بقلم: عبدالغني كرم الله         ركوع، لصلاة الفكر والشعور:         سمعت عنه، لكني لم اظنه بهذه البساطة، يقام ويفض في ثوان، مجرد كتب تفرش على الارض، وباعة، وعشاق كتب، يتجولون بين الطرقات الصغيرة، الملتوية، يمكنك ان تقول أنها سوق خضار شعبي،

كل الكتب عبارة عن فاكهة، وخضار، مفروشة على الارض والخيش والكرتون، ليس إلا، أنحني وأسجد لصلاة القراءة، وشهود أحياء وموتى “مجازا“، نفخت كتبهم الروح في سمتهم، كي تحاورهم، وتنعم بأنس عجيب، على معاناة ومسرات العقل والقلب، عبر دفق الدهر، مجرد انحناءة تحتك، وتأخذ ما تهوى، وترغب.

        نقرات على أبواب أغلفة الكتاب:

        كتاب قديم، ممزق الغلاف، إنه، عرس الزين، وقربه، كتاب مثله، باهت الغلاف “زقاق المدق“،  لنجيب محفوظ، كتب قديمة، قرأت قبل اربعين عام، وهاهو قارئ جديد سيبث فيها الحياة، ولكن هل سيخجل القارئ الجديد؟ كما خجل جده، أو أبيه، حين رأى بعين خياله، حميدة المغناج، وهي تتتهادى في الزقاق الشهير (الذي بلغ بصاحبه لجائزة نوبل)، ذلك الجد الذي قرأ الكتاب، حين كانت الخرطوم بسيطة، فطرية، والآن تسمع صراخ الموسيقى الصاخبة في المطاعم، والملابس العصرية، الكونية، والعيون، “عبر وسائل الاتصال كلها”، مفتوحة على كل ثقافات العالم، وأنماط سلوكه، وطرائق تعبيره العاطفية الحرة، صارت مدن العالم، بيوت في قرية كونية، متلاصقة بنفاج التعارف الأثيري، وفضول التصلص الخلاق، هل سيكون ذات التأثير في طقوس القراءة؟ على الجد القارئ والحفيد من ذات الكتاب؟ أم تفرقت أيدي سبأ، نشوات ومسرات القراءة، وكأن للكتاب الواحد ألف وجه، ومعنى، في كل وقت، تعاد قراءته، كل هذا اعتراني في معرض “مفروش” وما أدراك ما مفروش.

        النساء، أكثر الزبائن، يتجولن بهمة، وعيونهن تحدق للأسفل بتركيز، للأم الأولى، الأرض التي جادت بالعشب والخضر والفاكهة، والآن لأعشاب الفكر والخيال. كتب ملونة، متعددة، عيونهن تلتقط عنوان هنا، أو هناك، ما بال هذه القلوب لا تغادر صغيرة ولا كبيرة، وإلا تركت مسا من النشوى في مشاعرهن، كعادة العين، بوابه لألق الفرجة، كمهارتهن دوما، في سبر أدق التفاصيل، في الدار (الجير ده مالو؟ وقميصك فيه بقعة صفرا في “كمك”، (وزرارة مافي)، مثل جدهن الطيب البشير “عيونو تشوف مراقد الذرة، أي النملة في جحرها، ظلمتها، أو في ما فرش تحتهن الآن، ضحكت في سري، حين علمت بان كتيب (المنقذ من الضلال)، تحت أرجلي، حين اشارت له واحدة منهن، (ترى النملة السوداء، في الليلة الظلماء، في الصخرة السماء)، وأدركت بأن الزخارف المتداخلة، تخاطبهن بألف لسان، ولون، وأن أدب الفرجة على الحياة، نسائي الطابع، (ونحن من جهل العزيز، فلا يعزه)، يكفي تلكم البروفات اليومية، (للرسم والتلوين، والزخرفة)، على وجوههن، أمام مرآة التسريحة، أحسبها (وتحسبونه هينا)، هي من زاد جرعة الوعي بأدق الكائنات الحية، والأشياء، لديهن، (عرق التدريب، يقلل دما المعركة)، معركة الفرجة على الحياة، على الكتاب الاعظم، المكتوب بحبر الماء، وجعلنا من الماء كل شئ حي.

        الشباب يطغي على الحضور، أظنه صار سوقا، للكتب، واللقاءات، والنقاش، مربد، وسوق عكاظ في قلب أتينينا، هناك تماثيل منحوته تحيط به، أفيال، وكلاب، ووحيد قرن، من الأبنوس، وعاج الفيل، لو نزلت من الرفوف، وحامت بين الكتب، لأكتمل خيط الخيال والذاكرة، والواقع، كشأن الكتاب، أي كتاب أدبي (نبكي مع ابطاله)، ونعزي الفتاة المسلوبة الحبيب، بين السطور، بعاطفة تعادل، بل تفوق، (أضحى التنائي بديلا عن تدانينا)، في صفحة الحياة اليومية.

        في سوق مفروش، الجميع ينحني، لصلاة القراءة، حين يرفع كتاب، يتصفحه، أو يود معرفة العنوان، أو الشراء، يركع للكتاب، سجود مباح، الفكر صلاة، والخيال خشوع، هناك كتب تتجاور، أظن أقدار حجمها، كتب تلكم الجيرة،، فالفرق عظيم بينها، كتاب حياتي لبابكر بدري، وكتاب النيل الازرق للآن مورهيد، صداقة صنعها “الفارش”، ومن يقسم بأنهما لا يتحاوران الآن؟ (هذا بناقوس يدق، وذالك بمئذنه يصيح)، كلاهما ترك إرث عظيم، مورهيد بصبره على رحلة بروس، وبابكر في “القرران، من يقر”، حتى بهفواته، وعبادته للفرد “المهدي”، ثم نشاطه الجم، وبسالته في تعليم المرأة في رفاعة، وأنحاء البلاد، حتى صار علما، مثل مورهيد (وكل يمجد دينه، ياليت شعري، ما الصحيح؟).

        أحدق تحتي، فأرى المؤلفين يجلسون على كتبهم، صغارا، أقزام عمالقة، يتراءى لي؟ هاهو عابد الجابري بصلعته التي تلمع من البيان والبرهان والقياس، حجمة كأصبع اليد، يجلس على كتابه، وقبالته إدريس جماع، وقربهم عكير، في أي سمر يخوضون؟ أم يقرضون بيت عكير (موية السراب المالمت كباية؟)، أحسب الجابر، بعد “تجربة الموت”، شعر بأن عكير سبر الحياة، بتلكم المقولة، مثله، إن لم يكن أعمق (فلا غشاوة أو ملل، أو إعتداد)، بعد التجربة الشاعرية للموت، وفناء الحروب الصغيرة (حروب الديوك)، أيا كانت، في عالمنا الصغير (أنه اللحظة الحاضرة)، حتى الماض والمستقبل مجازا، ما اصغر عالمنا، لحظة تدق، وتدق، وتدق، حتى تخرج من الزمن، ولكن يظل شبح الماضي والمستقبل، مهينمة علينا، كأننا أشباح لم تأتي، أو كائنا انقرضت، وبارك الله من اسبتاح اللحظة الحاضرة، وللحق (القراءة)، كائن يحفظ للحظة الحاضرة قدرتها في شل الفكر عن الركض بعيدا عن المقروة، كما أنها تنتصر على سلطان الوقت، وقهره.

        هناك ماركس بلحيته، يتقرفص فوق كتابه، رأس المال، ولصقه عبدالعزيز بركة ساكن، في أي جدل هما؟ أظنه يشكر ساكن، على همومه الشعبية، بالجنقو، مسامير الأرض، وغصونها الريانة في سماء البساطة والشعر، كأنني في عالم جيلفرت، وسط الأقزام “العمالقة”، سوق تحتي، سوق هائج اللغط، دون لسان، كتاب وشعراء، أحياء وأحياء “أموات”، تسمع لغطهم العظيم، من بطون كتبهم، أتعجب، كيف قيض لحروف ساكنة، أن تأوي الدفء والفكر والمعرفة والاسئلة والضلال؟.   

        صديقي، الكتاب الكبير “يحي حقي”، كعادته في البساطة، وتضحياته العظيمة، وزهده في الشهرة الساذجة، أهداني كتاب طيب، كتابة بسيطة، مثله، من داكار، اسمها “نفيساتو ديالو”، تحكي عن داكار عام 1941م، عن سكنها، في مجمع هدمته السنين، والأنظمة التي تعيش كثيرا كثيرا، مثلنا هنا، وعن بيوت يبينيها أهلها، بأيديهم، كيفما اتفق، فعشت بفضل “مفروش”، سويعات في داكار بالأمس، وانا اتصفح الكتيب الذي (قايضته)، بقنديل ام هاشم، وكم حزنت “لفراق كتابي”، ولكنها سنة الحياة (ولكن أهمس لكم، لم أخون يحي حقي الخيانة الكاملة)، فعندي نسخة أخرى من الكتاب هي قربي الآن (وهل يبيع المرء اطفاله؟)، ولكني حزين، لأني ادون بعض الملاحظات على الصفحات، على فقرات تشدني، على صورة مرسومة بحذاقة بألوان الحرف، أقف عندها، واسرح، أي مسرات القراة وخمرها المبارك، حين تعيش في ألف بقعة، وأنت ساكن في مكانك، مثل جدي الشيخ الطيب السمان (تجزأ فرة فطر عند أربعين فد مرة).

        طرق صغيرة، ضيقة، مزدحمة بالبنات، بنات بنات، غلبن الزحمة، في شراء خضار أسود، حروف لشاعر، أو مفكر، أو أديب، أنها النفس البشرية الغريبة، تحكي معضلة “الحياة”، أم قصيدة الحياة؟ أم ضلال العقل؟ أم براح الوجدان؟ أطربني أن تكون المرأة هي الأكثر حضورا، وشراء، باولو كويلو، على صدرونهم، يضغط الصدر، ممحبة، أم اشتياق؟ ولم هو بالذات؟ هل مل الشباب من التقنية، (والتي ترن في حقائبهن الصغيرة، من هاتف واي باد)، التي ملء منها قبل قرن كافكا؟ ويردن براح الروح؟ والتأملات البسيطة العميقة لباولو البرازيلي؟ أم هي حب الشرق، ولو في بلاد امادو؟ ونيمار؟ والبن؟

معليش سيدي يحي يحقي، لكن طيبتك، جلعتني اعرف السنغالية نفيساتو ديالو:

        حزنت لأني قروشي خلصت، قبل أن اقتني “برويكهات، في بلاد النوبة”، هذا الرجل الذي سحرته النوبيات، والزخارف عند الباب والحوش، والألحان، وشعر الصحراء، فكتب مجلدا كبيرا، في بداية القرن العشرين، ليت “يحي حقي”، تبرع لي بكتاب آخر (فما أجمل فن المقايضة)، والتبادل، هذه بتلك، ولكن وداعا “البسطجي”، أحد قصص كتابي “قنديل ام هاشم” سيتمتع من يقرأها، لرجل يتجسس على رسائل الصعيد، ويفتحها، بعد أن مسه جن، ويقرأ العجب (يااااااود، أقتل النعجة، والثور لآل فلان)، الحيوانات تثأر، عند الصعيد، و”البسطجي”، يالها من مكارم للقراءة، يالها من أجنحة براق، تهبها القراءة لنا، وبأبسط الطرق، ما عليك سوى أن (تندقر، وتشيل وتحلق)، من سوق مفروش.

        بالمجان، قرأت “صفحة من كتاب، مرايا ساحلية، لأمير تاج السر، عندي منه نسخة، ولكن عرضه اغراني، ففي مكتبتي مدسوس في مكان ما، وحتى هنا، وصلت له، لان على بعد منه مجلة العربي، لشابة حينها، سودانية تزين الغلاف، عام 1966م من مدينة كسلا، (أين الحبوبة الآن؟ المجلة سعرها 5 جنية، يعني أغلى من السعر الآن، ، سعرها الآن 4 جنية، (الماضي لا يعاد؟)، السعر يزيد مع تقادم الزمن،  (كسنة العقل والقلب)، يشيب الجسد، وهي تنمو، وتتفرج على ألق الحياة،  كأنها تنضر، ويزيد عنفوانها مع دفق نهر السنين الفطري، القسري (عجبت لمن يقاد إلى الجنة بالسلاسل)..

        هل قرأتم “ياماكان؟”، للفكي عبدالرحمن؟ أم حرمتم أنفسكم من سخرية مريرة، وطفولة ساحرة في قرية الغريبة، وذكريات عن رجل فاضل، ورائد مسرحي كبير، الكتاب مفروش مثله ومثل العالمية الإسلامية الثانية (جدل الطبيعة والإنسان)، لمحمد ابوالقاسم حاج حمد، جيرة ومحبة بينهما، ثم لصقهما “يوم صامت في طنجة”، بطلها مريض حبيس الغرفة، هل زاراه؟. من أبسط قصص بن جلون النوفيلا، ولكن لا حاج حمد، ولا الفكي ولا بن جلون، سمحا لي بالمرور قربهما، من الزحم، فلحظتهما من بعد، ولم اتذكرهما سوى الآن، وأنا أخط هذا المقال.

        صورة الأستاذ محمود، وهو يضع اصبعه على صدغه، “سارحا في أفق، الله وحده أعلم”، شدتني الصورة، دون كل الكتب، يقال بأن الأم تعرف صوت أبنها، بين ألف طفل باكي، أو ضاحك، “نحو مشروع مستقبلي للإسلام”، الكتاب يتكئ، دون كل الكتب، أفقيا، على كرتونه خلفه، كأنه راع للفكر حوله، وللقلوب الأبية، التي تريد أن تعرف نفسها (وما أنطوى من سر عظيم)..

        اتأخر، في الممر، كي تمر سبع بنات، وثلاثة، أولاد، ثم أجد كوة صغيرة، أراقب “فريش”، لم يترك كتابا في القانون، أو مجلة للعربي، أو إصدارات الكويت “عالم المعرفة، وإبداعات عالمية”، ولكني وجدت كل كتبه “معي”، خاصة إبداعات عالمية، سوى القصص التركية، أو غيرها “كم تذكرت الآن قصة تركية، حزينة”، أحكيها لكم؟ ولكن لحظت كتاب “البنت التي طارت عصافيرها”، مفروش في الناحية الجنوبية، ولفت نظري، هناك صداقات مع أنفس، وكتابات، تستدرجنا بلطف لعالمها، فأين طار عصفورك؟ أيتها الفتاة؟ أجئن من أجل تلكم العصافير؟  التي طارت حين فتق آدم عن حواء؟ يقال بأننا بحث عن حواء الأولى، وهي عن آدم، وليوم الناس هذا، الإله المفقود، لكلاهما.

        من بعيد رأيت المبدع الأخ،  عثمان أحمد حسن، جالسا على حافة شجرة، سقتها الكتب، والقهوة، طالني فرح،كم أحبه، وسمعت صياح “صديقي صلاح”، وينك؟ ثم عثمان بشرى، بين الكتب، وكذا ابو حازم، تسابيح، عشاق كرة القراءة، والكتابة، وصلاح، أنس، بوادر، آية، وغيرهم، وغيرهن، في باحة العرض والطلب، زحم نادر وجوده، حتى في معارض الدولة (ذات المقص السنين الحاد لكل فكر حر)، سوى مطبوعات الهضيبي وسيد قطب، لمحت من بعيد (زرياب أزهري)، أضمرت مصافحته، ولكن في غابة الحروف، ضاع أثره، فله المحبة، والشوق.

        دار حديث سريع، “في سوق مفروش/ عكاظ”، بين مجموعة دائرية، تشكلت دون عناء، أو قصد، (كانت عن الفردية)، وعن أي بيئة تصلح للكتابة؟، إن كانت الصحراء ملهمة شعراء الجاهلية والكوني، وكان غرببنا الحنون، ملهم ابراهيم اسحق، والشمالية وقراها البسيطة من صنعت العرس ودومة ود حامد؟ والمدينة بل الحارات ملهمة نجيب؟ والبحر موجه موضع نظر همنجواري، أهناك أرض تخلو من الإلهام؟ أم نرتل قول الحلاج (وأي أرض تخلو منك؟ حتى تعالوا يطلبونك في السماء، تراهم ينظرون إليك جهرا، وهم لا يبصرون من العماء)، اللهم لا تعمي أبصارنا، وقلوبنا، ونحن نراه، دوما، والإلهام أقرب من حبل الوريد (فلم نلوم البيئة، ونشتم الأقدار)، ونظل عطشى، والجمال فوق صدرونا محمول؟ لم أجد ثروة في الحياة مثل “قلب محب”، وللحب أكسير، يحيل عرق الطفل والحيب، إلى عطر يفوق براعة الصندق في هز أوتار الفؤاد.

        أهناك أرض للإبداع؟.

        أنظر تحتك (مفروش)، أعظم عشب للقلوب والعقول، مفروش أرض إبداع، ورأيت جناة الثمار، تهاني، وابي ذكر، والسياب، وزرياب، ومروان، ونفسية، قابلت بعد مدة العزيزة تهاني، وبانقا، وأصدقاء كثر، خلقتهم أنماط علاقات (تعجز العجوز ماركس)، حين أقسم بان قوى الإنتاج، وعلاقتها، هي من تغير العالم، (في العلاقة بين وعي الصنعة، والصانع، والجيرة، والهم المعيشي المشترك)، ولكن من يحكم سر الطبيعة؟ ورحلتها المعرفية؟ ويسجنها في فكرة، أو في ماض يفسر الحاضر، والغد؟ أو يصبها قالب؟ ونفور الخيال؟ وكم قابلت أصدقاء كثر، تزخرفت بهم العين، واسأل الله لهم السعادة، والصحة، والقراءة..    

         هناك كتب قديمة، تشعرك بقراءة “السلف”، من الأهل، كم كان الاختيار موفقا، والكتاب مرتبا، وهناك ملاحظات، خطها القارئي، تعجبا، أو استفسارا، أو مسرات قراءة، وخاصة كتب العروي، وعابد الجابري، وغيرهم من مفكري العربي، أهناك غياب للفكر السوداني؟ ونستورده من عقول أخرى؟ أم القلب السوداني “بتصوفه“، أنجز معرفة حدسية يتطاول لها العقل،؟ أم خط الاستواء الحسي، هو إلتقاء العاطفة بالفكر؟ ومن ينكر ان العقل خادم القلب، اهناك أفكار شتوية؟ وخط استوائية، مثل نبات شتوي؟ وصيفي؟ من يدرك سرك أيتها الأرض الحلوب، فأنت ألف رحم، مزين بطيف أفكار وحس، في كل أفق فيك، وعرصة.

        سعدت بلقاء صبري الشريف، عند مدخل “مفروش”، كأننا على قدر، وعلى محبة، اقتنيت وبادلت بعض الكتب، ورجعت ومعي سرديات، ومحمد خير، وسلمى صلاح، وأميمة عبدالله، وحرسم ومعتصم الشاعر..

        يسرح طرفي، في الكتب التي اقتنيت، وبدلت بأخرى، في أي صفحة الآن تقرأ تلكم الفتاة وهي في دارهم؟ وهناك من مضى به الفضول لقراءتها في الحافلة، وهو في طريقه للبيت، فحلق هناك، في عصور أخرى، وهناك من اشتري كتاب فكر، صحت على قرعه أفكار الشك واليقين والسؤال المباركة، وهناك من دخلة في لبوس البطلة المحبوبة في مدام بوفاري، أو عرس الزين، أو الحب في زمن الكوليرا، وعاشت تجربة القراءة، تجربة أن تكون أوسع، وأعمق في احشاء خيالك، ومشاعرك، مع عقول كبيرة، عميقة، وددت أن تصادق دون من، وبصمت تمس لها بتجاربها، وشعورها، وخيالها.

        كم سعدت بإهداء من زئائن مفروش، لكتب الأستاذ محمود، فقد أهديت كتابين للأطفال، وتذكرت طفولتنا الاشتراكية، بالرسومات الخلوقة، الانيسة، الحية، التي تشم فيها رائحة الطفولة والزيت، ونضارة الجسم، للفنان  الأستاذ، الأخ خلف الله عبود الشريف، ومن تأليف الأستاذة العزيزة، جواهر عبدالرحيم الحسن (ودعواتكم الصادقة لها، في مرض ألم بها)، كتابي (نحن ديمقرااطيون)، وكتاب (إشتراكيون)، للأطفال، وسعدت بحوار نبيل مع عثمان أربجي، ومحمد المعتصم، وبإبتسامه رائعة في سوق فكر وشعور، يبز سوق عكاظ والمربد، فشكرا لكل من باع لنا النور في حروف.

        فعل بسيط، مجرد أن تندقر وتشيل، وبأبسط الأسعار، وحلقا بعيدا، مع كتب قديمة، وجديدة، ومستعملة، أطربت الأجداد، ولم تفقد نضارها، حتى وهي تطرب الأبناء والأحفاد، وتلكم هي سنة “اقرأ“، الخالدة.

        معا، لركوع الصلاة الطيبة، صلاة القراءة، من أجل كل مفروش، من كتب ومجلة، ومجلد، وعقل، على ارض بلادي الطيبة، وللحق ارضنا لا تزال عذراء، لكل من يدنقر من أجلها، بالصلاة، أو المعول أو المنجل، أو الكتاب، وهي أرض حلوب لم يعرفها ويعقشها ويوله بها.