبعض جوانبه في الفصل السّابع. وعليه، تصبح جميع الأحكام التي يُنظر إليها على أنّها الشّريعة مجرّد أحكام تواضع عليها الفقهاء بما يحقّق المصلحة.

*    مجتزأ من الفصل الرّابع من كتابي: منهج التّحليل الثّقافي: الفقه الإسلامي الحداثوي