خط الاستواء  عبد الله الشيخ  كان هنالك نسرٌ بشعٌ وقبيحٌ ، يتغذى من شقاء الناس..أقلق منامهم وأكل لحومهم وشرب دماءهم، وأختطف أحلامهم..

في ليلة من ليالي  يونيو الضليمة ، اختطف النسر القبيح صبية يافعة باذخة الحسن، أغراه جمالها فأراد أن يقتلها مرتين..! لم يأكلها، لكنه أسرف بها، وأنجب منها مخلوقاً مسخاً كريهاً،، كان نسراً ممسوخاً فى هيئة ثعبان انسان.. كان كائناً مخنوقاً بالعصاب، تتفاقم في داخله عقدة لا تحلها كل الطقوس.!  ذلك النسر الممسوخ ورث عن أبيه طبائع القبح، وحُب الأذى، وبالتعالي، والضعف.. كان يضرب فريسته ضربة الخوّاف، ويقهقه بضحكة المطعون في الفؤاد، ويتلصص في هجعة الناس..!

 ذلك الكائن البشع ،أهلك الحرث والنسل والمصانع، خرَّب المدارس والجامعات، شرَّد الأسر الآمنة، وأشعل النيران في البيوت الآمنة وفى الرواكيب البعيدة، وأغلق أبواب المستقبل على أولاد المدن، سدّ طُرق الهجرة على المقهورين.. ومن نجا من أهل البلاد تسلل إلى خلاء النزوح والمعكسرات وبلدان الصقيع..!

تظاهر الناس ضده، فتفرعن وقتل منهم خلق كثير.. رموه بالهتاف ،فما قتلوه.. حاصروه بالكلمة الجريئة وبالحقائق المفجعة ،فجاعوا أكثر..استنجدوا بأصدقاء الإنسانية بحثاً عن سبيل للخلاص، فزاد عليهم مساحات الحرائق والدمار..!

حار الناس من أمرهم حيرة كاملة..جفف ماء النيل بأكاذيبه وإشاعاته واستثماراته، ضاعت اراضي و مصالح البسطاء بأنانيته وحقده ، أظلم القمر من الكيد وسوء الطوّية..

 لكن الليل لا يمضي الى ليل..!

ففي ذات فجرٍ جاء من أقصى المدينة رجل يسعى بالبشارة،، رجلٌ حكيم أوصى الناس بالمرابطة وبالصبر، واحتمال الأذى، وأنّ الله لا يضيع أجر المحسنين..

ما أن ظهر الرجل الحكيم فى سماء القرية ، حتى بدا ذلك المخلوق البشع في الذبول.. كان يطير عالياً فوق الجميع، و يخمش بمخالبه خدود العذارى، كان يقتل  و يتلذذ بالقتل ويستحب الشراب من دموع الضعفاء.. وصبر عليه الناس عاماً، فعامين، فخمسة أعوام ، فعشرة ، فعشرين…..والحكيم يشحذ خيالهم بأن الفرج قريب..علّمهم الحكيم اقتسام النبقة، وغذى أرواحهم بالأمل، أوصاهم أن يتركوا ذلك المخلوق المسخ لشأنه..

استغرب الناس النصح حين قال لهم الحكيم: ” كما تُدين تُدان”.. قال لهم: ” أتركوه لشأنه..انه  سيرمي عليكم ضرراً كثيراً لكنه فى نهاية الأمر لا يؤذي إلا  نفسه.. وقد كان..!

 زاد ذبول المخلوق العجيب المغلول بالعصاب، فكان في علالي قصوره – الصخور – يضرب بأجنحته على جُدُر الوحدة والوحشة، حتى نتف ريشه وتعرى..!

 وبجسدٍ هزيل، وبحقدٍ على الحياة، زحف ذلك الكائن المسخ نحو الناس يسعى لـ ” محاورتهم  ومناقشتهم”..!  كان ” الناس، كل الناس”  قد تحلقوا حول الحكيم..!

 زحف.. وزحف.. وزحف.. حتى “سهك” مخالبه التي قتلت آلاف الأرواح.. ناوش الناس  فشاحوا وجوههم عنه وقد كان غاية ما يتمناه أن يحادثونه، أو يغرس أحدهم في جوفه عوداً..! لكن الحكيم كان له بالمرصاد، كان يقول لهم: ” لا تقتلوه،، أتركوه يقتل نفسه، اتركوه يلاقي الله بأرواح ضحاياه “..!  

وهكذا ظلّ المخلوق حياً لربع قرن من الزمان وأكثر، لا يطير ويتعالى كما كان في أيام الصبا، لا يموت ولا يحيا ، و لا يرتاح من عُقده الحازمة.. كان يقصف، ويشتم ، ويناوش،،،  ويزحف ..!  و في خضم ذلك الزحف فقد مخالبه التي كان يصرع بها ضحاياه، وظل يبكي و قد فقد ريشه..!

أخيراً، “جعر”  الكائن المسخ بحرقة شديدة بعد أن افتقد فى خاتمة المطاف، الوسيلة التي كان يمكن أن يقتل بها نفسه.. بكى لأنه  أضاع على نفسه فرصة الاستفادة من مخالبه لروحه الشقية في ذلك الظرف العصيب ..هكذا بقي ذلك المسخ حياً كميت، لتكتب الأجيال الصاعدة نهايته المحتومة..!