خالد فضل في الجزء الأول من هذه القراءة حاولنا الغوص في مواقف ما تعرف بالقوى السياسية التاريخية أو الكبيرة على الساحة السودانية، واللافت في مواقفها هو عدم جديتها في اسقاط نظام المؤتمر الوطني رغم حديثها المتكرر عن ذلك,

ولعل الشواهد تترى من لدن أحزاب الأمة والإتحادي والشعبي على زعمنا هذا , فحزب الترابي ظل مصرا على عدم كشف الكثير من مواطن الخزي والإنتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي مورست عندما كان قائده  د. الترابي هو المفكر والمنظر الأول وربما الأوحد للسلطة بل استنكف الترابي تقديم إعتذار عما حدث في تلك الحقبة مكتفيا بعبارة فضفاضة عن إعتذاره لله, كما أن حزب الترابي وحزب مولانا الميرغني قد أضفيا الشرعية عمليا على إنتخابات 2010م بمشاركتهما فيها حتى النهاية , وأيا كان حجم التزوير وغيره من ممارسات كانت معلومة بالضرورة , الا أن الوضع الحالي يعتبر من ناحية إجرائية وضعا شرعيا بدلالة إكتساح الإنتخابات التي شارك في سباقها عبدالله دينق نيال وحاتم السر كمرشحين لمنصب الرئيس عن الشعبي والإتحادي على الترتيب.

المدرج الخشن الذي نعنيه , والذي قد لا يجعل الهبوط ناعما كما يتمنى الأمريكان وغيرهم من القوى السياسية التي لا تدعم خيار اسقاط النظام بصورة جادة , يتمثل في سؤال جوهري هو: الى أي مدى يمكن الركون الى أن هذه الأحزاب السياسية تعبر بالفعل عن تطلعات غالبية الجماهير السودانية؟ فإذا أخذنا الجامعات كنموذج واضح ولأن الطلبة الجامعيين يفترض أنهم يمثلون ذروة النظام التعليمي النظامي , نجد أن نسبة المشاركة السياسية لديهم قد تدنت بصورة كبيرة , فالمشاركون في العمليات الإنتخابية لإتحاداتهم الطلابية تكاد تنحصر في فئة لا تتجاوز نسبتها المئوية بضع بالمائة من مجموع الطلاب , ولأن الطلاب المنتمين لتنظيمات سياسية يحرصون على المشاركة، عليه يمكن اعتبار الأغلبية غير منتمية ويظهر ذلك من خلال إحجامها , وأيا كانت العوائق وأجواء العنف والتخويف وغيرها من ممارسات الإرهاب التي تمارسها السلطة وعناصرها في الوسط الجامعي وخارجه الا أن الحقيقة الواضحة هي انحسار تأثير الأحزاب وزهد كثير من عناصرها فيها والدليل كثرة التشققات والانقسامات, ولذلك فإن ما ترضى عنه قيادات الأحزاب قد لا يشكل ما ترضى عنه الجماهير , فهناك حالة تذمر شبه تامة وسط قطاعات غالبة وسط الشعب , فحالة الفقر التي حاول خطاب الوثبة أن يحيلها الى مقارنة مع فقر العهود السابقة , هي حالة عامة تقريبا , كما لا يصلح للمقارنة مثلا مقارنة وسيلة السفر بالدواب قبل انتشار السيارات مع الوسائل المتاحة الآن ولكن تبقى العبرة في حالات الجوع مثلا في العهود السابقة مقارنة مع عهد الإنقاذ . كم مليونا من السودانيين في دارفور كانوا يقتاتون على الإغاثات والإعانات الدولية طيلة العهود الماضية وكم منهم يعيش عليها الآن ؟ ماذا كان يأكل المعلمون والموظفون والعمال في العهود السابقة وماذا يأكلون الآن؟ كيف كانت الخدمات الصحية والعلاجية سابقا من حيث توزيعها الأفقي ومجانيتها مع توفرها الآن وهكذا يمكن السرد: كم مشروعا زراعيا منتجا زمان وكم عددها الآن ؟ هذه مجالات مقارنة الفقر وليس كم كانت الموازنة العامة للحكومة زمان وكم هي الآن ؟ فما جدوى مليارات الدولارات التي تجبيها الحكومة الآن من الناس لتنفقها على فئة محددة من منسوبيها ؟ هنا تتضح وعورة الواقع الشعبي وفقدانه للثقة في الحكومة ومن يشايعها , وهذا يشكل منزلقا وعرا بالجد, فقد قر في وعي كثير من الشعب (وهم على حق) أن ما ينفعهم ويصلح حالهم لا يمكن أن يأتيهم من قبل النخبة الحاكمة وإن ترقعت ببعض الوجوه. وإذا كانت هنالك بعض المؤثرات التي جعلت التحرك الجماهيري لم يكمل دورة انتفاضته بعد فإنه من الغفلة أن يتم تجاهل الشعب وطموحاته فالقمع العنيف والقتل الوحشي والإعتقالات المتطاولة للعناصر النشطة في مقاومة المؤتمر الوطني قد زاد في الحقيقة من درجات الإستياء العام وأدخل مجموعات جديدة في زمر الناقمين علي المؤتمر الوطني وممارساته , خاصة مع استمرار احتكار السوق والوظيفة العامة وفرص العمل وأجهزة القمع الرسمية والمليشيات الحزبية ومع تفشي الفساد في كل الجسد الوطني واستمرار الحروب الاهلية وارهاصات المزيد من التفتيت للبلاد. وإذا كانت هناك بعض الفئات المستفيدة من الوضع الراهن نتيجة لممالاة عرقية أو جهوية , أو ارباب الوظائف ذات المخصصات العالية , أو أولئك الذين تم استلابهم من المهمشين ثقافيا واقتصاديا وعرقيا ودينيا وجعلهم واجهات زائفة وديكوراً لتجميل الممارسات الدميمة التي تتم وسط أهل ومناطق هؤلاء المستلبين فإن كل هذا الى زوال عند لحظة الحقيقة . هنالك المجموعات الشبابية والطلابية الناشطة في مجالات الحياة العامة بمختلف ضروبها كشباب (قرفنا وأبينا ونفير) وغيرها من الجمعيات الشبابية النشطة والتي يعمل بعضها في العمل الإنساني ومساعدة المحتاجين كشباب شارع الحوادث وغيرهم من مجموعات ناشطة كشف وجودها أن بذرة الأمل وحب الوطن وروح العمل الجماعي والتضامن وكل القيم النبيلة ما تزال موجودة وحية وسط الأجيال الصاعدة, هؤلاء مع النازحين واللاجئين والمعدمين من فقراء الريف والمدن والمحظورين والمهجرين قسريا والمنفيين وذوي ضحايا العنف الانقاذي البشع من شهداء حركة رمضان ومعسكر العيلفون والسليت والجامعات وشهداء هبة سبتمبر وغيرهم من ذوي الشهداء في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق وغيرها من مناطق السودان كل هذه المجموعات التي تشكل الأغلبية الساحقة من مجمل الشعب السوداني من من لا يعبر عنهم لا حزب المؤتمر الوطني وأشياعه من جماعات الهوس الديني ولا رصفائه من القوى السياسية التي تتوق للهبوط الأمريكي الناعم على مدرجه البائس.

هنالك دون شك الشباب الذين قالوا لا وحملوا السلاح منذ أكثر من عقد من الزمان في دارفور وكردفان وهناك الجيش الشعبي لتحرير السودان وتنظيم الجبهة الثورية الذي أثبت أن أي معادلة للحل الشامل لا يمكن أن تتجاوزه فما هي آفاق الحل الأمريكي عبر الهبوط الناعم إذا لم تتم مساومة تاريخية سودانية يتم بموجبها تفكيك بنية الإستبداد مرة واحدة والى الأبد والبدء من منصة التأسيس وليس الترقيع , ولا تثريب في أن يكون الإسلاميون السياسيون جزءاً من منظومة الوطن شرط تقيدهم بشروط الوطن وليس الوهم.