استيلا قايتانو سلام بقدر ما في هذه البلاد من جمال، ورحمة بقدر ما في هذه البلاد من تعب، وبركات بقدر ما في نفوس الناس من طيبة وسماحة.

اسمي استيلا قايتانو جنيشس.. اسمى يعني نجمة الصباح قال ابي عندما ولدت في فجر أحد الايام كانت هناك كوكبة تلمع في السماء حينها قال هذه استيلا وهو اسم ايطالي. اما هو ابي قايتانو اعتذر له لان الكثيرين ينطقون اسمه خطأ او حتى يكتب خطأ ولم يسلم حتى كتابي الاول من ذاك الخطأ.. ساعات اتحمس لتصحيحه وساعات اتركه.. على اية  حال هو ليس اسمي. اما اسم جدي فهو الخطأ عينه وهو اكبر دليل على ان السودانيين لا يجيدون نطق اسمائهم ولا كتابتها، فجنيشس هذا هو في الاصل جيمس ولان الكتبة الذين يجلسون في بوابات مكاتب الجوازات والهجرة في ذاك الوقت لم يركزوا مع ابي  وكتبوا اسمه دون ان يسمعوه جيدا وتحول جيمس الى جنيشس ودمغ هذا الاسم في شهادات ميلادنا وشهاداتنا السودانية والجامعية ليصبح خطأ متعمداً نرتكبه بدقة شديدة لان اي تغيير يعني التشكيك في كل اوراقنا الثبوتية.. حتى عندما عدنا للجنوب حملنا هذا الخطأ معنا كتذكار عصي على المحو من دولة السودان الام.

الميلاد والنشأة : ولدت ونشأت في الخرطوم بحري المزاد، نشأت وترعرعت في الحاج يوسف بالتحديد الوحدة  سوق 6، عوالم الهامش، والحاج يوسف يشبه الكثير من البيئات التي تطوق العاصمة القومية، احياء احتضنت النازحين بسبب الحروب او المتساقطين من ركب المدينة الصاروخي، او لجاذبية المدن وتوفر الخدمات فيها.

جامعة الخرطوم : اشكر الصدفة التي ساقتني الى هذه الجامعة، هناك درست الصيدلة وقابلت اعز الاصدقاء، اصدقاء كالارض لا يخزلونك ابداً، وتعثرت بالكتاب والشعراء والنقاد والسياسيين والذين لهم الفضل في ميلاد استيلا فشكراً جميلاً لهم.

الحالة الاجتماعية : متزوجة وام لطفلين وكتاب ومقالات ممتلئة  بهذيانات مذبوحة.

الامنية : كنت اتمنى ان اصبح فتاة طويلة.. ولكن كانت صديقتي خنساء الطيب تقول لي دائما: “يعني هسي انتي مقصرة حكمتو بالغة”.

.. اظننا نحن السودانيين نحب ان نعرف من اين ذاك الشخص بالضبط بحسن نية او سوئها،  لذا رغم توهان البعض في انتمائي وصعوبة تحديد مسقط رأسي بسبب قصر القامة وتوهان الملامح وفصاحة القلم واللسان لذا كان يتم تقديمي بالكاتبة الجنوبية التي تكتب بالعربية، كنت اغتاظ جدا ولكني وجدت بان هناك الكثير من المبدعين يتعاملون مع هذه الانتماءات البسيطة بغرض التعريف ليس الا لذا تصالحت مع الامر كما تصالح مبدعونا الذين ذكرتهم سابقاً، تضيق انتماءاتهم في حين انهم يتمددون بطول قامتهم على ارض المليون ميل ومحنة، يدخلون البيوتات الحزينة بدون استئذان ويحطمون السياجات ويملأون الساحات  بالجمال، يشتلون السماحة والفكرة والمحبة لخلق وجدان سليم.. لا بامر السلطات ولكن باملاء من انسانيتهم المتجاوزة للانتماءات الضيقة، بما انه كان يتم تقديمي بـ ( الكاتبة الجنوبية التي تكتب بالعربية) ولقد اصبح هذا واقعاً الان وحقيقة لا يمكن التحايل عليه كما السابق، فالكتابة باللغة العربية قد ميزتني لان في تلك الفترة لم يكن من المألوف ان يكتب كاتب ينتمي الى جنوب السودان باللغة العربية، اغلبهم يكتبون باللغة الانجليزية وفي غياب شبه تام للترجمة لم تنتشر اعمالهم في الجزء الشمالي من البلاد، لذا حاولت ان اكتب باللغة التي تجيدها الاغلبية، حتى يسهل التواصل بيني والاخرين، صفة الكتابة بالعربية كما ادهش بعض الكتاب والنقاد هنا قد استفزت احد كتاب الانجليزية في الجنوب، وذلك عندما زارنا وفد من جامعة ايوا الامريكية في جوبا وهم اساتذة يهتمون بالكتابة الابداعية لدرجة دراستها في الجامعات بعد ان عرفت نفسي اضفت باني اكتب بالعربية فقال لي احد كتاب الانجليزية الذي استفزه الامر وشعر باني مستلبة نحو العروبة: ماذا تريدين من هذه اللغة فهي ليست لغتك لتكتبي بها !؟ فقلت له اريد الشئ نفسه التي تنشده انت فانت تكتب بالانجليزية وهي ايضاً ليست لغتك؟ اعتقد باننا الكتاب يجب الا نفكر بهذه الطريقة ولكن يبدو ان السياسة نفثت سمومها على الجميع لدرجة تورط بعض المثقفين لخدمة تلك لاجندة ، ولكن اثناء العشاء اقترب مني الروائي والشاعر البروفسيور تعبان لولينق ورمى هذه الكلمات في اذني : كوني كذلك الكاتبة الجنوبية الوحيدة التي تكتب بالعربية.. هذه ميزة ولا تتخلي عنها ابدا.

اللغة عندي هي روح النص واللغة هي التي تضيف الحياة الى نصوصنا واللغة هي التي تميز وتشخص ابداعنا وحتى تعطى انطباعها الاول، كما الانسان بالضبط، كما ان هناك اناساً تحبهم من اول وهلة او العكس، او هناك من تفرح به او يبهرك او يجبرك الى احترامه او حتى يصادقك تتساكش معه، هذه ما نصوصنا من خلال الروح اللغة التي نكتب بها، احب اللغة العربية واعشق الكتابة بها واللغة العربية هي ماعوني اللغوي الذي اريد ان اعبئ فيه قصصاً تخصني وثقافة تخصني بعيدة كل البعد عن العرب والعروبة، وكنت اعتقد باني لن استطيع التعبير بلغة اخرى غير العربية، ولكن بعد ان استقل الجنوب واصبحت الانجليزية هي اللغة الرسمية، لا ادري ماهي موجة فرض اللغات الرسمية، واجد انها كلها لا تعبر عن هويتي ولكني متصالحة معها واحب التعامل بها واتخذها اداة للتواصل والابداع وقارب اعبئ فيه ذاتي لتبحر لعوالم اخرى وشعوب اخرى تحتفي بالجمال والتنوع وتقديراً اننا اخوة في الانسانية من حقهم ان تصل لهم النصوص باللغة التي يعرفونها، ساكون سعيدة طبعاً اذا كان هناك الف روح لـ ( بحيرة بحجم ثمرة الباباي).

 بعد العودة للجنوب  انقلبت الموازين لدي واصبح هناك تحدٍ بان كيف اصل الجميع حتى قراء الانجليزية، والان اعمل على محاولة تطوير نفسي لاكتب باللغتين او ترجمة اعمالي الى اللغة الانجليزية . 

كتبت عن الحرب والنزوح وثقت للفقر والعوز والخمور البلدية والسجون.. في قصة ( كل شئ هنا يغلي) بجزءيها نحت نحو الموت والسجون – ونحو الجنون، كنت قريبة جدا من اجواء هذه القصص هذا اذا لم اعترف صراحة باني كنت جزءاً منها واشارك في بعض تفاصيلها..اعرف الكشة وقسوة رجال الشرطة، اعلم الابتزاز وطلب الرشاوي من الامهات اللائي يفضلن وضع عصارة جهدهن وقوت اولادهن ورسوم مدارسهم في ايد الجنود بدل ان تؤخذ الى السجن وهذا كان صداما اجتماعياً وثقافياً بين الدولة المعروفة دستورياً بالعربية الاسلامية ومجموعة من مواطنيها الذين ليس لهم علاقة بالتوجهات الايدولوجية للدولة لذا كانت صناعة الخمور بالنسبة لهن هى مصدر رزق تسد الرمق وتوفر كسوة وتدخل عدداً لا بأس من الاطفال المدارس على سوئها ولكنها ترضي الامهات، اما نظرة الدولة فلم يكن هؤلاء المواطنون الا مجموعة من المنتهكين للحرمات الدينية لدين ليس لهم به اي التزام روحي ولا يعرفون حتى شعائره،  لذا حاربت الدولة تلك الصناعة بكل ما اوتيت من قوة وللاسف من غير تقديم بدائل محسوسة لكسب العيش الكريم و.. الحلال طبعا، عندما كانت تأتي الكشات وتسكب المرائس البيضاء على الارض وتقود الامهات نحو السجون كان ضمير السلطات يرتاح لانها نهت عن المنكر بينما كان رأي سكان تلك المناطق انها اهدار لنعمة كان يمكن ان يتغذى بها الكبار والصغار وتشعرهم بالامتلاء والنشوة ليوم كامل وحبست المعيل الوحيد للاسرة، بذا ازدادت الفاقة والعجز وتراكم الغبن الاجتماعي لتصبح تلك البيئات المفرخ الاساسي للمشردين والحانقين والغاضين والمجانين الذين يبحثون عن بصيص امل للهروب.. تلك الاختلافات في القيم على بساطة تفاصيلها عبأت الناس تجاه الرحيل في اقرب فرصة وقد فعلوها ومازلنا نجتر مراراتها حتى الان ،  تعايشنا مع اباء غير مسؤولين و اقصاهم المجتمع بالعطالة او التعطيل ليدخلوا في دائرة غير منتهية من السكر والعربدة والعنف الموجه الى النساء والابناء وانفسهم، دخلت امهاتنا السجون عشرات المرات من اجل اطعامنا وجبة واحدة في اليوم ومن اجل ان نشترى كراسة وقلم وكل امنياتهن الا تحبل بناتهن في سنين المراهقة الاولى والا يعاقر ابناؤهن الخمور وفي اغلب الاحيان يحدث كلاهما كنتيجة طبيعية لتلك البيئة، بيئة النزوح والعنف والانحطاط الذي هو ابن شرعي للحرب واعتبر نفسي محظوظة او باكثر امتنان ناجية عندما تفتح وعيي مبكرا واتخذت من القلم والحرف ازميلي لاحفر عميقاً لانحت ذاك الالم غير المحدود في ذاكرة كانت بعيدة ولا تنظر لتلك البيئة الا بنظرة الاتهام والخوف والازدراء والاحساس البارد بان هؤلاء ليسوا جزءاً من هنا ولابد ان يأتي يوم ويذهبوا وقد فعلوا، وكان ذهابا صادما ومؤلما فلم يستطع من اختاروا الجنوب وطنا الشفاء منه ولا بقية السودانيين الذين بقوا في الوطن الام الشفاء منه، تحدثت عن ذاك الرجل الواعي والعاجز في آن وحولته الى عين ترصد كل شئ ولكن دون ان يكون في استطاعته التغيير، كم هو مؤلم اقتران الوعي بالعجز ليصيبا البطل بذاك الالم الرهيب لدرجة الانسحاب من الحياة شيئا فشيئا..  

اكتشفت متعة التحدث عن الخاص والمحلي جدا  ليصبح دهشة للآخرين لذا تعلمت ان اكتب عن نفسي ان اكتب عن امي ان اكتب عن اهلي وارضي التي كنت بعيدة عنها لان من حق الاخرين اكتشاف حيوات اخرى لا يمكن تخيلها.. فكتبت ( وليمة ما قبل المطر) وتبدأ باولير وهو بطل القصة والذي اسمه يعني العراء.. هذا الاسم هو اسم اصيل في القبيلة التي انتمي اليها قبيلة اللاتوكا من كبريات القبائل التي تسكن شرق الاستوائية من القبائل التي تعبر عن حزنها بالبكاء والرقص في آن، بكاء الجسد والروح فلم يدهشني زوربا عندما كان يرقص الما برجل واحدة في رائعة ماركيز ولكني اكتشفت بان هذه التفاصيل تكتب، برفقة الدموع والاغنيات.. عن الاسماء نقول باننا نمجد اسم القبيلة ويعتبره الاجداد والجدات بانه الاصل وما عداها هى وجهات ليس لها اي داعي.. فاي منا يحمل اكثر من اسم وقد يكون لكل جدة او جد او خال او عم اسم عزيز عليه يطلقه عليك ويجب عليك ان تفرح به وتعتز، واطلاق الاسم ليس لها علاقة بلحظة الميلاد او ما نسميه (السماية)  قد تتلقى اسماء جديدة خلال عمرك وتفاعلك مع المجتمع او اكتساب صفات جسدية كالطول او القصر او سواد البشرة او القوة او حتى عاهة، كل هذه محفزات اساسية لتظفر بعدد من الاسماء واذا كانت امك من قبيلة ووالدك من اخرى فسوف تحمل ما قدر الله لك من اسماء حتى تئن ، فاسمي المعروف هو استيلا ولكن في القبيلة اسمي هو( اغاري) اي المرفوضة واحمد الله بان امي وابي من نفس القبيلة وقد سميت كذلك تيمنا باحدى الجدات.. واسم امي لوشيا ولكن اسمها (اكولنق ) اي المولودة بسرة كبيرة، ابي قايتانو وهو (اوكود اراغي) اي الطائر المقوس الجناح المستعد للطيران او الانقضاض وقد سمى نفسه اثناء فترة الشباب، اختي نجوى تدعي (ادوا ) ويعني الحصاد واخي موريس (اغالا) ويعني المولود باسنانه.. خالتي (ايميجوك) اي ذات الاذنين الصغيرة  وولدي عمر اسمه ( اوقيدي) اي المولود في موسم الامطار و(اتاري) المولود ليلاً او( ايقو دو) العمياء او العمشاء و(اميدو) الفطساء الانف..  وهكذا نسمي لنوثق للحدث ولنحتفي بالجمال او للتصالح مع عاهاتنا دون اي انتهاك لحقوق الانسان. فاولير يعني الطفل المولود في العراء واوفيري الطفل المولود اثناء الحرب وايموارا الطفلة المولودة اثناء التصالح والسلام.. فقصة اولير كتبتها من الخيال البحت.. استحضرت ذاكرتي السماعية لتكثيف الصورة تحدثت عن انهار وبروق، استعنت بالتعاويز والكجوروالخرافة كمعتقدات افريقية مازالت تمارس حتى الان بايمان وخشوع تام، زينتها بالغابات والبافرا واوراق الموز، ثم عطرتها بروائح الجدات الائي يسرح القمل في تنانيرهن.. اللائي بمجرد امنية منهن قد تصيب الابناء و الاحفاد اللعنات التي لا يمكن التحرر منها بسبب الخوف او الغضب.. فخوف الجدة على حفيدها في هذه القصة حتى لا تصيبه الصاعقة كما اصابت اصدقائه الذين كانوا يلعبون تحت شجرة العرديب الضخمة لانه كان نائما، جعلتها تلعن حفيدها كي ينام كلما امطرت السماء.. لذا كان اولير ينام مع كل  زخة للامطار اثناء ذلك تعود به الذاكرة الى عمر السادسة الى يوم الحادث بالتحديد اثناء سباحته في نهر هائج وانهمار الامطار وهو رجل بالغ ولكنه يتحول في احضان الطبيعة الى طفل نائم في عمر السادسة.. فيرى احتراق الشجر بالصواعق.. يسمع عويل الامهات ودوي الطبول يحس بلعاب جدته الملعون على فروة رأسه ينتحب وهو يرى قملة كبيرة تنزوي في ثنايا تنورتها، ما اريد قوله من هذه القصة هو ان الاعتقاد شئ يصعب التحرر منه وذاك ينطبق على كل الاديان السماوية والارضية وبسببه قد يحيا الفرد ويعيش على امل او يموت ملعونا وطريدا من رحمة الاله.

بحيرة بحجم ثمرة الباباوي.. احب هذا النص كما يحبه العديد منكم ولها مكانة خاصة عندي لانها القصة التي عبرت بها من مرحلة الكتابة العادية التي تشبه كتابة الكثيرين الى مرحلة كتابة الانا الخاص والغريب عن الآخر، كتبتها في نصف ساعة، لم اراجعها ولم اغير فيها شئ، نزلت عليَ كوحي او كالهام، كتبتها وانا ارتجف من الخوف والانفعال وكانت دواخلي تصرخ او تحتفل كلحظات الميلاد، كنت خائفة من هذا النص لانه لم يكن  لدي توقعات عن قبوله بكل تلك الجراءة والغرائبية التي فيها، نص به امرأة لا تشبه النساء، بها خليط من الامومة الابدية والقسوة المتجذرة لاسباب تعرفها نساء الريف والبيئات المفتوحة على المفاجآت السارة او القاتلة، اناس يجدون قراءة الطالع ويفهمون همس الشجر والحيوان والالوان والتخاطب مع البيئة ويعرفون دلالتها، هي هكذا ديانات وخرافات واسطورة هي عمود فقري للثقافات الافريقية، كيف استطيع قول هذا في زمن سيطرت الحقيقة الواحدة على كل الحقائق الاخرى وربما ساتعرض للسخرية ! هذا كان مصدر خوفي ،  كتبتها بشغف وعندما انتهيت القيتها في حقيبتي الوحيدة كأني اخفي جرما.  قبل ان اكتبها كنت اراقب جدتي الحقيقية وليس لها علاقة بجدتي التي في القصة.. حيث ان جدتي الحقيقية قصيرة القامة وصغيرة الجسم مثلي وجبانة نوعا ما مثلي ايضاً.. تخاف المرض والحرب والموت وعدم الانجاب وقلة ادب الابناء والحنين.. وهي التي كانت تقول عندما تضرب امي لتأدبها حين تُأنبها الجارات على ذلك قائلات :  لماذا تضربينها وهي ابنتك الوحيدة ؟ كانت ترد عليهم : واذا لم اضربها هل ستنفلق الى عشر بنات ؟ تلك هي جدتي الحقيقية والتي ابتلاها الله بموت المواليد فلم تبقَ غير امي واخوها.. لذا انجبت امي 9 اطفال بدون توقف عاش منهم 7 وكلنا اناث وولد واحد فكانت تقول لنا : لقد انجبت اخوتي بنفسي وهو الشئ الذي اريد ان اعوض به امي عن موت اطفالها ! لذا تفرح جدتي بالاحفاد حد الاحتفاء، موقعي وسط بين اخواتي لذا لم يكن والداي يركزان معي كثيراً  حتى تفاجأوا ذات يوم بصوري في الصحف وعلى شاشات التلفاز. كنت اراقب جدتي الصغيرة وهي تحطم بعض كتل طين جدارنا الذي تداعى اثناء خريف ما ارضا، لتحولها الى تراب نعيد بها بناء ذاك الجدار.. كانت تجلس على مقعد قصير وتغني اغنية اطلقتها لتمجيد مآثر جدي وهي اغنية لنفسها وتنجز للاسرة، نهضت وتحركت في الفناء وفعلا رايت الافق عبر ثقب اذنها.. والتمعت الفكرة في رأسي وذهبت ودونتها في نصف ساعة، استحضرت جدة اخرى رأيتها من قبل وابهرتني بطولها وقبحها ورائحتها النفاذة وغير مكترثة بمقاييس الجمال التي تهم الاخرين ويعرفها الناس فتقول عن فطاسة انفها يكفي انها تتنفس به هكذا في فلسلفة تقدير الوظائف والمهمات واداء الواجبات اكثر من الوجاهة والمظاهر.. فالانف الطويل والكبير والافطس كلها تؤدي مهمة التنفس من ما يعني الحياة فلما يركز الناس على الجمال بشكله السطحي ؟ لهذا قد نهيم بشخص دميم من الخارج ونحلق حوله عندما يكون بيننا ونفتقده عندما يغيب لان دواخله منابع تتفجر جمالاًغير محدود وايضا قد يضايقنا طلة شخص فاتن وساحر ولان دواخله مزبلة للقبح، لذا اقول رغم قبح جدتي لم اكن اتقزز منها فاني احبها.. ولذا ايضا نحب كمال وداعة وامل دنقل. اول من قرأ هذا النص هو الاستاذ الشاعر عاطف خيري في ذاك الوقت كنت طالبة ثانوي لم ادخل الجامعة بعد، كنت حينها اعمل في مركز لتصوير المستندات في جامعة الخرطوم، بعد ان اتم قراءتها القى الي بالوريقات وهرول خارجا، خفت، بعد حين عاد وقال : هذه القصة سوف تصبح عدوتك يوما ما، مالم تكتبي بهذا القدر من الجمال باستمرار، وبذلك تولدت داخلي رهبة الجمهور الذي لا يرحم ويريد المزيد وبنفس المستوى.